قراءة في أدب غسان كنفاني




تسيطر على النقد صفتان في الساحة العربية، أولاهما: القطرية، وثانيهما: المجاملة.

وذلك كله ناتج"برأينا" عن لعبة تكريس ثقافات قطرية من جهة وانتفاء الممارسة الديمقراطية من الواقع العربي، ففقد بذلك أهم معيار علمي للحياة وهو النقد.

ويبدو أن القضية تصل حدود المعضلة فعلا فحين حاول النقد تجاوز بمعالجته الأدب الفلسطيني ( باعتبار أن فلسطين هم قومي كبير) لم يستطع الفكاك من أسار المجاملة.

لذلك يقتضي التأكيد دون هوادة أو ملك على أن أي أدب عربي يتحدث عن الطرح الذي تخوضه أصغر قرية عربية في أبعد قطر عربي هو أدب مقاوم، وتجب معالجته على هذا الأساس عن الرواية.


أردت من هذا المدخل عن علاقة النقد بأدب المقاومة الدخول إلى محاولة قراءة أدب غسان كنفاني ليس باعتبار الأديب مدار المحاولة أول من أطلق تسمية "المقاوم" على  الأدب العربي الفلسطيني فحسب، بل ولأنه عانى من النقد المجامل شاهدا وشهيدا، ولأن هذه المحاولة وإن كانت لا تلغي النقد الأدبي العربي حول الأدب الفلسطيني إلا أنها لا تأخذه برمته مأخذ الجد، ليس باعتبار ما هو  كائن عليه بل باعتبار ما سيكونه كطرح لم يلده علم الأدب العربي الرصين تاريخيا وليس فيه الصفات الأساسية لعلم النقد كمعيار دقيق، لذلك يلفظه الجسم الأدب والروح الإبداعية للأمة خارجا.

فالرواية وعموم الأدب في رأينا ليست هي كما يقول  كولن ولسون: مبررة بقدر ما تمنحك إجازة خارج نفسك# ، فلو كانت كذلك لما قدر لأدب المقاومة الفلسطينية الظهور ثم هذا الامتداد والانتشار، ذلك أن الشعب الفلسطيني أجيز إجباريا خارج نفسه منذ العام 1948 وإن شئنا الدقة فمنذ العام 1936. غير أن الحقيقة التي أثبتتها التجربة المرة للبشرية في فلسطين هي أن: القيمة الأكثر ثباتا لفن وتبريره الأكثر إقناعا تكمن كلها في مدى قدرته على إيقاف وعيك بالدخول عميقا إلى نفسك. تأكيدا على أن الفن " ليس مجرد محصلة لمجموعة عناصر"#، موجودة بشكل فيزيائي خارج الذات، فالفن ليس تركيبا كيماويا،فالكيماوي يقف خارج أدواته وهي مرتبة وفق نسق ما خارج ذاته أيضا أما الفنان فهو مسكون بأدواته وكلاهما محاصر بالتاريخ. فكل فن حقيقي هو داخل الواقع بحدوده التاريخية، حتى الأسطورة – كفن- شعبي هي واقع يمكن فهمه وتحليله- أدبيا ضمن إطاره التاريخي في الزمان والمكان.

والرواية بصفتها وليدا أسطوريا هي إحدى وسائل النفس البشرية لإدراك ذاتها، إدراك حقيقة الكون والحقيقة هي – دائما- محسوسة ملموسة واقعية وليست شيئا مجردا خارجا عن ذات الإنسان- الكون.

ولا يهمنا في شيء أن كولن ولسون ينطلق من ( فردية) هي نتاج لحضارة الرأسمالية المأزومة، فالفردية عندنا ليست تبريرا فنيا فهي تناقض بشكل حاد صفة الروائي باعتبار أن الفكرة الروائية تبدأ بفهم الجماعة كجماعة، وليس كأفراد كما يقول بذلك منظرو الرواية الحديثة لأنها تنظر إلى المجتمع من الداخل بعمق ودراسة.

لذلك فإن الروائي والكاتب عموما لا يستحق شرف هذا اللقب إلا إذا هضم لحد التمثل مجتمعه وأدرك على نحو علمي ثابت التناقض الأهم في حركة هذا المجتمع وعبر  عنها وفق الأقانيم الثلاثة: الدقة، الجمال، والاستشراق، ( فالفنان يستوعب السياسة والاجتماع والاقتصاد في  وحدة إيديولوجية كاملة ولكنه يعود إلى صياغة العمل الفني في المستوى الذي يخاطب كينونة الانسان في أغوارها العميقة.#

ومن هنا تكتسب الرواية قيمتها كبحث اجتماعي ووثيقة سياسية ونبوءة تاريخية فالأديب:" هو التحرر المعنوي الأصعب، وهو وحده الذي يستطيع أن يكون نبوءة الثورة فيما إذا عرف أن حريته هي حرية الآخرين التاريخية"# .فرغم أن قارئ روايات وقصص غسان كنفاني يعرف نهايتها قبل أن يتمها فهو يتابعها. لماذا بالتأكيد لأنها تدخله إلى نفسه وليس لأنها تخرجه منها.

