الأستاذ عبد الله ابراهيم رجل النضال و القلم


 

ألقيت هذه المداخلة بمناسبة ذكرى تأبين المناضل الراحل العلامة الفقيه السيد عبد الله ابراهيم بمؤسسة البشير بتاريخ:11-2 -2006.حضر هذا الحفل الرباني العديد من الشخصيات إلى جانب أصدقاء المرحوم وأفراد عائلته.

 

          

       باسم الله الرحمان الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، عن معاد بن جبل قال:"إني سمعت رسول الله (ص) يقول:قال تبارك وتعالى:"وجبت محبتي للمتحابين في والمجالسين في والمتزاورين في والمتبادلين في."أخرجه البخاري ومسلم.ونحن اليوم متحابين متجاورين متجالسين لتكريم الفقيد المرحوم العلامة القدير و الأستاذ الفاضل سيدي عبد الله إبراهيم رحمه الله.

       لقد سمحت لي الأقدار أن أجالسه طويلا في الندوة الوطنية التي نظمتها جمعية إحياء جامعة ابن يوسف في موضوع جامعة ابن يوسف أية آفاق يوم 28-12 من سنة 2000، فكان من بين المتدخلين في هذه الندوة بمداخلة غنية أعجبت الجميع، لمست فيه روح المثقف المعطاء في صمت دون أن يطلب جزاء، لهذا سمحت لنفسي أن أكون من بين الذين يسجلون شهادتهم عنه.

     يعتبر سيدي عبد الله إبراهيم من الوجوه التاريخية للحركة الوطنية بالمغرب. ولد بمراكش سنة 1918 وقد اشتهر بأنه أحد قادة كتلة العمل الوطني في المغرب خلال سنتي 1936 و1937 كما ساهم في مرحلة مبكرة في تأطير حوالي 50 حرفة تقليدية في مينة مراكش كأسلوب تنظيمي نقابي غير مسبوق على الصعيد الوطني.      

      فقيدنا المحتفى به يعتبر جزءا حيا من الذاكرة السياسية والوطنية والاجتماعية لمراكش مع زمرة من رفقاء دربه، وإنه لأمر مؤسف أن أغلب الرواد في الوطنية لم يتأت لهم تدوين شهاداتهم بشأن الأحداث التي صنعوها أو عاشوها... بيد أن ما أتيح للفقيد أن يرويه عن التنظيمات الوطنية بمراكش إبان عهد الحماية الفرنسية يوفر معلومات تضيء جانبا من جوانب سيرته الجهادية، حيث يستفاد من الشهادات التي سمعنا منه يوم جالسناه بعد انتهاء الندوة أن أوضاع البلاد عامة(المغرب) ومراكش خاصة قد عرفت في نهاية الأربعينيات تأزما سياسيا وضائقة اجتماعية وترديا اقتصاديا مهولا، إذ بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية 1939 أصبحت كل خيرات المغرب الفلاحية تذهب إلى فرنسا لدعم جبهة الحرب مما انعكس بشكل كارتي على الأوضاع العامة داخل البلاد ، في هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية أدرك قياديو الحركة الوطنية أن وقت المطالبة باستقلال البلاد قد حان وعلى الوطنيين أن يقدموا على هذه الخطوة السياسية الجريئة ويستعدوا لكل التضحيات المترتبة عنها.وهكذا تقرر تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال. ظل التحضير لهذه الوثيقة متسما بطابع السرية مخافة افتضاح الأمر قبل إتمام إنضاج فكرة الوثيقة مع ما تطلبه ذلك من حصر عدد الموقعين في ستة وستين (66) شخصية وطنية لها مكانتها البارزة ووزنها القوي في عدد من مدن المغرب.ويواصل حديثه قائلا:"إن بعد ترحيل الاستعلامات العامة الفرنسية للأمين العام للحزب أحمد بلا فريج من مراكش عدت من الرباط في ساعة متأخرة من الليل وقبل أن أصل إلى بيتي بحومة المواسين طرقت باب مولاي أحمد المنجرة وقلت له :أتنام يا مولاي أحمد ونحن نطالب بالاستقلال ؟وكم كان وقع هذه العبارة عليه...فجاءت ساعة الحسم، ووصلت الوثيقة التاريخية من الرباط متمثلة في العريضة الرسمية للمطالبة بالاستقلال فوقع عليها كل من:عبد ربه هذا أولا ثم المناضلون: الحسين الو رزازي وعبد القادر حسن ومولاي أحمد المنجرة وابريك الغراس." أدركت من حديثه هذا أن أولئك الرجال الخمسة هم فرسان مراكش في هذه الملحمة العظيمة.

     ومنذ وقت مبكر وجد المرحوم عبد الله إبراهيم نفسه أمام اعتقالات عديدة من طرف باشا مراكش وكذا سلطات الحماية الفرنسية وذلك على طول الفترة الممتدة من 1933 إلى 1952، إذ اعتقل سنة 1937-1942-1952 حيث اعتقل مع عدد من قادة حزب الاستقلال وقدم إلى المحاكمة العسكرية بعد الأحداث الدامية التي عرفتها الدار البيضاء على إثر اغتيال الفرنسيين للنقابي التونسي فرحات حشاد، واستمر هذا الاعتقال الأخير أكثر من سنتين انتهى بعودة العائلة الملكية من المنفى في دجنبر 1955.

