تعايش المكتوب والمنطوق
 لتأسيس شعرية النص

                          

 

 بشرى عبد المجيد تاكـفـراسـت
 تخصص النقد الأدبي
     كلية اللغة العربية بمراكش التابعة لجامعة القرويين بفاس
     المملكة المغربية.

 

ظل الشعر النتاج الأساس لأدبية الخطاب العربي، ولعب دورا رياديا في تشكيل الثقافة العربية وإثرائها، واستطاع أن يحتل مكانا  بالغا في التكوين المرجعي للعقلية العربية نتيجة قدرته الهائلة على تفعيل الواقع ودفعه إلى اتخاذ القرار على نحو ما يبدو منعكسا في الخطاب الشعري.

ولا شك أن القراءة الواقعية للشعرية العربية ينبغي أن تضع في حسابها تلك الخصوصية التي تميز الخطاب الشعري عن غيره من نتاجات الثقافة العربية، ومن تلك الخصوصيات هذا التعايش بين الجانب الشفهي والجانب الكتابي في دائرة الشعر الواحدة... وعليه، نحاول في هذه الدراسة ملامسة قيم الأداء الفني في النص الشعري من خلال العلاقة بين الشفهي والمكتوب، بين المنطوق والموثوق، حتى نقف على التوازن التكويني لشعرية الخطاب الشعري، ونلمس قوانين انسجام هذا التكوين واستقراء بنيته الدالة لتأكيد العلاقة التي يمكن أن تكون بين أجزائه... من خلا ل الموضوع الذي اخترناه للدراسة تحث عنوان:" تعايش المكتوب والمنطوق لتأسيس شعرية النص".

يمثل الجانب الشفهي في النص الشعري بداهة القول والفكرة، فهو استجابة آنية لما هو انفعالي بعيد عن تعقيدات النظري المتجسدة في المكتوب، من هنا تثار إشكالية الشفاهي والكتابي، لأن المسألة على درجة عالية من الخطورة لكونها ترتبط بعناصر إيديولوجية بلغة الحياة اليومية عند الناطقين بها.

لا يمكن أن نجد نصا بدون متلقي، وعلى العكس يمكن أن نقف عند نصوص بدون باث لها، على اعتبار أنه قد يكون مجهولا . فالمتلقي يبدو أكثر فعالية لوجود النص من قائله، فهو ذات تشارك مشاركة نفعية في عملية الخلق. فلم يعد القارئ تابعا لشفرات النص، بل أصبح مشاركا في العملية الإبداعية... فلم يعد مجرد متلق فني تحصل لديه اللذة الجمالية وإنما أصبح منتجا حقيقيا يعيد الحياة لموضوع الإبداع... ويبقى النص مغلقا ولن ينفتح إلا عبر قانتين: الشفهية أو الكتابية.وما القصيدة الشعرية العربية بمعزل عن هذا المجرى، فلابد لها هي الأخرى لكي يتقبلها القارئ أو السامع من رداء ترتديه وغالبا ما يكون هذا الرداء هو "الصوت" أو "الحرف". مما يستوجب علينا أن نميز داخل النص الشعري بين مستويين غير قابلين للفصل: النص الشعري الكلام المتفكر فيه،والرداء الذي يرتديه صوتا أو حرفا.
 
فعلى الرغم من كثرة البحوث المعاصرة في موضوع الشعرية لن نجد  من يولي هذا التمييز كبير اهتمام ، فمعلوم  أن الكلام رسالة Message ،وهو يحتاج إلى "وسيلة " " قناة" أو ما أسماه شربل داغر  ب: " الشكل الخطي" Forme Graphique ، أو " التحقيق" Actualisation ، عند كل من  D. Delas et J.Filliolet ، حتى يصل إلى الذات المتقبلة، الذات التي ستعيد إنتاجه عن طريق الفهم والتفسير والشرح والتأويل، وإن لم يتوفر هذا ( الرداء، الوسيلة، القناة ) لا يكون ثمة نصا ولا قصيدة.
 
إن النص الشعري هو هذه الثنائية المزدوجة بين النص والرداء، وإذا كان المظهر الكلامي للنص الشعري قد حظي بكبير اهتمام الدارسين، فإن رداءه لا يقل عن كلامه خاصة إذا علمنا أن الفرق بين المستوى الشفهي والمستوى الكتابي، كامن في هذا (الرداء، القناة، الوسيلة) التي تصل بها الرسالة للمقبل.

