ثنائية "المرأة و الرجل "من خلال النص القرآني                                                           

                                                           بشرى تاكفراست

                                                  أستاذة جامعية- مراكش المغرب.

 

(ألقيت هذه المداخلة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي نظمه الإتحاد النسائي الوطني المغربي لجهة مراكش تانسيفت الحوز تحت شعار سنة 2000 سنة المرأة المغربية.)

 

              سيدتي الرئيسة، زميلاتي و زملائي الأساتذة، أيها الحضور الكريم،

                              السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

    

        الحمد لله أننا نعيش في زمن كثرت فيه الندوات المحلية و المؤتمرات العالمية عن المرأة بغية دراسة و تحليل الجوانب المتعددة و المتصلة بها، و ما هذا المقال الذي نشارك به في هذه الجلسة إلا واحد من تلك الدراسات التي تقترب قدر الإمكان من طرح إشكاليات المرأة والتي غالبا ما تقف إرادة التحديد أمامها حائرة مشلولة.

            نود أن تكون هذه المحاولة المتواضعة مناقشة علمية منطقية لثنائية" المرأة والرجل" و فعالياتهما داخل المجتمع، و نحن نترصد البدايات الفعلية لهذه العلاقة لا بد أن نؤسس لها انطلاقا من النص الديني، لأن كل علاقة لا تخضع لما جاء في دستور المسلمين "القرآن الكريم " إلا و هي علاقة: "لاغية" تكون عرضة للتهميش و التحقير و النبذ.

       أول مشهد رسمه القرآن الكريم لهذه الثنائية يتشكل من:

                      أ- آدم يعيش في الجنة.

                      ب- حواء خلقت من ضلعه.

                     ج- الهدف: أن تسكن إليه.

 

      هذه المعادلة الرياضية هي التي تحدث عنها ابن جرير الطبري في كتابه "جامع البيان عن تأويل أي القرآن" المتوفى سنة 310 هـ أن الله أخرج "إبليس من الجنة حين لعن، و أسكن آدم الجنة، فكان يمشي وحشا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة، فاستيقظ، و إذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها من أنت ؟ فقالت : امرأة ، قال : و لم خلقت ؟. قالت: لتسكن إلي، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم ؟ قال: حواء، قالوا: و لم سميت حواء ؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي؟(1).

    المشهد الثاني: هو الهبوط من الجنة، لأن آدم و حواء، اقتربا من الشجرة التي نهاهما الله عنها(2).

      المشهد الثالث: يتمثل في أن كل الآيات القرآنية التي حددت العلاقة بين المرأة والرجل تؤكد على أنها علاقة "دينية " أولا "سلوكية "-"خلقية"طقسية (جنسية ) ثانيا منها:

1 - قوله تعالى: "أحل لكم ليلة الصيام الرفت إلى نسائكم، هن لباس لكم و أنتم لباس لهن"(3)، ويفسر الطبري"الرفت" بأنه الجماع.

2- قوله تعالى: "نساؤكم حرث لكم، فاتوا حرثكم أنى شئتم، و قدموا لأنفسكم و اتقوا الله و اعلموا أنكم ملاقوه و بشر المؤمنين ".(4) ما يشد الانتباه في الآية أكثر قوله تعالى: "و قدموا لأنفسكم " ما يفسر الرباط الشديد و القوي بين ما هو عقدي ديني و ما هو سلوكي أخلاقي طقسي (جنسي) في الإسلام، فمعنى الآية: اذكروا الله قبل الجماع:أو قولوا: باسم الله".

                المشهد الرابع: يتحدد في قوله تعالى:"فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن فريضة"(5)، و هذه الآية يفسرها الطبري بقوله:"إذا تزوج الرجل المرأة ثم اجتمع بها مرة واحدة، فقد وجب صداقها، و الأجر هنا رمز للمهر، إذ لا يحل للرجل أن يجتمع بامرأة دون أجر حتى و لو وهبت نفسها له.

           المشهد الخامس: هو الذي تحدده الآية الكريمة:"أو لامستم النساء "(6)، و هناك إجماع بين المفسرين على أن الملامسة تعني الجماع(7).