متراس الكاتب الفلسطيني

فقد كتب غسان عن " الجماعة" الفلسطينية وفيها بدأت ونمت فكرته القصصية ومن أجلها كانت. وهو أمر ليس سهلا فالكتابة عن فلسطين محتلة أو منفية (تثير معضلة الكتابة نفسها)# لذلك فغسان كاتب اجتماعي – سياسي خلاق بمعنى أنه باحث على هذين الصعيدين بنفس القلم وفي نفس اللحظة ليس لأن الفرق بين الأدب والسياسة كالفرق بين الصورة ومحتواها بل ولأن الإجابة على سؤال مثل :أين هو " المجتمع" الفلسطيني؟ هي: أنه في "القضية" الفلسطينية. ذلك أن الفرق بين القضية والمجتمع في المعضلة الفلسطينية مسألة لا يمكن العثور عليها وهما تشكلان جناحي الرؤية للأديب الثوري كما هما خبزه اليومي.

وهنا نقف أمام نقطة شديدة التمركز في المتراس الذاتي للكاتب الفلسطيني. إذ أنه يتمترس في الاجتماعي – السياسي (وهذا هو حصاره التاريخي) من أجل أن يكون إنسانا، لذلك فهو حصاره التاريخي) من أجل أن  يكون إنسانا، لذلك فهو يتعذب في هذا المتراس- الصليب، عذابا يشبه عذاب الأنبياء، قد يكون ذلك مماسا من جانبنا..ولكن تولستوي قال ذات يوم بدقة: ( إن أكبر صعوبة في عمل الكتاب تتلخص في عملية اختبار احتمال واحد فقط من بين مليون احتمال)#. إن عذاب  الكاتب الفلسطيني ليس في اختبار واحد من مليون بل هو في هذا الواحد بالذات. في اللااختبار بين أن يكون إنسانا أو لا يكون. لذلك فهو يتمرس في لاجتماعي- السياسي، ويطلق منه باتجاه عدو الإنسان (الظلم القومي- الطبقي والاضطهاد العنصري) وفي أحيان كثيرة يتم ذلك على حساب الجمال الفني.


المجتمع السري.

ولم يكن ثمة خيار إنساني غير ذلك، فكل الخيارات التي وجدت لم تكن إنسانية. إذ حين حشرت الحكومات العربية (المضيفة) الفلسطينيين في مخيمات كان ذلك بناء على نصيحة بريطانية تهدف إلى:


  • استعمال الفلسطينيين في خدمات المدن وتمريغ كرامتهم وشهامتهم أمام الشروط القاسية للحصول على هذه الأعمال.

  • ليسهل على أجهزة القمع المحلية والعالمية مراقبتهم داخل المخيم – المعتقل وإطلاق يدها فيهم.

وقد خاض المخيم نضالا صعبا وشاقا ضد أجهزة القمع التي فاقت وحشيتها محاكم التفتيش السيئة الصيت. وقد كان هدف هذه الأجهزة تذويب الروح الوطنية بالإرهاب وتصفيتها من الجدور كما تعاونت معها أجهزتها الثقافية بمحاولة زرع قيم وأخلاق وعادات تتنافى كليا مع قيم هذا الشعب وأخلاقه وعاداته وتضعف فيه روح الصمود والثبات والمقاومة النفسية والاجتماعية ومن هذه القيم الفردية فعلى الفلسطيني أن لا يهتم بغير نفسه ولقمته والبحث عنها في الكويت أو كندا أو أستراليا أو البرازيل وغيرها من المعتقلات الجديدة. وهنا يجيء غسان كاشفا ومحللا إن هذه اللعبة لم تنطل على الفلسطيني: ( أنا لست صوتا انتخابيا، وأنا لست مواطنا بأي شكل من الأشكال. وأنا لست منحدرا من صلب دولة تسأل بين الفينة والفينة عن أخبار رعاياها... وأنا ممنوع من حق الاحتجاج ومن حق الصراخ) و( ألست ترى أنكم استطعتم بقدرة قادر تحويلي من إنسان إلى حالة)# .