إذا وقفنا عند حدود القصيدة الشفهية، أو الجانب الشفهي في القصيدة ،نلاحظ أن  شخص الشاعر في هذا النوع من النص الشعري يبدو أكثر حضورا منه في نمط القصيدة المكتوبة. فالشاعر أو من يقوم مقامه( المنشد، المغني، القارئ) هو الذي يتلو القصيدة ،والمتلقي ( السامع، المستهلك)  منصت إلى صوته ومختلف تغيراته. ولهذا يجب أن نميز في تلاوة القصيدة بين نمطين: - تلاوة تعبيرية - تلاوة غير تعبيرية، على حد تمييز "جون كون" في كتابه " بنية اللغة الشعرية" ، فعلى المستوى الأول يكون المتقبل السامع منفعلا، من حيث هدوء الصوت ثارة ، ورفعه ثارة ، وتنغيمه مرة ثالثة، أو من حيث تكرار بعض المقاطع، أو من حيث حركات الجسم وتقلبات الوجه...والشاعر أو من يقوم مقامه في التلاوة يكون في هذه الحالة يقوم بفعل تأويلي لمقول القصيدة، يجسده نغميا، ويمسرحه جسديا، وكأنه يبث لك نصا ثانيا يوهمك فيه أنه لا ينفصل عن النص الأول الذي هو القصيدة الكلام المكتوب، ونتقبله نحن على أنه إنشاد يحمل معنى التعبيرية في ذاته، وقد انتبه أبو حيان التوحيدي إلى هذا النمط من التلاوة حين قال:
" الكتاب موات، ونصيب الناظر فيه منزور وليس كالمذاكرة، والمناظرة والمواثاة، فإن ما ينال من هذه أغض وأطرأ وأهنأ وأمرأ، واجعل هذه الخدمة مقدمة على كل مهم لك..." فالتوحيدي يعبر عن المنطوق بالمذاكرة، والمناظرة، ويعبر عن الكتابة بالكتاب، ولعل التوحيدي أدرك أن الجانب الشفهي يخضع لحيوية المتكلم ولقابلية المستمع  وتفاعله أثناء المذاكرة، في حين أن المكتوب " موات" يفتقد الحيوية لأنه يفرض قراءة أحادية الجانب، فالقارئ عندما  تستغرب عليه المعاني فهو يلجأ إلى  التأويل وقد ينحرف عن المعنى، على خلاف الحديث الذي تنساق معه النفس، وبذلك تتسع دائرة الإرسالية،وتزداد فرصة الشاعر أو من ينوب عنه في الإبداع، كما تزداد فرصة المتحدث إليه في الفهم والاستمتاع، لأن عنصر الحديث والمحادثة حاصل، حتى أن المتحدث إليه قد يصبح متحدثا والعكس صحيح. ويستمر التواصل بينهما ما داما يستعملان نفس الشفرة، ويراعيان المقام ومقتضى الحال.

أما النمط الثاني فتلاحظ أن الشاعر  يتلو القصيدة دون أي فعل صوتي أو نغمي يضيفه، فتغدو التلاوة باردة خالية من كل شعور وإحساس يتشيئان  لدى أذن السامع، فتموت القصيدة لأنها لا تقـنع ولا تتجاوز درجة الصفر من كتابتها، قتلتها الإلقائية الخالية من التعبيرية، وهذا ما أسماه أبو حيان التوحيدي ب:"المواثاة"، وهي نوع من حضور المتحدث أمام المتحدث إليه، "فالموثاة" كما جاء في لسان العرب "المطاوعة" وهي أن يطاوع السامع المتكلم ،ويسايره في الحديث لأنه حاضر معه ويسمع صوته ويرى حركاته الشفهية ،وملامح وجهه، وإشاراته البدنية ....

