وقـفـة نـقـديـة

النقد, Critique : هو التعبير المكتوب أو المنطوق من متخصص يطلق عليه اسم ناقد عن سلبيات وإيجابيات أفعال أو إبداعات أو قرارات يتخذها الإنسان أو مجموعة من البشر في مختلف المجالات من وجهة نظر الناقد. كما يذكر مكامن القوة ومكامن الضعف فيها، وقد يقترح أحيانا الحلول. وقد يكون النقد في مجال الأدب، والسياسة، والسينما، والمسرح وفي مختلف المجالات الأخرى. قد يكون النقد مكتوبا في وثائق داخلية أو منشوراً في الصحف أو ضمن خطب سياسية أو لقاءات تلفزيونية وإذاعية.
النظر في قيمة الشيء، التقييم، فالنقد المعرفي مثلاً هو النظر في إمكانية وشروط المعرفة وحدودها، وهو عمومًا عدم قبول القول أو الرأي قبل التمحيص، وينقسم إلى نوعين عامّين: نقد خارجي وهو النظر في أصل الرأي، ونقد داخلي وهو النظر في الرأي ذاته من حيث التركيب والمحتوَى.

النقد الأدبي
 دراسة ونقاش وتقييم وتفسير الأدب. يعتمد النقد الأدبي الحديث غالبا على النظرية الأدبية وهي النقاش الفلسفي لطرق النقد الأدبي وأهدافه، ورغم العلاقة بينهما فإن النقاد الأدبيين ليسوا دوما منظرين.
هو فن تفسير الاعمال الادبية، وهو محاولة منضبطة يشترك فيها ذوق الناقد وفكرة ,للكشف عن مواطن الجمال أو القبح في الاعمال الادبية. والادب سابقة للنقد في الظهور، ولولا وجود الادب لما كان هناك نقد ادبي لان قواعده مستقاة ومستنتجة من دراسة الادب ,ان الناقد ينظر في النصوص الاد بية شعرية كانت أو نثرية ثم يأخذ الكشف عن مواطن الجمال والقبح فيها معللاً ما يقوله ومحاولاً ان يثير في نفوسنا شعور بان ما يقوله صحيح وأقصى ما يطمح اليه النقد الادبي، لان لن يستطيع ابداً ان يقدم لنا برهاناً علميا يقيناً. ولذا لا يوجد عندنا نقد ادبي صائب واخر خاطئ وانما يوجد نقد ادبي أكثر قدرة على تأويل العمل الفني وتفسيره من غيره واختلاف مناهج النقد معناه اختلاف في وجهات النظر.والذوق هو المرجع الأول في الحكم على الأدب والفنون لأنه أقرب الموازين والمقاييس إلى طبيعتها، ولكن الذوق الجدير بالاعتبار هو الذوق المصقول لذوق الناقد الذي يستطيع أن يكبح جماح هواه الخاص الذي قد يجافي في الصواب ،الخبير بالأدب الذي راضه ومارسه، وتخصص في فهمه ودرس أساليب الأدباء ومنح القدرة على فهم أسرارهم والنفوذ إلى دخائلهم وادراك مشاعرهم وسبر عواطفهم، بفهمه العميق وحسه المرهف وكثرة تجاربه الأدبية لذلك لابد أن يتمتع الناقد بعدة صفات منها:

  • قدر وافر من المعرفة والثقافة
  • البصر الثاقب الذي يكون خير معين له على اصدار الحكم الصائب