إذن فالفلسطيني كان عليه أن يثبت دائما أنه إنسان..أنه حقيقة... فنشط للمحافظة على وجوده الحضاري الانساني بشتى الأساليب، وسجل على كل قوى الرجعية والبغي والعدوان أنها ضد التأريخ وأنها هالكة لا محالة..أما كيف استطاع ذلك فسؤال تجب الإجابة عليه من علم الاجتماع العربي! هذا العلم الذي يعيش حالة لا يحسد عليها فهو ليس بأفضل من أخيه النقد! فكيف سنطالب بعلم اجتماع أدبي؟ إن ذلك يبدو من باب الطموح.. ولأن الأمر كذلك فقد مر معظم نقاد غسان سريعا عن هذه الفقرة:

" وطوال الأيام التالية كنت أبحث عن طريقة أدخل فيها إلى حياة حميد دون أن يمسه فضولي، وكانت هذه العملية صعبة للغاية... إذ أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر على الاحتفاظ بمأساته الخاصة وضمها بعنف في صدره كأنما كان هناك شبه اتفاق مشترك على أن هذا واجب وضروري"#

ويبدو أن هذا الشيء السري الذي يحافظون عليه يجعلهم ينضجون بسرعة: فقد كان الملاعين الصغار هم الحقيقة أكبر بكثير من أعمارهم. وأن الخطأ كان في أنني عاملتهم على أنهم أطفال فحسب. لقد تغاضيت عن كونهم رجالا صغارا يستطيعون الوصول إلى  ما يريدونه أي طريقة تخطر على بالهم)#. لدرجة أن مروان ابن الستة عشر ربيعا يقول لأبي الخيزران( لقد كنت في المدرسة قبل شهرين...ولكنني أريد أن أشتغل الآن كي أعيل عائلتي"#

ما هو هذا الشيء السري:


ضد الفردية


مرة واحدة نقول " المجتمع السري لمخيم" قد تكون هذه العبارة فيها المغامرة الشيء الكثير، فأين علاقات الإنتاج في المخيم حتى نقول |"مجتمع" ثم هل أبقت"بساطير" قوى القمع شيئا سريا في المخيم؟ مرة أخرى يدخل علم النفس العربي شريكا مع علم أخوية علم الاجتماع والنقد،فالقوة النفسية لابن المخيم ليحافظ على أسراره جدير بألف دراسة دقيقة. وبرأينا أن ثمة ظاهرة أضافها الإنسان العربي الفلسطيني على أساليب الشعوب في المقاومة والنضال، فمعروف أن الشعوب المقهورة تتقوقع على نفسها وتغلق أبواب مجتمعها في وجه الغزاة وأساليبهم في التشديد والتصفية الأخلاقية والتدجين الثقافي، وتتمسك بعاداتها وخرافاتها.

وقد كان يراد للفلسطيني العربي أن يتقوقع وينعزل عن الشعب العربي حتى يقتل في هذه القوقعة، وأما إن خرج فليس أمامه إلا التجويع والتجهيل والبحث الدائم عن اللقمة ومطاردات السلطة، فأما أن يطمن أو يتبخر.

غير أن الشعب لم ينعزل عن أمته العربية بل اختلط فيها حتى آخر كرية من كريات دمها وحراكها، وما زال يحركها وبنفس الوقت من داخل مجتمعه السري راقب المسلكيات الخاطئة والعادات غير الأصلية وأدائها وهذا هو غسان، يدين الفردية التي يراد للانسان العربي الفلسطيني الغرق فيها، وأدان معها القيادة الفلسطينية القديمة التي تحولت بخبراتها الطائشة إلى أداة بيد الرجعية العربية العميلة تحركها في الخفاء، ويشخص غسان ذلك قائلا(...إن المصفحة ما لبثت أن تعطلت ولم تجد كل المحاولات التي  بذلها أبو الخيزران لإعادتها إلى سيرتها السوية...وإن كانت خيبة الرجال فإن خيبة أمله كانت أكبر، ولكن أبا الخيزران- على أي حال- ضاف إلى تجربته في عالم المحركات تجربة أخرى، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أن هذه التجربة لم تنفعه حين انضم إلى سائقي سيارات الحاج رضا في الكويت) و ( أوقول لك الحقيقة،إني أريد مزيدا من النقود، مزيدا من النقود، مزيدا من النقود)# ولست أدري لماذا لم "يتوقف" : النقاد عند عبارة لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟.

فهل كان باستطاعة شخصيات رجال في الشمس أن يدقوا جدران الخزان وشروط الرحلة نفسها قاسية إلى حد منعهم من العطاس إلا بكيفية معينة ومطارة الماء( لا تستعملوها حين تحسون أن السيارة واقفة)#.

إن ما قاله أبو الخيزران ليس إلا تأكيدا لفرديته وتبريرا لفشله، بل والمجموعة كلها تعشش فيها الفردية بهذا القدر أو ذاك جتى ممثل الحركة الوطنية لم يخل منها فقد (قال أسعد بهدوء: أنا شخصيا لا أهتم إلا بموضوع وصولي إلى الكويت، أما ما عدا ذلك فإنه لا يعنيني،ولذلك فإني سأسافر مع أبي الخيزران)#.

هذا ما يقوله أسعد الذي فاوض المهرب – الأجير باسم المجموعة...ألم يكن غسان يقول  لنا بوضوح الشمس التي حرقت الرجال: إن أساليب التفاوض لا توصل شعبنا العربي الفلسطيني إلى أهدافه، وإن المتفاوضين سيتخلون عن الشعب بنفس اللحظة التي تلتقي فيها مصالحهم بمصالح الطرف الآخر..نعم هذا هو الأدب الثوري الذي يظل بعد عشرات السنين طازجا وحارا كأنما كتب هذه الليلة.