أما القصيدة الكتابية فهي ضرب آخر من النسج وطريقة مغايرة من التصوير، فنؤكد مبدئيا أنه إذا كان ( الرداء/الوسيلة/ القناة) في القصيدة الشفهية متصف بوضعية الصوت لدى الشاعر أو من يقوم مقامه في التلاوة ، فإنه في القصيدة الكتابية يتعلق بالحرف باعتباره التجسيد المادي للصوت ،والرمز الملموس للمسموع. وأصبح ضروريا على أي متقبل للنص الشعري أن ينتبه للعلامات السيميولوجية انتباها واعيا، ويقف على حدود شكل الخط: أهو منسوخ أو مطبوع، وحضور علامات الترقيم وغيابها ، والوقوف على المساحات البيضاء في الصفحة التي تؤثث فضاء النص الشعري، ودراسة انتهاء السطر انتهاء نحويا ،ودلاليا، وإيقاعيا...وتأخذ هذه الأشياء من الاهتمام ما أخذه الجانب الكلامي في القصيدة، لأن القصيدة هي كيان تجتمع فيه علامات لسانية ، وظواهر زمانية ومكانية، وإيقونات كلامية يمكن رؤيتها وقراءتها وسماعها،  حتى نميز على حد تعبير "رولان بارت" بين: لذة النص ، ونص اللذة، هذا الأخير الذي يجعلنا نستطيع أن نسمع النص مباشرة،ويدفعنا ونحن نقرأه إلى رفع الرأس مرارا " كل نص عن اللذة لن يكون أبدا سوى مدخلا لما لن يكتب قط" حتى لا ينفر قلبه من قالبه، وتضيق روح مكتوبه بمنطوقه، ويصبح وابلا من الألفاظ يمسك عنيفا بعضها برقاب بعض.

   ليس الجانب الشفهي في القصيدة فعلا تحسينيا للنص الشعري بحيث يمكن الاستغناء عنه، بل هو عنصر تكويني، فالقصيدة الواحدة هي مكتوبة تارة ومنطوقة تارة أخرى، فيغدو النص الشعري على مستوى الظاهر نصا واحدا، في حين  هو نصان متغيران في العمق يتعايش فيه الكتابي والشفهي حتى يحدث التواصل. فالمتتبع لقناة التواصل المعتمدة في الشعر العربي القديم يقف على حدود الشفهية في كتب الموسوعات الأدبية مثل كتاب " الأغاني" الذي جمع فيه أبو الفرج الأصفهاني ما غني من شعر، ومع ذلك  فهو يضن علينا بتبيان طرق الشعراء العرب في الإنشاد، وكذا أمر جميع كتب النقد العربي القديم ،مع أنه توجد أخبار للشعراء في الإنشاد باعتباره احتفالية، ويكاد يكون  لكل شاعر طقسه الخاص في التلاوة الذي يميزه عن غيره ، وبغض النظر عن دوافع هذا الطقس ، فإنه لم يكن مجانا ولا اعتباطا، وإنما هو يدخل في بيداغوجية التواصل ، وفي إطار الإفهام والتأثير في المتقبل، بل هو عند البعض الطريقة المثلى التي يستطيع  بها لحظة القول أن يتابع إنشاء الكلام. جاء في كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني: " وقيل: مقود الشعر الغناء به، وذكر عن أبي الطيب أن متشرفا تشرف عليه وهو يصنع قصيدته التي أولها:
                 


جَلَلاً كمَا بي فَلْيَكُ التّبْريحُ

أغِذاءُ ذا الرّشإِ الأغَنّ الشّيحُ

 
وهو يتغنى ويصنع، فإذا توقف بعض التوقف رجَّع بالإنشاد من أول القصيدة إلى حيث انتهى منها" .
 
ولا يتعلق الأمر بمجرد قادح للاستمرار في الإنشاد بل هو يتعدى ذلك ليصبح محددا من محددات القصيدة وبنيتها، يقول الجاحظ: " وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جانب أختها مرضيا موافقا ، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة" .وهذا القول واضح فهو يجعل إمكانية الإنشاد وسلاسته على اللسان عنصرا من عناصر تحديد شعرية القصيدة، غير أن الأمر لا يقتصر على الباث والرسالة فحسب، بل يشمل المتقبل ، فالسامع لا ينصت إلا على من كان يحسن النشيد،جاء في :أخبار أبي تمام للصولي قول أحدهم: " نزل عليَّ أبو تمام الطائي، فحدثني أنه امتدح المعتصم بسر من رأى بعد فتح عمورية، فذكره ابن أبي دؤاد للمعتصم، فقال له:" أليس  الذي أنشدنا بالمصيصة [ = بلدة بالشام] الأجش الصوت؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن معه راوية حسن النشيد ، فأذن له فأنشده راويتُه مدحَه له"
يتضح إذن أن متقبل القرن الثالث للهجرة لم يكن يعتبر القصيدة كلاما وحسب، بل كان يعتبر داخلها أيضا إنشادُ المنشد لها ، ولذلك رغب عن سماع أبي تمام فهو ذو الصوت الأجش وأذن في الاستماع إلى القصيدة متلوّةً بصوت راويته ذي النشيد الحسن.