         

           نستنتج مما تقدم أن القرآن الكريم اعتبر النفس الإنسانية شحنة لا متناهية من الغرائز والأهواء يهذبها و يصفيها، فلا وجود لمفهوم الحبيبة في القرآن بل نجد الزوجة و ليس فيه "حب" بقدر ما فيه سلوك-أخلاق- طقوس (جنس) والآية الوحيدة التي تشير إلى شيء من "الحب" هي التي وردت في سورة الروم آية 20 و هي قوله تعالى: " و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، و جعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"(8)، و صورة المرأة في القرآن هي صورة "الزوجة" و هي مؤنث "زوج" خلاف الفرد "و أنبتنا فيها من كل زوج بهيج"، والزوج هو الفرد الذي له قرين، هما سيّان سواء، قال أبو بكر:" العامة تخطئ فتظن أن الزوج اثنان، و ليس ذلك من مذاهب العرب، إذ كانوا لا يتكلمون بالزوج موحدا في مثل قولهم زوج حمام، و لكنهم يثنونه فيقول: عندي زوجان من الحمام يعنون ذكرا وأنثى، و الدليل على أن الزوجين في كلام العرب اثنان قوله عز و جل: "و إنه خلق الزوجين الذكر و الأنثى،  فكل واحد منهما زوج، و قوله تعالى: " فاسلك فيها من كل الزوجين اثنين" (9).

           تحت سقف هذه النتائج يجب أن يشعر الرجل المسلم حين تشاء الأقدار أن، تنفصل هذه العلاقة سواء بأبغض الحلال أولا، أو بالتزوج ثانيا أو بهما معا – أنه تخلى عن زوجته الأولى و أن ينتابه إحساس من الاغتراب و الحنين إلى المعاشرة القديمة. فعلاقة الارتباط التي بناها بينهما القرآن الكريم ترقى لتجعل من الزوجين شخص واحد، و أن الرجل حين يتخلى عن زوجته يحس أنه تخلى عن جزء من كيانه، شيء نفتقده، بل يعز بين رجالنا اليوم، فتجد أن الإحساس الذي يتملكه هو أنه تخلى عن شيء كان في ملكه، وليس بعزيز عليه ولا يحبه. وتأتي الآيات الكريمات الأخريات لتنبه تنبيها عنيفا هذا الزوج المتعنت الذي لا يزال يعيش المجتمع الأبوي بعقله والمجتمع الذكوري بجوارحه. هذا الزوج لا يخطر بباله أن في الحياة من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال والمحاورة والرجاء شيء أعظم وأكبر...ومنها قوله تعالى:"وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطارا، فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذنا منكم ميثاقا غليظا." يمكن أن نقسم هذه الآية إلى وحدات هي:

1-   الوحدة الأولى:  و تتمثل في قوله تعالى: " إن أردتم استبدال زوج" فتأمل معي أيها القارئ الكريم هذا الخطاب الصريح الموجه للرجال: "فلا تأخذوا منه شيئا " يأتي جواب الشرط الذي هو " إن أردتم " معناه لا تضروا بهن إن أردتم تركهن ليفتدين منكم بما أتيتموهن، و إنما خص النهي عن أخذ شيء مما أعطى بحال الاستبدال، وإن كان المنع عاما، لئلا يظن أنه مادامت قد استبدلت وجب إسقاط حقها في المهر أو يظن أن الثانية أولى بالمهر منها لقيامها مقامها.               

2-الوحدة الثانية: وتتمثل في قوله تعالى:"أتأخذونه بهتانا و إثما مبينا " لاحظ معي هذا الاستفهام الإنكاري الذي صيغت به الجملة، و هذا المصدر الذي وضع موضع الحال في كلمة "بهتان". كلها أشياء تشعرك من البدء على الإقبال على أمر معين و الانفتاح على مساحات أوسع، لتتأكد من هول المعطى، و استنكار الله سبحانه و تعالى لأخذ ما أعطى هذا الزوج لزوجته.

3-الوحدة الثالثة:  وتتمثل في قوله تعالى:"وكيف تأخذونه" ذكر سبحانه وتعالى هذا في معرض التعجب خاصة وأن هذا التعجب يتم بعد أن كان الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وكأني به يقول: فكيف تأخذونه وقد بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك ومتعتك.

4-الوحدة الرابعة: وتتمثل في قوله تعالى:"وقد أفضى بعضكم إلى بعض" وهنا لمسة وجدانية عميقة وظل من ظلال الحياة الزوجية في تعبير موح عجيب، والإفضاء هنا بمعنى الجماع لا الخلوة، بمفهوم المباشرة "الملامسة" استنادا إلى القول المشهور "أفضى فلان إلى فلانة " إذا صار في فرجتها و فضائها، و الإفضاء بهذه الدلالة هو إشارة إلى وجود كل من الزوجين جزء متم لوجود الآخر،  فكأن بعض الحقيقة كان منفصلا عن بعضها الآخر، فوصل إليه بالإفضاء واتحد به، و يدع الفعل "أفضى" بلا مفعول محدد، يدع اللفظ مطلقا يكسب كل إحاءاته و لا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته، بل يشمل العواطف و المشاعر و الوجدانيات و التصورات، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار و عشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمن... وفي كل اختلاجه حب إفضاء، و في كل لمسة جسم إفضاء، و في كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء، و في كل تفكر في الحاضر أو المستقبل إفضاء، و في كل تشوق إلى خلق إفضاء، و في كل التقاء في كل وليد إفضاء... كل هذا الحشد في التصورات و الضلال والمشاعر و العواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب: "و قد أفضى بعضكم إلى بعض"...فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى العادي الصغير، و يخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع و هو يستعرض في خياله ذلك الحشد من صور الماضي و ذكريات العشرة.