ويواصل غسان هجومه على الفردية، فها هو زكريا رجال في الشمس يتخلى عن أبسط واجباته العائلية( ها! الأمر لا يحتاج إلى ذكاء خارق،، كلهم يكفون عن إرسال النقود إلى عائلاتهم حين يتزوجون أو يعشقون) إن زكريا هذا الفردي المقيت نجد مثله زكريا آخر في " ما تبقى لكم" تصل فرديته إلى الخيانة " أنا أدلكم على سالم، وقبل أن يفعل تقدم سالم من تلقاء نفسه ووقف أمامنا مباشرة، وقد رأيناه يغسلنا بنظرة الامتنان التي لا تنس فيها كانوا يقتادونه أمامهم. إلا أنه عاد فالتفت إلى زكريا وشيعه بنظرات رجل ميت"# حتى لذة ممارسة الفردية حرمها غسان لزكريا النتن حين خرج سالم لوحده.

وأبو سمير ذلك الفردي اللص الذي لا يهمه إلا أن يقبض ولو على حساب حياة الناس ومعيشتهم متآمرا مع أعداء الشعب( لا، بل أنت المسكين، اسمع ولندخل في الموضوع مباشرة. أن ما علينا هو أن نخرج أكياس الطحين من المخزن ونذهب بها إلى هناك. أن الحارس سيمهد لنا كل شيء، كما يفعل دائما، إن الذي سيتولى البيع ليس أنا، ولا أنت، إنه الموظف الأمريكي الأشقر في الوكالة...لا، لا تعجب كل شيء يصبح جائزا ومعقولا بعد الاتفاق. الأمريكي يبيع، وأنا أقبض، والحارس يقبض...وأنت تقبض، وكله بالاتفاق، فما رأيك؟)#.

إن هذا الفردي يجد هو الآخر نهايته التي لا تختلف عن نهاية كل الفرديين، فأبو العبد (لم يدر كيف رفع الرفش إلى ما فوق رأسه وكيف هوى بعنف رهيب على رأس أبي سمير)# وبنفس اللحظة التي امتلك فيها حامد ثقته بنفسه في رواية ما تبقى لكم وهجم على الجندي الصهيوني امتلكت مريم أخته ثقتها هي الأخرى وغرزت سكينها في عانة الفردي زكريا النتن الخائن الذي اغتصبها.


البعد النفسي للاحتلال


لقد قاوم غسان الفردية بصفتها جنديا من جنود الاحتلال، كما قاوم التهجير والبعاد عن الأرض، فالفلسطيني في أدبه يقف دائما في العراء تحت الطبيعة القاسية لم تفده الأهداف الوهمية، وليس له غير الأرض تحميه وتحنو عليه وتمده بالقوة( أراح أبو قيس صدره فوق التراب الندى، فبدأت تخفق من تحته: ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجة ثم تعبر إلى خلاياه...وفي كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال منذ أن استلقى هناك أول مرة يشق طريقا قاسيا إلى النور من أعماق الجحيم)# ونجد أيضا ( وانزلق بين الحقول في حذر، مستمدا من رائحة ترابه شعورا بقوة لا تقهر، وأصابعه تطبق على سكينه في تهيؤ " وحشي" أن رأسه تشتط به وتختلط في تاريخ الحقول التي يعرفها جيدا)# والأرض هي الأم الحقيقية للفلسطيني وهي الهدف الأساسي فبينما لم يصل حامد ما تبقى لكم إلى أمه في الأردن (كهدف وهمي) ينادي سعد:

(ــ أنا سعد يا يما جوعان!. وسقط القضيب من يد الفلاحة العجوز تحدق إلى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي والرشاش على كتفه، أما رفاقه فقد هيأوا بنادقهم، فيما أخذ سعد يقترب من العجوز. وقالت المرأة:


  • يجوع عدويك يا ابني... تعال لعند أمك)#

والأرض هي الفرح والحزن، هي الأصل والمصير، هي الصورة والظل " عندما جاء نيسان أخذت الأرض تتضرج بزهر البرقوق الأحمر، وكأنها بدون رجل شاسع، مثقب بالرصاص، كان الحزن، وكان الفرح المختبئ فيه مثلما تكون الولادة ويكون الألم" #.