فالدواوين العربية إن لم تنقل لنا فعلا يجسد تعايش الشفهي والكتابي في النص الشعري، فإننا  نلمس بذرة غير مكتملة في ظاهرة "التدوير" كما حددها علماء العروض، فانشطار الكلمة بين الصدر والعجز هو  ضرب من التشكيل الذي يختلف عن النثر ولا يتفق بالضرورة مع النصوص الشعرية المكتوبة الأخرى، فكل تدوير لا يتكرر بل يعتبر نسيج وحده ، إلا أن هذا التشكيل قسري خارج عن إرادة الشاعر، ولذلك يغدو من الصعب التحدث عن دلالاته وعن إيحاءاته في النسق العام للقصيدة العربية، إلى جانب التدوير هناك ظاهرة "الموشحات في الشعر الأندلسي" التي غيرت من التحقيق المكاني للقصيدة العربية القديمة، حيث أصبح العمود الفاصل بين الصدور والأعجاز غير محترم دائما، فقد وضعت الموشحات هيكلا مكانيا ينزع إلى الثبات، فيتكرر في عديد القصائد ليدرك القارئ في كثير من الأحيان هيئة شكل الموشح الخطي...وتبقى كلتا الظاهرتين –التدوير والموشح- برغم محدوديتهما لا تمتدان إلا على بعد واحد في النص الشعري هو الوزن. وتبعا لذلك يمكن القول، إن القصيدة الشفهية عند العرب القدماء هي أكثر ثراء من نظيرتها الكتابية، لأن القصيدة كانت تكتسي قيمتها باعتبارها منطوقة، لا باعتبارها مكتوبة، فكتابة القصيدة هي خنق لها ، بينما روايتها بعث لها كلما أنشدت...
 
 الأمر يختلف بالنسبة للشعر العربي المعاصر، إذ التوافق بين القصيدة الشفهية والقصيدة الكتابية يبدو صعبا. فاتجاه التلاوة الحديث ينزع إلى اللاتعبيرية أي إلى الإلقاء، يقول جون كوهن :" إننا بمجرد ما نصل إلى القصيدة الغنائية أي إلى القصيدة الخالصة الشعرية، تنقلب العلاقة، فيجب حينئذ أن يكون الإنشاد لا تعبيريا [ أي هو الإلقاء]، وهذا ما يسعى إليه الإنشاد اليوم، إذ تخلت "التلاوة الطبيعية" [= الإنشاد] عن مكانها " للإنشاد المسطح" [=الإلقاء] " .وجون كوهن يعتبر أن هذا النزوع ليس من إرادة الشاعر فحسب، بل هو أيضا من طبيعة النص، وهو لذلك يقرر أن " الشعراء المعاصرين بإلغائهم للترقيم ألغوا بذلك علامات التنغيم،وعلامات الوقف "ويضرب على ذلك مثلا" أن أداء قصيدة لملا رمي مستحيل بكل تأكيد، ويمكن أن يقال ذلك عن أي قصيدة حديثة، فالقاعدة هنا هي الإنشاد المسطح[= الإلقاء] .

في مقابل هذا " التسطيح" في التلاوة، نجد "تعميقا" للكتابة في الشعر المعاصر، فثمة فيه نزوع كبير إلى "التشكيل" من حيث جعل الكلام محوطا بعلامات غير لسانية، أو من حيث حذف العلامات الأصيلة في الكلام المكتوب. تتجلى الظاهرة الأولى مثلا في شكل الخط أهو طباعي أم ينتمي إلى فنون الخط العربية المعروفة، أو تضخيم مساحة البياض، أو في رسم الكلام بشكل غير مستقيم دائريا كان أو سليما...الخ، وتتجلى الظاهرة الثانية مثلا في حذف علامات الترقيم من نقطة وفاصلة، ونقطتي التعجب والاستفهام...