   عين المرحوم عبد الله إبراهيم كاتبا للدولة وناطقا رسميا في حكومة البكاي الأولى وبعد التعديل الوزاري الذي لحق هذه الحكومة تسلم منصب وزير الشغل والشؤون الاجتماعية، وعين في نهاية دجنبر 1958 رئيسا للوزراء واستمر في هذا المنصب إلى غاية 21 ماي 1960،  خلال هذه الفترة باشر المرحوم مهامه وأقدم على فتح أوراش تتمثل في تسريع جلاء القوات الأجنبية من المغرب وتعديل القضاء ودمقرطة التعليم وإنشاء بنك مركزي وتأمين الدعم للثورة الجزائرية والانفتاح على الإخوة العرب...إلى غير ذلك من الأوراش التي فتحها.

   ورغم مسؤولياته الحكومية الجسيمة ساهم المرحوم إلى جانب المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وآخرين في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد الانشقاق التاريخي عن حزب الاستقلال في خريف 1959 إذ انتخب أمينا عاما للحزب في مؤتمره الثاني سنة 1962 وقام بدور رئيس في إقامة تحالف بين الاتحاد وحزب الاستقلال سنة 1969 قامت على أساسه" الكتلة الوطنية."

    بعد تركه للعمل الحكومي قرر المرحوم عبد الله إبراهيم أن يتعاطى للتدريس في كل من الدار البيضاء والرباط فتخرجت على يديه زمرة من المفكرين والقادة والمناضلين فاختار التفرغ للعمل الأكاديمي بحركيته ومشاغله التي لا تترك للمرء فترة الاختلاء والتفكير والكتابة،  وذلك لأن منطق الممارسة غير منطق التفكير.

     عاد إلى كنف الدراسة والبحث والتأليف، فكان فقيها وباحثا وكاتبا وأستاذا يحمل هما معرفيا كثيرا ما نغص عليه حياته السياسية.إن كتاباته تعكس روح مثقف تقليدي درس في ابن يوسف التي تخرج منها بشهادة العالمية واستطاع بعصامية وألمعية نادرتين أن يبدل جهدا فكريا فريدا للتعرف على مكونات الفكر الحديث لدرجة تسمح بالقولالأستاذ إن عبد الله إبراهيم بجانب الأستاذ عزيز الحبابي وقلة آخرين من أوائل المغاربة الذين انفتحوا على الفكر الحديث وعلى المفكرين الغربيين المحدثين وحالوا تمثل نظرياتهم واستعملوا مفاهيم ونظريات ومصطلحات مقتبسة من منظوماتهم الفكرية.وإذا كان الأستاذ الحبابي قد اتجه إلى دراسة الفلسفة والتخصص فيها كمحترف فإن المرحوم عبد الله إبراهيم حاول بعصامية نادرة أن ينفتح هواية على الفلسفة عبر المطالعة والكتابة وحضور دروس كبار أساتذة الفلسفة آنذاك في السربون مثل دروس "جال فال " حول تاريخ الفلسفة ودروس "إتيان سوريو" حول فلسفة الجمال...ويبدو أن الميل الفلسفي للأستاذ عبد الله إبراهيم اتجه نحو الفلسفة الألمانية على الخصوص، وبوجه أخص نحو الجدل الهيجلي، فاسم هيجل والروح الهيجلية تخترق كتاباته وخاصة تحليلاته السياسية التي تختلط فيها التحليلات الماركسية بالتحليلات الهيجلية من قبيل التمييز بين الذاتي والموضوعي بين ما هو كائن وما يجب أن يكون وكلها مقولات فكرية تدل على تقدم في الوعي الفلسفي والابستملوجي وعلى تقدم في أدوات التحليل السياسي لدى المحتفى به.

     اعتبر الراحل من رواد القصة القصيرة بالمغرب ومن المهتمين بالشعر والنقد الأدبي تجسد ذلك في كتاباته العديدة منها:

                -أوراق في ساحة النضال.

              -الحركة الوطنية والمقاومة في المغرب.

             - ثورة تقدمية ذات طابع ثقافي.

             - نداء الحرية بين المغرب العميق والمغرب الجديد.

             - الإسلام في آفاق سنة 2000.

             - صمود وسط الأعاصير، وهي مذكرات قلبت فترة لا يستهان بها من تاريخ المغرب، كتب عن أهوالها وفواجعها صفحات وصفحات تقطر ألما ومعاناة وتعطي صورة عما كابده من أجل حرية البلاد والاستقلال. وقد تميزت هذه المذكرات بتقديم الأستاذ المناضل الحبيب الفرقاني الذي استعرض علاقاته التاريخية مع المرحوم عبد الله إبراهيم أستاذا ومربيا ومؤ طرا...

    أيها الحضور الكريم، غاب عبد الله إبراهيم العلامة الأديب الناقد، الوطني المناضل، الأستاذ الجامعي، قائد الحركة التنويرية في الثقافة المغربية الحديثة، وهو لا يرجو من المنتفع بعلمه والمتشبع بفكره إلا أن يرفع أكف الدراعة إلى الله سبحانه وتعالى ويتمنى له من العلي القدير أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جناته.

                  فلندعو له الله جميعا أن يشمله بعفوه ومغفرته ورضوانه وأن يخفف عليه ضائقة القبور وأن يلهم ابنه وزوجته ودويه وأصدقاءه وطلبته جميل العزاء.

                اللهم ارحمه برحمتك الواسعة واسكنه فسيح جنانك، وتقبل حسناته، وتجاوز عن سيئاته واعف بعفوك عنه.اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه.ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي بالإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا.ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفانا مع الأبرار وآتينا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزينا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.

 

                                                                  والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته.  

 

 

                                            مراكش في:11-فبراير2006