واعتقد هنا أن كنفاني هو أحد القصاصين العرب القلائل الذين أعطوا للأرض بعدا سيكولوجيا ذلك أنها هي  التي تحرك مسلكيات ومشاعر الشخوص وليست عقدة الليبيدو التي تنطلق منها القصة العالمية والعربية، وقد كانت الأرض دائما إلى جانب الشخوص في صراعاتهم وكان التخلي عنها يعني الموت ( كان الفرار موتا)#... و( أتدري كنت أقول لنفسي وأنا عائد مع الخيبة والمرارة أن الأرض ذاتها هي المتواطئة والشريكة وأنك كي تقبض على عبد الكريم عليك أولا أن تلقي القبض على الأرض) #، هذا ما يقوله ضابط البوليس البريطاني. وكان غسان يريد أن يؤكد للمرة الألف أن الأعداء ما كانوا ليستطيعوا الانتصار علينا لو تمسكنا بالأرض. وهنا يغمس الكاتب قلمه في أغوار النفس، فمما لا شك فيه أن العربي الفلسطيني قد ندم على مغادرته الأرض رغم دفاعه المجيد عنها في معركة غير متكافئة..ولئلا يتحول هذا الدفاع إلى تبرير ولئلا يتحول الندم إلى عجز يمسك به غسان ويحوله إلى أداة تحريضية من مستوى رفيع.


التحريض بالنــدم


إذ يقول أبو قيس وهو في العراء" رحمة الله عليك يا أستاذ سليم!يا رحمة الله عليك! لاشك أنك ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود...ليلة واحدة فقط... يا الله! أتوجد ثمة نعمة إلهية أكبر من هذه؟...صحيح إن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وإكرام موتك... ولكنك على أي حال بقيت هناك...بقيت هناك! وفرت على نفسك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار)#.

إن هذا الندم يجعله غسان وسيلة لإيقاظ الوعي، فأبو قيس الذي اكتشف قيمة الموت على الأرض لم يهبط عليه هذا الاكتشاف فجأة، فهو لم يكن يصدق أنه فقد الأرض( لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها) #

وأمام استعراض عسكري لأشبال المخيم(التفت رجل كان يجلس على حافة الجدار إلى أبي سعد، وقال له:


  • لو هيك من الأول، ما كان صار لنا شيء.

ووقف أبو سعد، مدهوشا من الدموع التي رآها في عيني جاره العجوز:


  • يا ريت من الأول هيك) #.

وفي عائد إلى حيفا يكشف غسان حدة الشعور بالندم الذي يتحول بنفس الحدة إلى جمرة تلهب الوعي، فسعيد س الذي كان يحلم هو وزوجته صفية بلقاء ولدهما خلدون الذي تركاه عام 1948 في حيفا، يقول  بعد مقابلة حامية مع ولده هذا الذي حولته أسرة صهيونية إلى دوف: ( أن دوف هو عارنا ولكن خالد هو شرفنا الباقي... ألم أقل لك منذ البدء أنه كان يتوجب علينا ألا نأتي...وأن ذلك يحتاج إلى حرب) # وسعيد س هو الذي كان يمنع ولده خالد من الالتحاق بالفدائيين ولم تكن فلسطين بالنسبة إليه أكثر من ذكرى أليمة يقول:

( لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط)# وأن (ليس ثمة ما يقال بالنسبة لك، - بما كان الأمر كله حدثا سيء الحظ، ولكن التاريخ ليس كذلك، ونحن حين جئنا هنا كنا نعاكسه، وكذلك، اعترف حين تركنا حيفا إلا أن ذلك كله شيء مؤقت)#.

ويواصل غسان تجريم مغادرة الأرض واعتبارها مصدرا للندم والألم ومصدرا جديدا لوعي إلى درجة أنه يكرس قصة لشخص راودته فكرة الهجرة من غزة إلى أمريكا ثم يندم ويعدل عن فكرته بعد أن هدم الصهاينة بيته وقطعوا ساق ابنة أخيه نادية فيكتب هذا إلى صديقه الذي يرتب له أمور هجرته إلى سكرمنثو قائلا (لن آتي إليك...بل عد أنت لنا..عد...لتتعلم من ساق نادية المبتورة من أعلى الفخذ، ما هي الحياة...وما قيمة الوجود...عد يا صديقي...فكلنا ننتظرك)#.

وهكذا بعد أن يدين غسان الخطأ يحوله إلى حافز نضالي، ولا بد من التأكيد على أن هذه الإدانة لا تدخل  في باب جلد النفس أو تعذيب الذات بل بالعكس تماما أنها من باب النقد الذاتي الجماعي، فباعتقادي أن النقد الجماعي الذاتي هو إحدى ظواهر ما نسميه " المجتمع السري" وهو الذي حمى المخيم من الانقراض السياسي والثقافي، فالفاشيون وحدهم هم الذين لا يقبلون النقد، لذلك فهم أول من يسحقهم التاريخ- وظاهرة النقد الذاتي الجماعي  المتطورة تأتي في رأينا كرد على الانتلجنسيا وغياب فكرها النقدي وروح المهادنة الكامنة عندها ثقافيا (ثقافة وكالة الغوث والأنظمة) وطبقيا ( تحالف البورجوازية الفلسطينية مع البورجوازية العربية)، لذلك أمسك غسان بقبضة قوية على موضوعه الندم ومارس من خلاله نقدا عالي الرنين وحوله إلى محرض كفاحي على العودة مرتبط بالكفاح المسلح.