إن ثراء الظرف الكتابي في النص الشعري المعاصر جعل الشعرية الحديثة تنظر إلى القصيدة من حيث هي مكتوبة لا منطوقة، وجعل أيضا بعض النقاد (والشعراء) العرب يدعون إلى قصيدة تقرأ لا إلى قصيدة تسمع، هو اتجاه نحو المكتوب بعد أن كان صوب المنطوق، ولذا يبدو الشعر المعاصر – في بعض مظاهره- انزياحا عن الشعر القديم.
ليس النص الشعري كلاما وحسب، وإنما هو أيضا علامات غير لسانية وظواهر مكانية وزمانية يمكن قراءتها ورؤيتها وسماعها. في هذا الشأن يقول جاكبسون:" إن الإدراكات المرئية والسمعية تتكون عينيا في المكان وفي الزمان، غير أن البعد المكاني يهيمن في حالة العلامات المرئية ، بينما يهيمن البعد الزمني في حالة العلامات السمعية، إذ أن العلامة المرئية المعقدة تتركب من سلسلة من مكونات متزامنة، بينما تتركب العلامة السمعية المعقدة أساسا من سلسلة من مكونات متعاقبة"

إن في الإنشاد مثولا لشخص الشاعر، إذ المتقبل لا يسمع كلامه فقط بل يسمع أيضا صوته وحشرجته، وغنته، وتأوهه، وزفراته إذا تصاعدت، وخفقان قلبه إذا اهتاج،وحركات ذهنه وهي تسبح في الملكوت. يمثل المتقبل إذن أمام قطعة من شخص الشاعر تحتوي القصيدة وتوجهها. ليس الإنسان عندئذ مُصدر القصيدة وحسب، وإنما هو جزء منها. ألا ينبغي الانتباه إذن إلى ذلك الجزء والاشتغال عليه؟ ... من ثم نرى أن القصيدة المُنشدَة تستوجب أن يكون للذات محل في المنهج المباشر لها. وبعكس ذلك ففي القصيدة التشكيلية تبدو العين هي المشتغلة فقط ، فلا ترى إلا رسوما وخطوطا  ونقاطا، فقد غابت الذات التي كَتَبت القصيدة وأهملتها، وكان واجبا عليها أن تهملها، أو هي ملزمة على ذلك. لا مجال هنا إلا للنص، ولذلك لن تكون  القراءة إلا نصّانية. فتحضر الذات كلما سمعت القصيدة، وتغيب عند قراءتها، لذلك أيضا يجوز القول – استنادا إلى وجهة النظر هذه-  إن الجانب الشفوي  يمثل قصيدة الباث، بينما الجانب الكتابي  يمثل قصيدة المتقبل.

إن استحالة (أو امتناع) تلاوة القصيدة يكشف عن قطيعة في مستوى الإنشاء تتمثل في الانتقال من محور التتالي إلى محور التراكب، من محور أفقي إلى آخر عمودي، أي من مستوى المنطوق (وهو المحدد بالزمان) إلى مستوى المكتوب (وهو المحدد بالمكان). ولهذا الانتقال نتائج خطيرة على القصيدة العربية (المعاصرة بصفة عامة)، إذ من ثم هُدمت القصيدة العمودية ، ومن ثم نشأ الغموض، وبناء صورة شعرية جديدة، وتحول دلالي في مفهوم الإيقاع، فلم يعد الإيقاع متعلقا بالزمن فحسب، خاضعا للسمع والتنغيم والتكرار الصوتي.. وإنما أصبح أيضا إيقاعا بصريا يتحقق في المكان.

نضرب لهذا الازدواج بين المنطوق والمكتوب مثال قصيدة " المسافر" لأدونيس :

             مُسَافِرُ ُ تَرَكْتُ وَجَهي عَلَى       
                زُجـــــاجِ قِنْديلي
             خَريطَتي أَرْضُ ُ بِلاَ خَالِقٍ        
             والرَّفْضُ إِنْجيلي