فالأدب ونقده ذوق وفن ،قبل أن يكون معرفة وعلما وان كانت المعرفة تعين صاحب الحس المرهف والذوق السليم والطبع الموهوب
النقد عند العرب
نستطيع أن نقسم حركة النقد الأدبي عند العرب إلى فترتين:الفترة الأولى وتمتد من العصر الجاهلى إلى بداية عصر النهضة في القرن التاسع عشر، الفترة الثانية وهي فترة النقد الحديث والذي يمتد إلى اليوم ولهذا التقسيم سبب واضح ففي المرحلة الآولى لم يكن التدوين قد انتشر وكان الاعتماد على الرواية الشفوية أما المرحلة الثانية فقد عرف التدوين الذي أسهم في تطوير كثير من العلوم والفنون.
• المرحلة الأولى :مرحلة ما قبل التدوين(من العصر الجاهلي إلى مطلع العصر العباسي)
النقد في العصر الجاهلي
تمتع العربي في الجاهلية بحظ كبير من الحرية في القول والعمل ضمن اطار مجتمعه القبلي ووهبته الطبيعة الصحراوية ذهنا صافيا وشجاعة نادرة وصقلته أيام العرب.ووجدت الأسواق التي يلتقي فيها الناس في مواقيت معينة من كل عام ،ليقضوا حوائجهم من تبادل الأسرى والتجارة والزواج وتبادل الخطب ،والقاء الشعر الذي يعدد مناقب القبيلة أويعبر خصومها.وفي الأسواق ومواسم الحج بدأت اللغه العربية الفصحى لغة القرآن الكريم في التبلور وكان ذلك قبيل نزول القرآن الكريم واعتز العربي منذ الجاهلية بالفصاحة والبلاغة وكان الشعر أظهر فنون القول عند العرب وأشهرها وأسيرها ذكرا
النقد في صدر الاسلام
نزل القرآن الكريم فانتهى العصر الجاهلي ونادى الإسلام بقيم جديدة ونهى عن العصبيات القبيلة وأصبح الولاء للدين الجديد والطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده
وبظهور دعوة الإسلام ،نشبت خلاف وصراع بين المشركين والمسلمين ووجدت للشعر وظيفة جديدة هي المنافحة عن الدين الجديد والرد على شعراء المشركين الذين تصدوا للدين الجديد يحاربونه بألسنتهم وظهرت نقائض شعرية بين شعراء المسلمين والمشركين أن الناس بدءوا يهتمون بالشعر الذي يصدر عن الفريقين

النقد في العصر الاموي
جدت على الدولة الإسلامية في هذا العهد متغيرات كثيرة منها :-ان رقعة الدولة قد اتسعت وكثرت الحواضر مثل دمشق والبصرة ومكة والمدينة، وأصبحت هذه الحواضر مراكز حضارية وثقافية تجمع الأدباء،وتستقطبهم في قصور القادة والأمراء والقادة ممن تذوقوا الشعر والأدب فاستقبلوا الشعراء في قصورهم وأغدقوا عليهم
• المرحلة الثانية : مرحلة التدوين (من العصر العباسي إلى العصر الحديث)
كان العصر السابق ((الأموي)) عصر الجد في جمع التراث العربي أما العصر الذي نحن في صدد الحديث عنه فهو عصر تسجيل التراث وتدوينه في الكتب والمؤلفات.
وفي هذا العصر بلغت الحضارة العربية الإسلامية مجدها الذهبي إذ امتزجت الثقافة العربية بالثقافات الأخرى المنقولة عن أمم عريقة في العلم. وأساليب التفكير عند اليونان والهنود والفرس وكان لهذه الثقافات أثر في صقل ملكات العرب وإرهافها وتوجيهها نحو تعميق البحث وسرت هذه الروح إلى الأدب ونقده، فانفسح مجال النقد وتشعبت مباحثه وتنوعت اتجاهات النقاد واتسعت دائرة النقد في أوساط العلماء باتساع دائرة الثقافة وتدوين العلوم المختلفة وترجمة بعض الأثار الأجنبية وتنوعت مذاهب النقد وشمل كل ألوان افن الأدبي ونفذ إلى كل جهاته ويمكن القول أن النقد في هذه المرحلة لم يعد خطرات وعبارات مقتضبة وأحكاما سطحية وتعرضا لقضايا جزئية، ولكنه أصبح نقدا منهجيا له أصولة ومبادئه دونت فيه المؤلفات وأصبح يهتم بالتحليل والتعليل.