البندقية هي الأسلوب


فغسان لم يكتب شيئا خارج البندقية بل إن كل ما كتبه يخرج منه، فقبل عام 1965 كان يبشر بها ويبحث عنها ويدعو لها  وفي عام 1965 صار يكتب،  وقصة العروس تلخص ذلك كله إذ تتحدث عن مناضل فلسطيني في عام 1948 يستخلص بندقية تشيكية من جندي صهيوني لكن أحد المسئولين يضغط على هذا  المناضل  ليسلمه البندقية فيبيعها المسئول لآخر يضطر  لتزويج ابنته مقابل ثمنها  وهنا تكتسب البندقية لقب  العروس ويبدأ المناضل البحث المضني عن عروسه التي  فقد، وفي نهاية القصة تماما يقول غسان ( ابحث معي، حيث أنت، فلدي أخبار جديدة عن العروس)# .

وليس هذا فحسب بل إن كلمات وعبارات الكاتب هي بحد ذاتها مسلحة فلو أجرينا إحصاء استتيكيا على قاموس غسان اللغوي لوجدنا عبارات مثل: الساق المبثورة من أعلى الفخذ، قادت البندقية، هي عبارات تتكرر في رواياته وقصصه القصيرة على حد سواء، ويصور غسان عشق الفلسطيني للسلاح تصويرا بديعا، فمعروف أن بريطانيا ومعها الحكومات العربية كانت تمنع العرب الفلسطينيين من السلاح ولكنهم كانوا يحصلون عليه رغم آلاف العراقيل  والصعوبات فيحدثنا الكاتب عن سعيد  العمضوفي الذي جمع فلوسا من القرية لشراء مدفع رشاش لكن هذه الفلوس لم تكن كافية ولكن مع ذلك حضر المدفع، وفي لحظة هجوم الصهاينة تخلخل"السبطانة"مما يضطر سعيد لتعريض حياته للخطر فيمسكها بيده ويقول للرامي:

( إن ثمن المدفع لم يسدد كله...ستجد اسم التاجر في داري...هو من يافا...لقد دفعن قسما كبيرا من ثمنه من تبرعاتكم... لقد أوشك ثمنه أن يتم.. هل تعرفه،إنهم يشترون الدم بمبلغ كبير؟ لو عشت شهرين فقط؟ شهرين آخرين لاستطعت أن أسدد كل ثمنه، إني أعطيهم دما جيدا، ثمنه جيد، خذ حسين وحسن واذهب إلى ذلك المستشفى...ألا تريد أن يبقى المدفع عندكم؟)# . وفي "عن الرجال والبنادق" التي  تشكل مشروعا روائيا صور لنا الكاتب العذاب الذي يلاقيه المناضل الفلسطيني للحصول على البندقية وهو يتحمل هذا العذاب لأن ليس له غير البندقية تعيد له أرضه وكرامته وهو يربط هذه الدعوة إلى الكفاح المسلح بالنضال على المستوى القومي رغم ما فيه من تعقيد.

وفي ذلك يقول الناقد محسن جاسم الموسوي ( لم يتعامل مع الأجواء العربية بهذا الوضوح وهذه الجرأة الرهيبة في التصوير) #


البعد القومي والاشتراكي


وغسان ينطلق في أدبه قصة قصير أو رواية من فهم قومي واضح لمجمل قضية ،الثورة العربية. فهو لا يتخذ المدن العربية مسرحا لقصصه فحسب، بل وأنه يختار شخوصا عربية، فموت سرير رقم 12 التي سميت مجموعة باسمها هي قصة تحكي عن معاناة شاب عماني وقبل انطلاق الثورة في عمان، مما يؤكد على أن الكاتب يعيش قضيته العربية بشكل يومي، كما أن قصة ( 10 أمتار فقط) تتحدث عن عادات سيئة في الكويت، وكما أخذت البصرة والموصل ودمشق وعمان ساحة لا بأس بها من أدبه، أضف إلى ذلك أن ملامح أبطاله ومسلكياتهم هي ملامح ومسلكيات مأخوذة من مجمل الواقع العربي وهو منحاز في هذا الواقع إلى جانب الطبقات الفقيرة التي تريد تغييره ، ونرى ذلك من تصريح صحفي إذ يقول:

" خلفيتي مرتبطة بالطبقة الوسطى إذ والذي كان ينتمي إليها قبل أن نذهب إلى سوريا كلاجئين, وكان التصاق عائلتي بجذورها " الطبقية" بعيدا عن الواقع الذي لم تكن بينه وبين الجذور أية صلة. وكان علينا، نحن الأولاد، أن ندفع هذا التناقض (بين الماضي والواقع) وبالتالي أصبحت علاقتي ( مع أفراد طبقتي علاقة عدوانية بدلا من أن تكون علاقة ودية. ولن أدعي بأنني انضممت إلى البروليتاريا. لم أكن بروليتاريا حقيقيا بل انضممت إلى ما نسميه في لغتنا بـ " بروليتاريا الرثة" التي لا يشكل أفرادها جزءا من الجهاز المنتج، فهم (يعيشون) على هامش البروليتاريا.