إن ثمة نشوة للقارئ احتوته في مباشرته الأولى للنص، وهي تتأسس على إرضاء رغبته وأفق انتظاره. لكن هذه النشوة لم تستمر لأنها طعم أو مقبلات تشهي القارئ وتجذبه إليها لتوقعه في فخها السائب.هكذا ففي لحظة القراءة يبتدئ القارئ ولا يعرف كيف ينتهي أو من أين ينتهي. يضيع القارئ مع ضياع الطرقات التي تقوده إلى رغبته فإذا هو والفراغ سواء. هذا التلاعب بالقارئ يتكرر فيوهم بتمام الجملة أو ما يسمى في النحو الحديث "التركيب الإسنادي" وما يدعم هذا التوهم أن كلام الدائرة قائم في كليته على مركبات العطف والمعطوف فهنا ينغلق الأفق ويحتوي القارئ نوعُُُُُ ُُمن الانتشاء. وهذا ليس شادا في عالم أدونيس اللغوي الذي يرفض التّحديد المطلق والتّشكل التام، فاللغة تفتح الطريق ولكنها لا تنهيه، حيث إنّ الطريق نفسها تحمل في أحشائها طرقاً متعددة )   des  liens ) لا حصر لها، والكلمة نفسها عند أدونيس حية، وقائمة بذاتها، وبعلاقتها بالكلمة التي تليها، وبالأشياء التي تحيط بها.
                                    مُسَافِرُ ُ تَرَكْتُ وَجَهي عَلَى           زُجـــــاجِ قِنْديلي
خَريطَتي أَرْضُ ُ بِلاَ خَالِقٍ             والرَّفْضُ إِنْجيلي

تطرح البنية العروضية لهذه القصيدة إشكالا منشؤه ازدواجية البنية نفسها، فالمظهر المرئي للعروض يُبدي القصيدة شعرا حرا لا يلتزم فيه الشاعر بطول السطر: فالسطر الأول والثالث طويلان بينما يقصر الآخران. هذا التشكيل المخصوص للكلام على الصفحة يؤدي بنا إلى استبعاد بنية العروض التقليدية المكونة من صدر ومن عجز متساويين طولا، ذلك بالرغم من أن كلا السطرين الثاني والرابع ينتهيان بالروي نفسه وهو اللام مسبوقة بياء مدّ ومتبوعة بها أيضا. لكن تشكيل المكان على الرغم من أنه يقوض التشكيل القديم يبقى أمينا له في  درجة التناظر والتوازي المتجلي كميا، وهي أن القصيدة لا تتكون من تفعيلة واحدة تتكرر ولا من أي  وحدة عروضية غيرها، وإنما القصيدة بالمقياس العروضي القديم هي على البحر السريع وهي ذات بيتين:

                      مُسَافِرُ ُ تَرَكْتُ وَجَهي عَلَى         زُجـــــاجِ قِنْديلي
                      خَريطَتي أَرْضُ ُ بِلاَ خَالِقٍ          والرَّفْضُ إِنْجيلي

الصدران كما هو جليّ تامان بينما يبدو العجزان محذوفين من كل منهما، تفعيلة واحدة متكررة هي " مستفعلن". وهذا الحذف ليس بالجديد على الشعر العربي وإنما هو نابع من تجربة الموشحات في الأندلس... من تم نعتبر هذه القصيدة موشح قصير، أو هي مطلع لموشح لم يُكتب أو حُذف أو سُكت عنه... فالتشكيل لم يكن انعكاسا للكلام، بل كان يقول ما لم يقله القول أو ما لم يقدر قوله. هو يضيف إلى القصيدة أشياء لم تعلنها أو أعلنت عكسها.ومن ذلك الجانب اكتست القصيدة بعضا من شعريتها، إذ الشعرية لا تنشأ من الفجوة: مسافة التوتر التي تحدث بين مستويات النص الشعري، وقد تجلى ذلك هنا بين التشكيل والكلام.

مدلول العروض إذن رؤية وسماعا، مكانا وزمانا مختلف. يوهم الأول بالجدة ويشير الثاني إلى القدم. بيد أنه حتى في الجدّة المُوهَم بها ثمة نزوع إلى البنية المكانية القديمة: التناظر.
يبقى السؤال مطروحا: لم لَم يكتب الشاعر قصيدته بالشكل القديم؟ لِمَ لَمْ تواز البنية المكانية البنية الزمنية؟ إن ثمة عدولا في مستوى التشكيل المكاني على الرغم من بقاء التشكيل الزمني نفسه. وإذا اعتبرنا، كما وضُحَ آنفا، التشكيل المكاني تشكيل القصيدة الكتابية أصلا وبالعكس الأخرى، أمكن القول بيقين تام أن هذه القصيدة تكشف عن نافذة يفتحها المنطوق ليكون مكتوبا، أو هو المنطوق وقد غدا مكتوبا، معنى ذلك أن القصيدة لم تُمثِّل خرق المنطوق وإنما مثلت تطوره ونزوعه لأن يكون مكتوبا.