      يضم إلى ذلك عامل آخر من لون آخر يتمثل في قوله تعالى: "و أخذن منكم ميثاقا غليضا "، و ها هنا سمى سبحانه و تعالى عقد الزواج "ميثاقا غليضا" ليوضح ما يجب أن يكون له من الحرمة الخاصة والتقدير البالغ، فلم يستعمل لفظة "قويا" و لا "سميكا" أو ما شاكلها من مئات المصطلحات التي يعج بها المعجم العربي، و استعمل "غليظا" ووصفه بالغلظ لقوته و عظمته فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد و الامتزاج أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله: "فإمسا ك بمعروف أو تسريح بإحسان" أو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله، و استحللتم فروجهن بكلمة الله..." فالميثاق لا بد أن يكون مناسبا للإفضاء و هو الذي أشارت إليه الآية الكريمة:"و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، و جعل بينكم مودة و رحمة"، فهذه الآية من الآيات التي تعتمد عليها المرأة في ترك أبويها و إخوتها وأهلها والاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء و الضراء، و تسكن إليه و يسكن إليها، ثقة منها بأن صلتها به أقوى من كل صلة و عيشتها معه أهنأ من كل عيشة، هذه الثقة هي التي تجعل المرأة تعتقد بأن الزواج سعادة، وهذا هوا لميثاق الغليظ، فما قيمة من لا يفي بهذا الميثاق؟ و ما هي مكانته من الإنسانية؟...

       والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سكنا و أمنا و سلاما، و ينظر إلى العلاقات بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة و أنسا، و يقيم هذه الآصرة على الاختيار المطلق، كي تقوم على التجاوب و التعاطف و التحاب...هو  الإسلام ذاته الذي يقول للأزواج "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا  كثيرا"، هذه اللمسة الأخيرة في الآية، تعلق النفس بالله سبحانه و تعالى ، و تهدئ من ثورة الغضب ، حتى يعاود الإنسان نفسه في هدوء، و حتى يتريث بعقدة الزوجية... و يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية جديتها، و ما أعظم قول عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – لرجل أراد أن يطلق زوجته لأنه لا يحبها فقال له: " ويلك ألم تبن البيوت إلا على الحب ؟ فأين الرعاية و أين التذمم ؟ بالفعل، أين الرعاية و أين التذمم ؟، هذان السلوكان يفتقر إليهما الرجل في حياتنا اليومية، و عليه فالمعضلة ليست معضلة دين و لا معضلة نصوص و لا معضلة مدونة ولكنها معضلة أخلاق و سلوك و ممارسات غير لائقة يجب أن يعاد فيها النظر...

     ما أختم به عجالتي هذه هو أن موضوع المرأة في علاقتها بالرجل أكبر من أن نتناوله في ندوة، و أقوى من أن يكون محور مداخلة، و أعظم من أن تحتويه كلمات معدودات متراصة متناسبة، فموضوع المرأة حديث الأمس و اليوم و الغد، حديث كل لحظة وحين. و عليه، نأمل أن تسد المناقشة ما بالموضوع من ثغرات و تقوم ما به من اعوجاج والبقاء دائما للأصلح.

                 و السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته                        شـــكـــــرا

                                                                                     

                                         الـــــــــهـــــــوامــــــــش

 

(1)-جامع البيان عن تأويل القرآن: ابن جرير الطبري، ج1، ص229، ط2، 1954، شركة ومطبعة مصطفى الحلبي و أولاده بمصر.

(2)- المصدر نفسه، ج1، ص235.

(3)- سورة البقرة: الآية 186.

(4)- سورة البقرة:الآية221.

(5)- سورة النساء:الآية24.

(6) - سورة النساء: الآية 43

(7) –انظر: ج 5 من جامع البيان عن تأويل آي القرآن لا بن جرير الطبري، ص101-106، يستدل على أن الملامسة ليست أي شكل من أشكال اللمس كالقبلة مثلا، لما روي عن النبي (ص) على لسان عائشة رضي الله عنها:" كان الرسول(ص) ينال مني القبلة بعد الوضوء ثم لم يعد الوضوء،"  و على لسان أم سلمة، من أن النبي (ص) كان يقبلها و هو صائم ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءا."  

(8)- سورة الروم: الآية 20.

(9)- لسان العرب، ابن منظور، مادة زوج الجزء3، طبعة دار المعارف.