غير ذلك ساعدني بعدها، بالطبع، على تفهم إيديولوجية البروليتاريا ولكن ليس بإمكاني القول بأني كنت أشكل جزءا من البروليتاريا في ذلك الحين – ص 147 غسان كنفاني إنسانا وأديبا ومناضلا- )

ولابد أن أذكر نقطة هامة عند غسان ، وأن أتطرق إلى البعد القومي في أدبه: صحيح أن إصراره على الحوار بالفصحى وسلامة لغته في وقت اتجه فيه الكثيرون نحو  الحوار بالعامية ونحو الركاكة اللغوية يشكل إحدى الدلائل على قومته الأدبية كما أن اختياره لأبطال غير فلسطينيين ومعالجته لقضايا غير فلسطينية في كثير من الحالات هي أدلة أخرى، على أن الحاسم في المسألة هو:

أن غسان كان يكتب في كثير من الأحيان بغير اسمه حين يتعرض بقوة لنقد الأنظمة وهذه مهمة زملاء غسان ولجنة تخليده للكشف عن أسمائه المستعارة، ثم أن غسان كان كاتبا سياسيا بل وكاتب افتتاحيات ، مما أعطاه مجالا رحبا لمعالجة وطرح أفكاره القومية أكثر فعالية والعمل السياسي الحزبي اليومي كوسيلة أكثر فعالية من الأدب في هذا المجال. وكما قصة (كعك على الرصيف) موقف غسان الطبقي فإن قصة قتيل في الموصل تلخص موقفه القومي إذ يقول:


  • إنني  طالب في كلية الحقوق في بغداد- وسوف تبدأ الدراسة بعد أسبوع.

  • إنني سعيد بالثورة أليس كذلك

  • سعيد جدا...إنها خطوة جيدة نحو " اللد".)#

وليس لاستشهاد فلسطيني في الموصل من معنى غير أن غسان يربط الاستشهاد على أي أرض عربية بالقضية المركزية لهذه الأمة. وإننا حاولنا استخلاص نتيجة ما من جميع أعمال غسان فهو هذه الصفة المشتركة لأبطاله ( حسهم القومي ومنبتهم الطبقي الفقير)، ولا غرو في ذلك، فـ ( إن هناك رابطة دم تجمع بين أعمال كاتب واحد مهما تباينت مواضيعها لأنها تعكس الشخصية ذاتها)#

والآن ثمة سؤال يطرح نفسه ماذا قدم غسان لفن القصة العربية؟ وفي محاولة لتخيل إجابة على هذا السؤال قال ناقد عن إحدى رواياته:

( إنها أصيلة وحقيقية، ولكنها ليست رواية بالمعنى الفني للكلمة...أيام كتابتها لم يكن باستطاعته أن يكون روائيا).

إن هذا الحكم برأينا ليس فيه من القيمة إلا محاولته ادعاء الرزانة! فمفاتيح الأسئلة الرئيسية مفقودة منه،  فالإجابة على الأسئلة التالية هي التي تحدد مكانة غسان الفنية:

1- لمن ولماذا يكتب غسان،

2- ما هي وضعية القصة العربية في مرحلة غسان،

3- ما هي الشروط الفنية التي كان عليه التحرك من خلالها والإضافة عليها؟

إن الإجابة عن السؤال الأول تتلخص في أن  غسان كان يكتب للطبقة الفقيرة من الشعب العربي وبلغتها في محاولة مستمرة ودؤوبة لإيقاظ وعيها وتوحيد نضالها وتثويرها على واقع الفاسد

وأما السؤال الثاني فيجيب عليه نجيب محفوظ حين يقول:

كان دور جيلنا من الروائيين –وما زال- تأسيس الفن الروائي في البيئة العربية# .

وإن السؤال الثالث فنجيب عليه بقولنا: إنه كان على غسان وكل جيله التحرك فنيا ضمن القيم الجمالية التي وضعتها الثقافة السائدة ( الإقطاعية والبورجوازية) فغسان كمحرض ثوري لا يمكنه التخلي عن الثورة لصالح الفن باعتبار ( أن الحزب والثورة ديناميتان، ولكن على حساب التقنية والثقافة إلى حد كبير)#

إن الذي يطلب من الفنان في مرحلة الثورة والإعداد لها الكتابة وفق شروط فنية خارج الشروط السائدة إنما يطلب منه أن يتخلى عن الثورة بمعنى أنه يطلب من المقاتل أن لا يبدأ ببندقية الصيد المتوفرة.

ومن ناحية أكاديمية نقول أن ليس ثمة تعريف جامع مانع على رأي المناطقة للرواية. فكل ما هنالك بعض التعاريف المدرسية مثل: ( سرد خيالي ذو طول معقول، بلغة النثر) أو تعاريف فضفاضة مثل تعريف هنري جيمس: انطباع شخصي عن الحياة!