نختم هذه العجالة بقولنا: إن إنصاف القصيدة يقتضي أن لا تقرأ بالعين بل بالأذن، فالنبر هو روح القصيدة، ذلك أن الكتابة إخبار ومخاطبة، والتلاوة إخبار ومخاطبة. فالتلاوة قراءة خاصة مبنية على فهم وممارسة، واستعانة بمصادر هذا الفهم البعيدة ( تراثية - شعبية –  فلكلورية - تاريخية...) أو قريبة ( دينية- سياسية- اقتصادية- فنية- نفسية- وطنية...) فلنستمع بقلوبنا إلى أصوات النص الشعري، ونحن نحسن تلاوته . لنحقق العلاقة التكاملية بين الشفهي والكتابي لأن الشفاهية ترفض مغادرتنا ، كما نرفض مغادرتها.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

بشرى عبد المجيد تاكفراست
المغرب / مراكش
23/ يناير/2010
لائحة المصادر والمراجع

*  أخبار أبي تمام ، أبو بكر الصولي، تحقيق محمد عبده عزام وآخرين، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت لبنان بدون تاريخ.

*  الأعمال الشعرية الكاملة، أدونيس ( علي أحمد سعيد) ، دار العودة بيروت، ط 4/1985، المجلد الأول.

* الإمتاع والمؤانسة،  أبو حيان التوحيدي، الليلة الخامسة والثلاثون.

*  بنية اللغة الشعرية، جون كوهن ، ترجمة محمد الوالي ومحمد العمري الدار البيضاء / المغرب.

*  البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو الجاحظ ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون مؤسسة الخانجي القاهرة الطبعة 1/1948.

* التشكيل المكاني وإنتاج المعـنى، مجلة عيون المقالات، العدد8 ، الدار البيضاء / المغرب.

* الشعرية العربية الحديثة، شربل داغر، دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى 1988.

* العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيروان، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل لبنان الطبعة الخامسة 1981.

* Essais de linguistique générale / R.Jakobson. Tome 2- Minuit; paris;1973.

* Linguistique et poétique , Larousse . Paris 1973.

 

 

 

 

 

البريد الاليكتروني:bouchra_takafrast@yahoo.fr                             
 
الموقع الاليكتروني:bouchra-takafraste.com                                    


   المداخلة كتبت للمشاركة في مؤتمر "الثقافة العربية بين الشفاهية والكتابية" الذي نظمته جامعة القاهرة / كلية الآداب /  قسم اللغة العربية بتاريخ 6-7-8 أبريل 2001.

  الشعرية العربية الحديثة، شربل داغر دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة 1 1988 الفصل 1 من الصفحة 13 إلى الصفحة 37

  Linguistique et poétique , Larousse . Paris 1973/ chap .3 Actualisation

  بنية اللغة الشعرية، جون كوهن ، ترجمة محمد الوالي ومحمد العمري الدار البيضاء ص 90.

  الإمتاع والمؤانسة ، أبو حيان التوحيدي الليلة الخامسة والثلاثون ص: 293

   Le degré zéro de l'écriture coll. Pierre vives éd Seuil –Paris 1953 p 41

   المرجع الوحيد في الإنشاد هو "الشعراء وإنشاد الشعر" علي الجندي دار المعارف بمصر 1969

  العمدة  في محاسن الشعر ودابه ونقده ،  ابن رشيق القيرواني تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد دار الجيل لبنان ط 5 1981 الجزء 1 ص 211-212

  البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو الجاحظ ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون مؤسسة الخانجي القاهرة ط3 ص 66-67 ط1/1948

  أخبار أبي تمام ، أبو بكر الصولي ، تحقيق محمد عبده عزام وآخرين منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت لبنان بدون تاريخ ص 143

   بنية اللغة الشعرية،  جون كوهن ص 405-406

   المرجع نفس ص 91

   R.Jakobson: Essais de linguistique générale. Tome 2- Minuit; paris;1973;P ;107 et 108

   الأعمال الشعرية الكاملة، أدونيس ( علي أحمد سعيد) ، دار العودة بيروت، ط 4/1985، م 1، ص: 336.