والخلاصة أن القرن الثالث الهجري شهد جمع العلوم العربية والإسلامية وتدوينها كما رافق ذلك التأليف في النقد وتدوينه وشهد مشاركة النحاة واللغويين واالعروضيين في النقد بسبب كثرة العلماء والمتخصصيين في كل فئة وتوارى النقد الذاتي لهذا القرن وحل محله النقد المنهجي وذلك بسبب أبواب المعرفة والثقافة وكذلك سار النقد في القرن الرابع الهجري وما بعده على هذه الأصول التي وضعت في القرن الثالث الهجري.
والعمل الأدبي هو نتاج أديب سواء أن كان شاعرا أم كاتبا أم خطيبا أم قاصا وهذا النتاج الأدبي لا يكون إلا بعد معاناة الأديب وإحساسه بشيء حوله فيتأثر به ويتخذ موقفا اتجاه سلبا وإيجابيا.
سؤال النقد في الفلسفة
اعتبر المفكر الإيطالي كارلو سيني في مؤلفه الموسوم ب" الفلسفة النظرية " ، بأن فعل التفلسف يتحدد باعتباره عملية نقدية وتساؤلا عن معنى وقيمة الحقائق ، بما فيها الحقائق المرتبطة بالوضع الإنساني. فهو ممارسة يقوم فيها العقل بالتخلي عن كل المعتقدات الدوغمائية ومتابعة المساءلة باستمرار ، وذلك بنقد كل الأحكام المسبقة وكل الحقائق التي تدعي الإطلاقية . ويتضح من خلال المساءلة بأن الهدف من وراء البحث عن الحقيقة ، هو الإقرار بكون المعارف محدودة ونسبية وقابلة للتجاوز .
يتعلق الأمر إذن بنقد بداهات العقل أي بمساءلة كل أشكال المعارف التي أسسها العقل نفسه. وهو ما تجلى في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ضمن النقد الكانطي للعقل المكتفي بذاته وتجريده من مركزيته في إطار ما يعرف بالثورة الكوبرنيكية في المعرفة ، وضمن الخلخلة النيتشوية لمفاهيم الحقيقة والعقل والقيم الثابتة ، في إطار ما يعرف بتحطيم الأوثان والأوهام التي شيدها العقل عبر مسيرته التاريخية وكذلك ضمن تفكيك آليات الخطاب الميتافيزيقي والتي قام بها هايدجر ودريدا وغيرهما من فلاسفة الاختلاف.
هل يمكن الحديث إذن عن تراجع فعالية العقل أم نقول مع جان بيير فرنان بأن الجدال الذي يقوم اليوم حول العقل هو دليل على حيوية الفكر العقلاني وعلى غنى وتنوع تجلياته؟
مما لا شك فيه أن فعالية العقل ارتبطت بتحرر الإنسان من قيود الأسطورة، باعتبارها أحداثا وحكايات تم تنظيمها على مستوى الرواية وتشخيصها على مستوى الشعائر والطقوس، وبتحرره أيضا من الأشكال العتيقة للنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأنساق الإيديولوجية والفكرية المعبرة عنها والمبررة لها.


1- بخصوص التحرر الأول:


فهو يرتبط بميلاد الفلسفة كتفكير عقلاني سيشكل قطيعة مع الخيال الأسطوري وسيرسم للإنسانية طريقا ومنهجا في البحث والنظر، سيساهم في إغناء مسيرتها المعرفية وتطويرها. ويلاحظ فرنان بهذا الصدد بأن الأسطورة كانت فيما قبل حكاية ولم تكن حلا لإشكال، لكنها اتخذت في الفلسفة صورة إشكال صريح الصياغة. لذلك سيعتبر بأن ميلاد الفلسفة وكذا تحولين ذهنيين عظيمين وهما: ظهور فكر وضعي يتعارض مع كل شكل من أشكال الخوارق الطبيعية، وظهور تفكير مجرد يخلص الواقع من هيمنة الصيغ التي فرضتها الأسطورة عليه.


طبعا إن هذه النقلة هي بمثابة افتتاح لمغامرة لم تنته بعد، مغامرة العقل الإنساني في بحثه الدؤوب عن الحقيقة وذلك عبر ابتكاره لأشكال متنوعة من الاستدلالات والبراهين والحجج، أي تقنيات للتفكير وللتعبير يحاول من خلالها فهم أشياء هذا العالم. ولأنها أدوات وتقنيات، فإنها تتغير باستمرار ويتغير معها فهم وإدراك حقائق العالم، من منظور التعارض الاختلاف الذي يسم مواقف البشر عبر مسيرتهم التاريخية وعبر صراعاتهم الاجتماعية والفكرية. وكما يؤكد فرنان أيضا، فإن مفهوم الجدال والمحاججة التي تقبل باختلاف الآراء وتضاربها يشكلان شرطا أساسيا للعقلانية. فلا عقلانية إلا إذا قبلنا بأن جميع الأسئلة والقضايا يمكن أن تكون موضع جدال مفتوح وعمومي. فليس هناك مطلق يمكننا أن نزعم باسمه، إيقاف الجدال في لحظة معينة. وبإمكاننا أن نلحظ أنه في مجتمعاتنا الحديثة كلما أبعد ميدان من ميادين البحث العلمي أو مجال من الحياة الاجتماعية عن الجدال العمومي وعن تضارب الحجج وتنازع الآراء، فإن المجتمعات التي تنهج هذا المسلك تغدو ميالة إلى التفكير الغيبي والدوغمائي.
وتجدر الإشارة إلى أن العقلانية المقصودة هنا، هي تلك المعتمدة على العقل الإشكالي التساؤلي الذي لا يتوقف عن إعادة النظر في الحقائق بل وفي مبادئه ذاتها وليس العقل التبريري الذي يأخذ على عاتقه مهمة إقامة الحجج بأن خطابا ما ( قد يكون خطابا سياسيا أو تقنيا أو إيديولوجيا الخ) هو خطاب الحقيقة. والحالة أن مهمة العقل الأساسية هي الكشف عن وهم الحقيقة النهائية والمطلقة.
2- بخصوص التحرر الثاني:


فإنه يرتبط بميلاد النزعات الإنسية والحداثية التي أثارت قضايا تهم تحرير الإنسان من كل أشكال الاستيلاب والقهر، اجتماعية كانت أم فكرية، حيث استند العقل على مفاهيم الحرية والديموقراطية والعدالة والتسامح، باعتبارها أساسا للنهضة والتقدم ومعيارا يجب اعتماده في التعامل المجتمعي والسياسي والأخلاقي. وهو ما جسدته فلسفة الأنوار بقوة ومثله شعار الثورة الفرنسية القائم على الحرية والإخاء والمساواة.


لقد انتقل العقل إذا من محاولة بناء تصور جديد للعالم ضمن رؤية كوسمولوجية يشغل الإنسان في إطارها موقعا صغيرا داخل عالم الموجودات ، إلى رؤية يتحه تفكيرها نحو الأنظمة السياسية والأخلاقية والاجتماعية وعبرها إلى فعالية الإنسان وإرادته. فهدا الإنسان القادر على معرفة العالم والساعي إلى معرفة الظواهر المجتمعية والسياسية والثقافية، يتمتع بالفعالية وبالحرية. ويعتبر العقل هو أداة تشخيص وتحقيق هذه الحرية بمساعدة الإرادة لأنه يتمتع بخاصية النقد والانفتاح.
إن هذه العلاقة بين العقل والحرية هي التي حددها كانط في جواب له عن السؤال:» ما هي الأنوار؟ « حيث اعتبر بأنه لا شيء يلزم الأنوار سوى الحرية، أعني حرية أن يستعمل المرء عقله علنية في جميع المجالات. لكنني أسمع الآن الصراخ من جميع الجهات: « لا تفكر». فالضابط يقول: « لا تفكر بل نفذ» ورجل المال يقول: «لا تفكر بل ادفع»، والكاهن يقول: « لا تفكر بل آمن». لكن أي الحدود مضادة للأنوار وأيها غير مضاد بل على العكس مفيد لها؟ أجيب: إن الاستعمال العام لعقلنا يجب أن يكون دائما حرا وهو وحده القادر على أن يوصل الأنوار إلى الناس.


لقد شكلت هذه العلاقة بين العقل والحرية والإرادة، كما هو معلوم، الأساس الذي استند عليه الفكر الأنواري والحداثي. لكن هذه العلاقة السعيدة المتمثلة في العقلانية الظافرة، ستتعرض لانتقادات عديدة من نيتشه إلى دريدا ، مرورا بفرويد وهايدجر وفوكو، حيث انصبت انتقادات هؤلاء المفكرين على النزعة الإنسانية وعلى العقلانية الأداتية والذات الفاعلة، باعتبارها آخر معاقل الميتافيزيقا، وذلك باسم فكر الاختلاف والمغايرة.


وهذه المراجعة النقدية التي قام بها العقل والتي مست كل المعمار الذي شيده، تدل في الحقيقة على فعاليته النقدية وعلى استمرارية نشاطه وبالتالي على حيوية المجتمعات التي تأخذ بالعقل النقدي التساؤلي كمنهاج وكطريق. ويحق لنا أن نتساءل: ما موقعنا نحن من هذه الفعالية وهذه الحركية؟ ما علاقتنا بالعقل وبالحداثة وبكل ما يرتبط بهما من آليات نقدية وتفكيكية؟ ..
.