ثم إن نظرة إلى شخوص غسان نجدهم يكتسبون ( قسماتهم الفردية من موقفهم الحي والشخصي والمصيري من وسائل مجردة)#  كما أن وصفهم يشتمل على نظرتهم إلى العالم وهذا يعني أنها شخوص روائية وبوصف روائي، وهكذا تكون روايات غسان روايات فعلا.

أما من الناحية الفنية المجردة فغسان مثقف قومي ثوري ( أن  الثقافة القومية التي ينطلق المثقف العربي الثوري في مسيرته من خلال وعيه لإبعادها هي ثقافة قومية الإطار اشتراكية المحتوى، تبعث أنبل ما في تراث الأمة الثقافي وتمثل أنبل المسائل الفكرية في العالم وأكثرها قدرة على إغنائها وتحويلها إلى سلاح مادي وقوة تعبير في حياة الأمة، كما أنها بنفس الدرجة من الأهمية ثقافة جماهيرية تسهم من أجل إعادة خلق الناس العرب من خلال تثقيفهم وتربيتهم بواسطة الناس العرب أنفسهم)#

لذلك مما لا ينسجم والإجابة على سؤالنا الأول لمن ولماذا يكتب غسان؟ أن يكتب بكيفية تلائم الناس لذلك يكتب لهم لأنه يكون قد فقد موقعه الطليعي. إن هواة الثورة من المثقفين هم الذين يطالبون الكاتب الثوري بأساليب فنية جديدة، وقد قال هو شيء منه في هؤلاء: أنهم أشد خطرا على الثورة.

وقد اعتمد غسان الأساليب الفنية التي سادت في مرحلة الخمسينات والستينات كالرسائل والتداعي وهو بذلك ( إذ كان المضمون يفرز الشكل) لم يخرج من المخيم فالرسائل والذكريات لها حصة واسعة في حياة الإنسان العربي الفلسطيني. ولقد حاول غسان أن يرتفع إلى مستوى البطولة في روايته " ما تبقى لكم" كما أنه أدخل الملاحظات والهوامش إلى صلب العمل الفني في رواية "برقوق نيسان".

أما إذا كان المقصود ب، ( المعنى الفني للكلمة) هو تقديم زينة جميلة للعمل الأدبي الثوري فإن ذلك سابق  لأوانه لأن الكاتب الواقعي الثوري ليس بإمكانه تزويق الواقع وهو الذي يناضل ضد فساده،  وهذا لا يعني  تبريرا لقبح الأعمال الفنية، فالقبح ليس فنا رجعيا أو ثوريا..إنه قبح، ولكن لأن تزيين الواقع لمصلحة الجمال  على حساب الثورة أمر مرفوض في الواقعية.

وباعتقادي أن الذي قال: إن غسان كان صادقا في الذي كتب، ولهذا فهو قد رفد الرواية العربية بهذا الصدق الكبير والود العظيم للأرض، كان من أدق الذين  كتبوا عن غسان فالصدق هو النموذجي في رواياته وقصصه فكل شخوصه منسجمة مع نفسها صادقة في مواقفها لذلك فقصصه تبدو طبيعية فـعندما لا تشتمل الرواية أو القصة على ما هو نموذجي فلن يجد القارئ، معها أي شيء طبيعي، ويبدو أن غسان قد أدرك هذا فغاص بعد 1967 بكل ما هو صادق وواقعي ومحرض وعميق متخليا عن الكثير من القيم الجمالية وبذلك يكون قد أعطى القصة العربية وكفاح الثورة على الجبهة الثقافية وثيقة تاريخية هامة تؤكد فعالية "عمق البساطة؟" في الفن.

رغم أن هذه المحاولة لقراءة غسان كنفاني ككاتب ثوري قومي اشتراكي حاولت أن تكون جزئية في جانب، وجدية في جانب آخر وجديدة في جانب ثالث إلا أنها  افتقرت إلى أساسيات في البحث العلمي:


  1. المنهج الأكاديمي الصرف فهي تدعي أنها تبحث في الأدب خارج القوالب الأكاديمية.

  2. المدرسة النقدية المحددة فهي تستفيد من مختلف وجهات النظر في المدرسة الواقعية (ديمقراطية، اشتراكية، انتقادية، ثورية..ألخ).

  3. وثالث هذه الأساسيات أن المحاولة بنت مواقف نقدية صارمة تأسيسا على تحليلات اجتماعية غير صارمة.

وهذا الافتقار أدى بالمحاولة إلى أن يميع قانونها الداخلي الخاص فتشبثك بالموضوعية وهي موضوعية منحازة وليست موضوعية بورجوازية أكاديمية ميتة، لذلك فإنها تكتسب بحق صفة قراءة في أدب غسان كنفاني.

                                                    والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته