الخطاب الشعري
ودوره في بلورة الشخصية الوطنية

بشرى عبد المجيد تاكفراست
    تخصص النقد الادبي
كلية اللغة لعربية /جامعة القرويين

وقفت طويلا أمام عنوان المداخلة.. ووجدت نفسي أمام عنوان يتسع لأن يكتب فيه مجلد أو أكثر، لا أن يكون موضوع محاضرة، لا يتسع فيها الوقت إلا لساعة، أو بعضها  ، لأن صيحات البعث التحررية، ونمو الوعي الوطني والقومي في  نفوس العرب إزاء مناهضة المستعمرين، شكل قاعدة انطلاق عربية  صميمة، واجهت المستعمرين مواجهة مستمرة حتى أجبرتهم على الجلاء، وتحقق الاستقلال الوطني في معظم الدول العربية.
تحت ضوء ذلك لا يمكن لباحث في الأدب العربي الحديث أن يغض  الطرف عن المتغيرات الكبرى في الحياة العربية قاطبة، لما لتلك  المغيرات من آثار على النزعات والاتجاهات الأدبية الموازية لتلكم المتغيرات، فالثورات الوطنية، أو السلطات الزمنية الحاكمة المستحدثة في سائر البلدان العربية المتحررة من ربقة الاحتلال، نراها تتفاوت بين  تحقيق المنجزات والوقوع في أسر الانكسارات في جل الأقطار العربية على المستوى الداخلي والخارجي.
وفي الواقع إن عاطفة الشعراء تآزرت مع مدركاتهم العقلية  كي ينفعلوا مباشرة في التعبير الفني عن مناهضة الطغاة، ومقاومة الغزاة،  وكان على الشعراء قبل الكتاب والنقاد والساسة، وعلماء الاجتماع والتاريخ وغيرهم، أن يسجلوا الأحداث الكبرى التي دارت رحاها قبيل إشراقة فجر القرن العشرين خاصة، خطوة خطوة ، ومواكبة للحدث في أعقاب الحدث، مثلما عبروا عن أحداث النصف الأول من القرن العشرين، وإن جاء جل تركيزهم عن محاور الوطنية، والمواطنة، والعروبة والقومية العربية، ونموها مع الوعي الوطني المواكب للمتغيرات السياسة، والاجتماعية والاقتصادية إلى بداية الألفية الثالثة، والتي تضافرت مع عناصر أخرى مهمة كالصحافة والتعليم والمؤسسات الحزبية السياسية وغيرها.
ربما كان مصطلح " الخطاب" أنسب الكلمات المتداولة للإشارة إلى نوع الكتابة الشعرية والإلماح إلى خواصها المتميزة، لأنه يجمع في انخطافة لغوية واحدة بين المرسل والمتلقين في فعل تواصلي  حميم، فالخطاب يتجه دائما للآخرين في حركة خارجية مسموعة، ويتم غالبا في لحظات " الخطوب" التاريخية إلى استثارة المكنون في الوعي الجماعي ليتجاوز العاطفة الفردية عزفا على الشعور في  طابعه القومي  المشترك.
وإذا كانت سلطة الخطاب الشعري متجذرة في تاريخنا القومي  منذ كان الشاعر اللسان والعين الباصرة لأمته، وارتبط مجده بقدرته على  بلورة الرؤية الجماعية في صيغ شهيرة وسعيدة فإنها اختزلت أنواع الخطاب السياسي والفكري والثقافي وراهنت على وراثتها جميعا #...لقد استمرت سلطة الخطاب عبر تاريخ الأدب الحديث، فعالية وتأثيرا، دورا وتنويرا.
إن ماهية الخطاب في النهاية، تعبير فكري وفني حتمي لمقاومة القهر الداخلي، والقهر الخارجي، بديلا عن الإذعان والاستسلام والركود والتبعية والانبهار بالآخر، إن سلطة الخطاب الشعري الوطني أم السياسي، ليست سلطة كلامية انفعالية، أو ظاهرة صدودية حماسية، إنه تغني بالوطن ورموزه، كما هو مقاومة للطغاة والغزاة إنه الحرية والديمقراطية والوعي بالذات ( إنسانا وزمانا ومكانا) وهو فيما أرى رفض للقيود والاستلاب، بل علامة فارقة من علامات التحضر، ورفض الهيمنة على الشعوب أو الحكومات. ولعل آفاق الإصلاح عند كل المحاور هي سبيل الوطن أو الأمة للتوحد – حينئذ- يتناغم الخطاب الإبداعي مع الفكر السياسي وتطبيقاته الحقيقية، فيحقق الحلم والمواقف والإرادة.
ولتقليص دائرة البحث حصرت الموضوع في الشعر الفلسطيني للوقوف على الدور الريادي الذي يلعبه لتأسيس وتفعيل الشخصية الوطنية الفلسطينية ...ولعل ذلك يعود إلى  سببين:

  • أولهما: أن الشعر ما زال يشكل للإنسان العربي أهم وسائل التعبير عن مشاعره وأحاسيسه وفكره، وهو لا زال كسابق عهده ديوان العرب.. الذي يستثير الناس ويحفز هممهم ويحفظون أبياته ويتغنون بقصائده.
  • ثانيهما: أن الشعر في مجال المحاضرات يسهل متابعته أكثر من النصوص النثرية الأخرى .

ولابد أن أشير إلى أنني لم أطمع في أن أقدم تحليلا أدبيا ورؤية نقدية للنصوص التي اقتبستها، فذلك ليس مجاله هنا، ولكن سنلامس هذه النصوص الشعرية بغية الوقوف على جوانبها الحساسة التي تمس تكوين الشخصية لدى الفلسطيني.
وفي حديثنا عن دور الشعر في بلورة الشخصية الوطنية الفلسطينية، فإن مجموعة محاور ثنائية تشكل عناصرها وهي:

  • المحور الأول: الأرض – الوطن
  • المحور الثاني: الغربة-المعاناة.
  • المحور الثالث: العودة- الأمل.
  • المحور الرابع:الصمود- الثورة.
  • المحور الخامس: العروبة-الانتماء.

إن هذه المحاور ليست تصنيفا نهائيا، إذ يمكن أن تتداخل، بل إنها تتفاعل لتصنع في مزيج متكامل هذه الشخصية المناضلة، التي تقاتل بالحجارة لتجسد حلم العروبة بوطن حر على أرض فلسطين العربية. هذا المزيج من هذه المحاور يصنع الشخصية الوطنية الفلسطينية وهوية نضال، وهوية انتماء إلى جزء من الأرض العربية.
المحور الأول: الأرض – الوطن.
قبل نحو ثلاثين عاما،في أثناء زيارته لبيروت قال جون فوستر دلاس:"أن المشكلة الفلسطينية ستحل فقط على مرور الزمن،حينما ينشأ جيل من الفلسطينيين الذين تربوا بدون الارتباط بالأرض".وكل الذين لا يعرفون العربي الفلسطيني عاشوا على هذا الوهم لأنهم لم يدركوا ماذا تعني لهم الأرض. إنهم كما يراها الفلسطيني محور حياة الفلسطينيين. يقول فواز تركي: "إذا كان هنالك محور مشترك لجميع الفلسطينيين،  محور للنفس، فإنه بلا نقاش الأرض..
...وباختصار فإن صلة الفلسطيني بأرضه لها علاقة بمثالية الذات وانغماسها...ولها علاقة بالمفهوم الأساسي لمكانه في الوجود، ولافتراضاته الرئيسية حول الذات، وبدون أرضه فالفلسطيني ببساطة لا يستطيع تحديد هويته"#
وليس غريبا أن نجد الأرض تأخذ حيزا كبيرات من ديوان الشعر الفلسطيني وتأخذ حيزا كبيرا من ديوان الرواية والقصة في فلسطين، وقد أفرد كاتب فلسطيني كتابا كاملا يتناول فيه الأرض في جانب من جوانب الشعر الفلسطيني وهو شعر المقاومة.#
وقد لاحظ المؤلف في كتابه، " أن الأرض – في شعر المقاومة الفلسطينية- تبدو تجسيدا واحتواء للهوية الفلسطينية. وقد وقع النظر إليها بطريقتين:

  • عموديا: فكانت تمثل تجدر الفلسطيني ورسوخه فيها عبر الزمان.
  • أفقيا: فكانت تمثل الخصوبة التي تحولت إلى جذب ودمار أصابها بفعل الاحتلال الصهيوني.

كما كانت ثلاثية الرمز المنطلق من الأرض ذات أبعاد دلالية ثلاثية، إذ كانت الأرض:

  • رمز الحق الفلسطيني، فهي تركة ورثها الجيل المعاصر عن الآباء والأجداد.
  • رمز البقاء والمستقبل، فهي ترفض الاستعمار وتتحداه، وتتحول إلى سلاح في يد الفلسطيني يناضل به من أجل الوجود الصهيوني العنصري"#

هاهم الشعراء يكتبون عن الأرض، إنهم يعبرون عن ذلك التفاعل الحي بين الإنسان والأرض...إنه نوع من التوحد بين الإنسان والأرض، ذلك لأنها عندهم هي الوطن. وهكذا تصبح الأرض محور  القصيدة ومجال استثارة المشاعر الوطنية وتوحيدها حول هذا البعد الذي هو أوسع من كونه جغرافيا وأعمق من كونه تاريخا...
فتراب الأرض امتداد للروح التي منها يستمد سلاحه في وجه الغاصبين:
                         اسمي التراب امتداد لروحي
                        اسمي يدي رصيف الجروح
                       اسمي العصافير لوزا وتين
                      اسمي ضلوعي شجر
                     استل من طينة الصدر غصنا
                    وأقذفه كالحجر
                    وأنسف دبابة الفاتحين.#
إن الأرض التي توحد الفلسطينيين، وتعطيهم هويتهم، تصبح حلما لدى الشاعر ولدى الفلسطيني كي يموت في ثراها...تقول فدوى طوقان:
                     كفاني أموت على أرضها
                    وأدفن فيها
                    وتحت ثراها أذوب وأفنى
                   وأبعث عشبا على أرضها
                   وأبعث زهرة
                   تعبث بها كف طفل نمته بلادي
                  كفاني أظل بحضن بلادي
                  ترابا، وعشبا، وزهرة#
إن الأرض لدى الفلسطيني هي الوطن الذي يسكن جسده..هذا الحلول الذين يندر أن يجده عند كتاب آخرين فالأرض كما يقول لنا الشاعر:
                 وجهي هو الأرض الجديدة
والعصافير السعيدة
والصلابة والتحدي
هل تستطيعون التحدي؟
يا أرض ردي
الرمل بيتي
كل الجهات سواحلي
بيسان صدري
والعواصم حدي
يا ارض رُدي
وتخللي لحمي الجميل
روائح الجسد الجميل#
إن الانتماء إلى الأرض والالتحام بها يمثلان للفلسطيني عنصر الانتماء الأساسي لوطن يحتله الغاصبون، وبهذا الانتماء يتجسد البعد للهوية الوطنية الفلسطينية، التي تجعل أطفال فلسطين، وهم مولودون في المنافي، وآباؤهم مولودون بعيدا عن قرى ومدن آبائهم، مازالوا يذكرون لك أنهم من يافا أو حيفا، أو اللد، تلك المدن التي لم تكتحل بها عيونهم ولا عيون آبائهم..هذه الظاهرة الفلسطينية، ظاهرة الانتماء للأرض هي التي أدهشت الغاصبين عند احتلالهم للضفة الغربية وغزة وجعلتهم يدركون أن هناك شعبا يعرف كيف يحافظ على ذاكرة اسمها الوطن.
يقول محمود درويش: " خلال حرب حزيران فوجئ كثير من الجنود الإسرائليين بأن الفلسطينيين يحملون ذاكرة، وبأنهم يتذكرون وطنا ضاع، وأكثر ما فاجأهم هو الأطفال الذين ولدوا بعد ضياع الوطن مازالوا متعلقين بهذا الوطن. وروى جندي إسرائيلي أنه حين دخل أحد مخيمات اللاجئين وجد أن السكان لا يزالون يعيشون بالطريقة ذاتها التي كانوا يعيشون بها في قريتهم السابقة. إنهم موزعون وفقا لما كانوا عليه. القرية ذاتها والشارع ذاته. وقد اهتاج الجندي.
-لماذا؟
كنت عاجزا عن الفهم. لقد مرت تسع عشر سنة، وما زالوا يقولون: نحن من بئر السبع،  وقال لي جندي شاعر أنه لم يشعر بأنه غريب في فلسطين يوما واحدا في  حياته إلا حين دخل إحدى القرى العربية في الضفة الغربية بعد الحرب الأخيرة، كان في الزي العسكري، ورأى طفلة في الشارع تنظر إليه نظرة جعلته يشعر بالزلزال من عيون الطفلة ،التي لا يستطيع شرح نظراتها أدرك أنه محتل. لم يخف الجندي دهشته من رفض عيون الطفلة، قال: هذه الطفلة...من أين جاءت بالذاكرة؟ ومن علمها أن لها وطنا..من علمها؟"#
المحور الثاني: الغربة- المعاناة
لأن الأرض محور الفلسطيني تصبح كل بلاد الدنيا بالنسبة له منافي إجبارية..وبها يتولد شعور الغربة.. وعنها تنتج أشكالا متعددة من المعاناة.
مخيمات اللاجئين تفرد مساحات واسعة من البؤس الإنساني..تحصيل لقمة العيش مرارة وكد وآلام..التعبير عن كيانه يقابل بالقمع والسجون...وهويته الفلسطينية تصبح تهمة..وأسماء أبنائه دائما على قوائم الممنوعين في مطارات العالم...ويصبح الطفل الفلسطيني مخلوقا مشبوها...إن هذا الواقع يعيشه الفلسطينيون كل يوم، ونقرأ في الصحف قصصا عن الرحلات المكوكية بين مطارات أجنبية وعربية لأسرة فلسطينية، لأن المطارات العربية لا تتسع لقدم طفل فلسطيني يسمح له بالدخول في المطار العربي..إن هذا الواقع يصرح به وزير داخلية عربي حين  يناشد جميع الدول العربية: " عدم تعقيد الأمور" أمام الفلسطينيين الذين يحملون جوازات سفر أردنية مؤقتة لمدة سنتين وطالبها بتحمل مسؤولياتها أمام أبناء الشعب العربي الفلسطيني كما طالب بوضع الجميع أمام مسؤولياتها لأن جميع الدول العربية أرادت ورغبت في اتخاذ قرار وإجراء يترجم التوجه العربي لإبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية من خلال قرارات عملية" وجاء قرار الأردن مسايرا للمطالب العربية ومطلب منظمة التحرير الفلسطينية ومتجاوبا معها".
لقد تحدى الفلسطينيون غربتهم ومعاناتهم من أجل البقاء وتوجهوا نحو الإنجاب والتعليم، حتى أصبحوا كما لاحظ دون بيترز في مقالته حول الانتفاضة:
" الشباب الفلسطينيون هم من بين أفضل الجماعات تعليما في الشرق الأوسط، وكانت لديهم فرص محدودة لتطبيق مهاراتهم العالية وخصوصا عند عودة الآلاف من العمال من دول الخليج عقب تخفيض إنتاج النفط في أوائل الثمانينات. وعدد السكان في المناطق المحتلة يزداد بنسبة سريعة، أسرع مما توقعه خبراء السكان من الفلسطينيين والإسرائيليين لينتج اكتظاظا في القرى والمدن ومخيمات اللاجئين"#
في الغرب وجد الفلسطينيون أنفسهم في حالة حصار دائم في العمل والتعليم والتنقل وممارسة حقهم في التعبير عن ذاتهم، وقد كبر حجم المعاناة حينما توزع الفلسطينيون في المنافي...وتأثر الفلسطينيون من خلال مواقع هجراتهم في البلدان العربية والأجنبية.
وكان لذلك جوانبه السلبية. كانت مظاهر الغربة بين الأهل واضحة... فكان الفلسطينيون في مواقفهم تحت الوصاية لاجئين في مخيمات كانت هي مصانع للثورة وكان أشد ما عاناه الشعب الفلسطيني في  غربته عن الوطن ما يمكن أن نسميه بظلم ذوي القربى، فقد كانت الثورة الفلسطينية تعبيرا عن حلم عربي كبير في العودة، وكان التدخل العربي بها من جانب يمكن أن يفسر بالمسؤولية القومية للأقطار العربية تجاه فلسطين، ولكن الجانب الثاني كان يمكن تفسيره بتنازع المصالح القطرية على حساب المصالح القومية.
وهكذا نجد أن حجم المعاناة الفلسطينية أخذ بعدا من المعاناة الفلسطينية اليومية للمعيشة، وأخذ بعدا من الإحباطات العربية، ويجسد أحمد دحبور هذه المعاناة المزدوجة في قصيدته المشهورة: راوية المخيم:، يقول فيها:
اسمع، أبيت اللعن، راوية المخيم
افتح له عينيك، وفهم:
هذي الخرائب، والمجاعة، والخفوت
هذي (الإعاشة) والصدى الخاوي، وأشباح البيوت.
فيها كبرتُ
بها كبرت،
وفوضتني عن جهنم
أن أسكن اللهب السليط على خيوط العنكبوت
ومهمتي ألا أموت
ولقد بلوت الموت دهراً في المخيم
وبقيت حياً
حاربت، في شطرنج ذي القربى،
فهدم قلعتي فيلي الملجم.
وبقيت حيا
عشرين حوجلة سقيت من الدم المر المسمم
وبقيت حياً
لأشد أمعائي خيوطاً في الربابة
لأسل صوتي جارحاً، كالجوع، مجلوا نقياً:
"الجوع لا يقوى عليها
" والموت –سخا الموت- ليس يرد عن وطن شبابه.#
كل الهموم الفلسطينية، وكل أشكال المعاناة تحدد اتجاها واحدا للفلسطيني، ترسم له طريقا وحيدا، وحلما وحيدا وهو طريق الحرية. إن درب الحرية للفلسطيني هو درب معاناة باهظة التكلفة يدفع ثمنها الشهداء والسجن والتعذيب في السجون ونسف الدور والأبعاد إلا أن للحرية بابها، هذا الباب هو الذي ترقب الشاعرة فدوى طوقان أن يفتح مصراعيه..كي يهرب ليل الاحتلال ويعم ضياء الحرية والنصر..تقول في قصيدة بعنوان حريتي:
حريتي حريتي حريتي
سأظل أحفر اسمها وأنا أناضل
في الأرض في الجدران في الأبواب في شرف المنازل
في هيكل العذراء في المحراب في طرق المزارع
في كل مرتفع ومنحدر ومنعطف وشارع
في السجن في زنزانة التعذيب في عودة المشانق
رغم السلاسل رغم نسف الدور رغم لظى الحرائق
سأظل أحفر اسمها حتى أراه يمتد في وطني ويكبر
ويظل يكبر
حتى يغطي كل شبر في ثراه
حتى أرى الحرية الحمراء تفتح كل باب
والليل يهرب والضياء يدك أعمدة الضباب.#
لقد ظل هاجس الغربة عن الوطن يشكل معاناة يتمنى معها لو يعود إلى الوطن ويدفن فيه..لكن هذا الهاجس وهذه المعاناة والأمنيات من الصعب تحقيقها، فهذا الشاعر الشهيد علي فودة يناجي بقوله:
حرام أن أموت بغربتي فارحم
وخذني حبة القمح التي بحواصل الأطيار قد نامت
وفي قنيّر وادفني
فلن أندم #
المحور الثالث: العودة- الأمل
تظل فكرة العودة إلى الوطن هي أكبر من حلم، إنها تمثل الأمل الذي يحرك الفلسطيني ويدفعه للنضال من أجل وطنه، إنها الأمل بالانتصار، رغم كل أشكال المعاناة التي واجهها ويواجهها، ففكرة العودة هي هاجس الفلسطيني الذي لا يتنازل عنه. وكما يقول فواز تركي.
" من النادر أن تجد فلسطينيا يقول لك متى سيعود إلى فلسطين، لكن من الأندر أن تجد فلسطينيا يقول لك هنالك عودة. إن فكرة العودة حتمية في الوجود الفلسطيني، وهي مغامرة عاطفية لروحه وإيمانه".#
هذه المغامرة العاطفية يعبر عنها الشاعر فواز تركي بقوله:
عيني يا عيني يا عيني يا وطني
أتحامل، هذا الفجر، على جرحي وأجيء
في وجهك أرضك مثخنة..وأجيء
أحرقت ورائي ما وهبته بحار التيه من السفن
وقصدتك أنده في الطرقات
باسم الفقراء التواقين تحرك يا وطني
فأنا المطعون بكل حراب الأهل على كل الساحات
وأنا المتناثر لحمى بين الأسنان المنثورة في المدن
أنكمش بالفرح الآتي وأضيء
يتلملم جرحي بالفقراء، ويأمرني، فأضيء
وأحارب حتى تصبح يا وطني وطني.#
إن الأمل بالعودة للأرض ليس مثارا للتساؤل.. لقد كانت فكرة العودة دوما أسلوبا للتعبئة. ولأن العودة إلى الوطن هي أمل لا ينتهي لذا لم يكن غريبا أن تجد كثيرا من أسماء أبناء الفلسطينيين كلها ترتبط بالوطن وبفكرة العودة أو وسيلة العودة كما يرون: لهذا نجد أسماء عديدة للأبناء مثل عائد وعائدة وعودة وكفاح ونضال وثائر وبيسان وحيفا.. وأخيرا انتفاضة.
إن العودة عند الفلسطيني هي الفرح الحقيقي، الذي سيتحقق بالفداء، وهذا هو صوت حسن البحيري ينشد لنا:
وطني ،و أمجادي على ثغر الزمان تبسم
ولعودتي يوم به عرس العلا يترنم
والثأر في صدري براكين اللهيب تزمزم
قسماً برايات الفداء هفت إليها الأنجم
بترابك الطهري وهو على اليهود محرم
لن يستقروا فوق أرضك والعروق بها دم#
لقد غنى شعراؤنا للعودة كثيرا، إنها حافزا للهمم وباعثة للأمل الفلسطيني يعيش في منفاه وهو يحلم بالعودة، ويعلم أطفاله أنهم سيعودون يوما وهذا في حد ذاته ديناميكية تدفع إلى العطاء. لقد كان أول نشيد وطني فلسطيني لمنظمة التحرير يقول:
عائــــــــدون عائـدون       إننا لـــعائـــــدون
فالحدود لن تكــــــــون      والقـــلاع والحصـــون
فاصرخــوا يا نازحـــــون      إننــا لعائــــــدون#
قبل هذا النداء كان شاعرنا الكبير أبو سلمى قد غنى لأمل العودة في نشيد "العودة" قائلا:
غداً سنعود والأجيال تصغي     إلى وقع الخطى عند الإياب
نعود مع العواصف داويات      مع البرق المقدس والشهاب#
كان نداء العودة هو خيط يوحد الفلسطينيين في المنافي وفي ظل الاحتلال لقد عنى شعراؤنا في ظل الاحتلال للعودة..وكانوا بانتظار إخوانهم...إنه الحلم الذي يوحدهم، يقول توفيق زياد:
أحبائي... برمش العين
أفرش درب عودتكم،
برمش العين
وأحضن جرحكم
وألم شوك الدرب،
بالكفين...
ومن لحمي
سأبني جسر عودتكم،
على الشطين.#
وفي قصيدة لسميح القاسم تصبح الآلام، رمزا للوطن تنتظر عودة ابنها الذي يكتب لها رسالة العودة يقول فيها:
سأعود إلى حضنك
ابني عليّة
أتزوج، أنجب
ذرية
وأخفف من حزنك#
ويتضح هنا كيف أن العودة مصاحبة بالإنجاب، الذي يخفف الأحزان عن الأم، إنه يمثل معنى الاستمرار والمستقبل بأجيال جديدة...وهو في حد ذاته جزء من التحدي الديمغرافي للكيان الصهيوني.
المحور الرابع: الصمود – الثورة
ظل الشعراء هم صوت الثورة الصادق، وضميرها الذي  يعبر عن حلم الشعب...لقد استمر الشعراء في ممارسة دورهم التحريضي الذي يخص على الصمود ويدعو إلى الثورة ويطالب باستمرارها والحفاظ عليها.
لقد كانت مهمة الشعراء كبيرة..إنهم يهونون من المعاناة، ويخففون من آلام الفقد، وينفخون في الأرواح الآمال للصمود في وجه الاحتلال وأشكال القهر والمعاناة في المنافي العربية.
لقد كان الشعر الفلسطيني في الأرض المحتلة يمثل الريادة للوعي الوطني والصمود في وجه المحتل.
وفي قصيدة ( هنا باقون) لتوفيق زياد تصوير لهذا الدور الريادي والتحريضي الذي يقوم به الشعر في صنع جيل صامد ثائر:
هنا على صدوركم، باقون كالجدران
نجوع...نعرى...نتحدى...
ننشد الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال...جيلا ثائرا..وراء جبل
كأننا عشرون مستحيل
في اللد، والرملة والجليل
إنا هنا باقون.
فلتشربوا البحر
نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار، كالخمير في العجين.
برودة الجليل في أعصابنا.
وفي قلوبهم جهنم حمرا
إذا عطشنا نعصر الصخرا
ونأكل التراب إن جعنا...ولا نرحل.
وبالدم الزكي لا نبخل لا نبخل لا نبخل.
هنا لنا ماض وحاضر ومستقبل.#
وكلما ازدادت المعاناة تنامى الوعي وعظم الانتماء، فإن الصمود لشعبنا يكبر..
وتكبر معه إرادة الصمود الذي يعني للفلسطينيين رفضا للاحتلال.. وتصبح مواجهة الاحتلال أمرا اعتياديا، ومن خلال هذا يتنامى الصمود ليصنع مدا للثورة المتصلة التي تقدم أجيالا من أبنائها الذين يقاتلون..يقول:
قل لا يموت اللاجئون
خيم.. وليل مشمس
فأس..ورأس يابس
زنزانة...ويقاتلون
قل: لا يموت اللاجئون
قل: هل أتاك دم من النبأ الفلسطيني؟
اشهد أن حرفته التحمل،
إنه المطعون حيث يكونّ.#
وهكذا يصبح النضال من أجل فلسطين شكلا آخر من أشكال الانتماء الذي ينمو مع مقدار العطاء..وتصبح أشكال الصمود والقتال من أجل فلسطين سبيلا لارتباط أكبر عند الفلسطينيين..إن عاما متواصلا من العطاء لانتفاضة شعبنا المباركة في الأرض المحتلة في ظل ظروف قاسية..تفسر معنى الانتماء، ومعنى تناميه كلما ازداد العطاء الذي عبر عنه أبو سلمى بقوله:
كلما حاربت من أجلك أحببتك أكثر
أي تراب غير هذا الترب من مسك وعنبر
أي أفق غير هذا الأفق في الدنيا معطر
كلما دافعت عن أرضيك عود العمر يخضر
وجناحي يا (فلسطين) على القمة ينشر.#
ويصبح الفدائي الذي يحمل روحه على راحته هو زاد الثورة وهو وقود المقاومة. ويقوم الشعر بغرس روح التضحية والفداء بتمجيد الفدائي الذي تحدث بلسانه الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود:
سأحمل روحي على راحتي     وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديـق     وإما ممات يغيظ العــدا#
ويغني الشاعر الشهيد كمال ناصر للفدائي، الذي قدم حياته في سبيل وطنه، لأن موته يعني حياة للوطن، يقول:
حبيبي
إذا ما أتاك الخبر
وجاء الرفاق إليك
وفي مقلتيهم عليك، بقايا حذر
ترفق بهم، وابتسم لجميع
فموتي حياة للجميع
سفحت ربيعي خريفا، ليبقى الربيع #
إن الفدائي هو العطاء الذي به تجسدت كرامة الفلسطيني، وبه كذلك تجسدت هويته النضالية والوطنية ويصبح الفدائي عند  هارون هاشم رشيد هو رمز لكل الوطن بأبنائه وأرضه وهضابه وقراه ومقدساته يقول بلسان الفدائي.
أنا آت
أنا الأغوار
والهضبات والقمم
أنا كل فلسطين التي
سرقوا...التي ظلموا
أنا أقداسها ثارت
أنا المهد أنا الحرم
أنا كل قراها كل ما
هدوا وما هدموا
أنا كل اليتامى والأيامى.
والثكالى كل من ظلموا
أنا اسمي فدائي...أنا
يا ألف ويلهم.#
استطاع الشعر أن يغرس في الأجيال معنى التضحية والاستشهاد فالفداء هو عطاء، به لا تنتهي حياة المرء لأنه يهب الحياة للوطن...ولذا فإن الفدائي الذي يستشهد، تكون دماؤه نداء لغيره لإكمال المسيرة...وهذا صوت معين بسيسو يهتف بلسان الفدائي فيقول:
أنا من سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح
واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح
وانظر إلى شفتي أطبقتا على هوج الرياح
وانظر إلى عيني أغمضتا على نور الصباح
أنا لم أمت أنا لم أزل أدعوك من خلف الجراح.#
المحور الخامس: العروبة- الانتماء
في قصيدة للشاعر الإسرائيلي أبشلوم كور يقول:
في حديثي مع آيريت
توصلنا إلى نتيجة
أننا يجب أن نقاتل
يجب أن نقتل
كل الذين يبحثون لهم عن وطن.
يجب أن نقتل
حتى يكون لنا وطن
من النهر إلى النهر.#
هذه الأطماع الصهيونية التي تمتد من النيل إلى الفرات، تحمل معها العقيدة الصهيونية المتسمة بالعنف والتحدي للأمة العربية. وتحمل كذلك معها هذه الروح المتعطشة للدماء، والتي افترقت جرائم لا تحصى ضد الشعب الفلسطيني، بدءا بدير ياسين وقبيا ومرورا بصبرا وشتيلا. وفي مواجهة هذه الجرائم التي ترمي إلى طمس الشخصية الفلسطينية فإن الشعب الفلسطيني واجه ذلك بالانتماء إلى الشخصية العربية الفلسطينية في مواجهة الشخصية الإسرائيلية الغاصبة.
وفي قصيدة لسميح القاسم بعنوان " ما زال " يقدم صورة مكثفة لمعاناة الفلسطيني، وأمله في الانتصار ويلجأ لتصوير ذلك باستحضار صورة من التاريخ لأسلافه، الذين فتحوا بسيوفهم العالم ، ودماؤهم ما زالت تقطر منه وهو يأمل باستمرار ذلك التاريخ المجاهد الوضيء:
دم أسلافي القدامى لم يزل يقطر مني
وصهيل الخيل ما زال، وتقريع السيوف
وأنا أحمل شمسا في عيوني وأطوف
في مغاليق الدجى...جرحا يطوف
إن امتداد التراث بما فيه من أمجاد لدى الشاعر، هو الذي يجعله يحمل معه هذا التراث الفلسطيني يتخطى جراحه، حيث يحمل شمسا في عينيه ليقتحم الدجى وليست هذه الشمس بنورها سوى عدالة قضيته، التي ترد عدالتها إلى التاريخ ذاته، وإلى دماء أسلاف الشاعر التي روت هذه الأرض.#
إن التراث في الأدب الفلسطيني عامة والشعر خاصة ،يشكل معينا يمتاح منه الشعراء، لأنه يقوي بالنسبة لهم علاقات الارتباط بالوطن..إنه عندهم تحذير لوجودهم الذي يرتبط بعناصر الثقافة العربية وتاريخها، وهو الذي يرتبط بعناصر الثقافة الشعبية في فلسطين، وحيث تصبح الحكاية الشعبية، ويصبح الزيت والزعتر شارات إلى الانتماء وعلى خصوصية هذا التراب الذي يربط الشعب بالتاريخ وبالوطن..هذا الانتماء يعني للأديب الفلسطيني عامة والشاعر خاصة معادلة تغور في لا وعيه لأنه يعزز انتمائه وهذا الانتماء هو الذي يحدد هويته العربية.
ولذا كانت صرخة محمود درويش في وجه الاحتلال " أنا عربي" تجسيداً للانتماء الرافض، وتجسيدا لروح الثورة التي يحملها هذا الانتماء:
سجل
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب...
إذن
سجّل برأس الصفحة الأولى
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكني إذا ما جعت
آكل لحم مغتصبي
حذار...حذار...من جوعي
ومن غضبي.#
تشكل العروبة بالنسبة للفلسطيني مقوما أساسياً للانتماء..لقد كانت معادلة الصراع تمثل العربي في مواجهة الصهيوني وهذه المعادلة ما زالت عنده هي محور الصراع...الفلسطيني عربي في ثقافته...عربي في انتمائه...عربي في نضاله...بل وعربي في شتاته.
ولهذا كان التوجه القومي عند الفلسطينيين عميقا، والتزامهم به قويا...مهما تنوعت اتجاهاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية، العروبة نبض في عروقهم، يقول سميح القاسم:
مثلما يبسم في ود غريب لغريب.
مثلما يرجع عصفور إلى العش الحبيب
مثلما يحمل تلميذ حقيبة
مثلما تعرف صحراء خصوبة
هكذا نبض في قلبي العروبة.#
والعروبة هي انتماء للتاريخ، وهي نداء لتحقيق التحرير والنصر، يقول هارون هاشم رشيد.
صلاح الدين في أعماق أعماقي يناديني
وكل عروبتي للثأر...للتحرير تدعوني
وراياتي التي طويت على ربوات حطين
وأطفالي هناك...هناك في عمر الرياحين
تنادي الأمة الكبرى...وتهتف بالملايين
تقول لهم إلى القدس...إلى قبلة الدين
إلى حرب تدك الظلم...ترهق روح صهيون.#
إن الانتماء العربي هذا يحمل معه جانبا آخر من المعاناة الفلسطينية من الواقع العربي الذي احترف الهزائم، واحترف الصمت إزاء النضال الفلسطيني ولهذا يتساءل أحد شعرائنا:
لمن أنت يا وطني العربي؟
اتسعت فكنت البلاد جميعا،
وضقت فما أنت لصف:
جياعك،
أو بائعيك،
لمن أنت يا وطني؟
ضمك الخوف واحترفتك الهزائم حينا،
وأصغيت للغيظ حينا،
وها أنا..حرقة الغيظ فيك:
أنا ضد من باع وابتاع واكتشف المجد في خلوة،
ضد كل الثمار التي بعد لم تغص في حلق من يأكلونك،
ضد الجنون الذي ليس يكفي،
لمن أنت؟#
وفي قصيدة أخرى للشاعر نفسه فإنه ينعى بمرارة الرصاص العربي الذي توجه إلى صدور الفلسطينيين بدلاً من صدور الأعداء.
قلت لكم مرارا
إن الطوابير التي تمر...
في استعراض عيد الفطر والجلاء.
(فتهتف النساء في النوافذ انبهارا).
لا تصنع انتصارا
إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحاري
لا تطلق النيران...إلا حين تستدير للوراء.
إن الرصاصة التي ندفع فيها...ثمرة الكسرة والدواء.
لا تقتل الأعداء.
لكنها تقتلنا...إذا رفعنا صوتنا جهارا
تقتلنا، وتقتل الصغارا #
إن الأدب له دور ريادي، والشعر بخاصة له مسؤولية تحريضية ،ومسؤولية طليعية تقتحم مجالات تتسم بالنبوءة والتعبير عن تطلعات الناس وآمالهم. إن الشعر  الفلسطيني شعر مقاتل وشعر تنبؤي، وشعر تحريضي. إنه يرفع من معنويات  الناس فيشعرون بأهمية الانتماء للوطن والفخار به، والاستعداد للتضحية من أجله...وهو يفضح أشكال التعسف والاضطهاد والعنصرية والصهيونية...وهو يزرع في النفوس روح الانتماء والصمود والتحدي.
إن مسؤولية الشعر عند معين بسيسو لم تكن تحريضية فحسب، إنها مسؤولية طليعية لاقتحام آفاق جديدة لدى الجماهير ترفع مستوى وعيهم وذوقهم الفني. وفي آخر حوار له مع مجلة فلسطين الثورة قبل وفاته يحدد معين بوضوح مهمة الشاعر بقوله: "ومهمة الشاعر ليست فقط السياسي، أي أن يكون في حدود الآفاق الجماهيرية. بل عليه أن يفتح آفاقا جديدة للجماهير، وفي الأدب كما في السياسة على الكاتب و الشاعر الطليعي أن لا يكون في تلك الحركة الجماهيرية، وإلا تحول الشعر إلى شكل من أشكال الديماغوجية، وعملية الخداع والتضليل للجماهير نفسها. بل يجب على الشاعر والكاتب أن يكون في مقدمة النضال الجماهيري بكل ما يملك من قوة إبداع".#
لقد كان واضحا الدور المقاتل للشعر الفلسطيني في الأرض المحتلة. كان واضحا في مهمته التي تصورها الشعراء، فالشعراء كالسكاكين تدمي الأعداء...يقول توفيق زياد:
وآكل حائط الفولاذ
أشرب ريح تشرين
وأدمي وجه مغتصبي
بشعر كالسكاكين#
ومثل هذه الرؤية تجدها لدى سميح القاسم الذي يرى في قصيدته " أعلنها" أن بقاء الكلمات العربية والأغاني الشعبية والأشعار سوف تكون جزءا من الحرب في وجه الأعداء ولذا يعلن في ختام قصيدته:
أعلنها...وليشبع من خبز العار
الجوف الجبناء...وأعداء الشمس
ما زالت لي...نفسي
وستبقى لي...نفسي
وستبقى كلماتي...خبزاً وسلاحاً في أيدي الثوار#
وقد عبر الشاعر حنا أبو حنا باعتزاز عن قوة الشعر وتأثيره في قصيدة عنوانها يدل على مضمونها " نار القصيد" يقول فيها:
شرف لشعري أن يقض
مضاجع الخصم اللدود
فاعجب لشعر يستثير الرعب
في مهج الحديد
أقوى من السجن المزنر
بالعساكر والسدود
أقوى وأصلب من حشود علوجهم
أبدأ نشيدي#
إن أربعين عاما من الغربة، والمعاناة والتشتت والحروب المتصلة ضده لم تستطع أن تطمس شخصيته..إنها عملت باعتبارها محركات لتغذية انتمائه الذي جسده الأدب، انتماء عربيا لوطن اسمه فلسطين، وكانت فلسطينية الانتماء هوية انتماء لوطن محتل هوية، وطنية حقاًُ:فلسطين  في مواجهة كيان غاصب  دخيل اسمه إسرائيل ... إن الانتماء  الوطني لفلسطين يعني انتفاء لوجود ذلك الكيان الغاصب ولشرعيته.
ولهذا كان الإعلان عن فلسطينية الفلسطيني هو مصدر للإعلان عن الأمل والارتباط بالأرض والوطن، إعلان الصمود والثورة وانتماء للعروبة التي تحتضن الوجود الفلسطيني وتعطيه معنى لوجوده في مواجهة الصهيونية. وهكذا يعلن شاعر بكل فخار فلسطينيته فيقول:
فلسطيني أنا اسمي فلسطين
نقشت اسمي على كل الميادين
بخط بارز يسمو على كل العناوين
حروف اسمي تلاحقني، تعايشني تغذيني
تبث النار في روحي وتنبض في شراييني     #
ولدى الشاعر آخر تصبح فلسطينيته تجسيداً للتاريخ، وتصبح المعاناة والغربة له ليست إلا مزيداً من الانتماء...ويصبح حلم الشاعر أن يفنى فلسطينيا ويشاء له القدر أن يستشهد وهو يدافع عن ثورة شعبه التي تسعى لاستعادة الوطن. يقول الشاعر الشهيد علي فودة:
فلسطيني...فلسطيني
أقول لكم بأني مثل جدي
مثل زيتوني فلسطيني
فلسطيني على مر الدهور أنا فلسطيني
فلا شرق ولا غرب
ولا الأيام تشقيني
إذا ما الكرب عشعش في شراييني
فلسطيني
ولن أنسى بأني عاشق أبداً فلسطيني
وأني قد ولدت...درجت...ثم حلفت بأن أفنى فلسطيني#
لقد كان الشعر مجرد وسيلة من وسائل النضال التي عملت على بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية..ولكن الوسائل التي أسهمت في بلورة هذه الهوية متعددة.
ولتحديد هذه الوسائل والعوامل التي فعلت ذلك فإن هذا النجاح يحتاج إلى دراسة لما يلي"

  • دراسة فن المقالة في الصحافة وإسهامها نشر الوعي الوطني لدى الجماهير.
  • دراسة مضامين الكتب الفكرية التي تناولت القضية الفلسطينية من جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
  • دراسة أسلوب التنشئة الاجتماعية لدى الأسرة الفلسطينية ودروه في غرس الروح الوطنية والوعي بأبعاد قضيته الفلسطينية.
  • دراسة التراث الشعبي ودوره في بلورة الهوية الثقافية الفلسطينية.
  • دراسة الحالة الاجتماعية والسياسية لمعيشة الفلسطينيين في منافيهم مترامية الأطراف.
  • دراسة تأثير الثورة الفلسطينية ودورها في التربية السياسية ونشر الوعي والانتماء للوطن.
  • دراسة أدبيات الثورة الفلسطينية وفنونها من غناء وموسيقى ورسم وغيره ودورها في بلورة الوعي لدى الجماهير الفلسطينية والعربية.

إن هذا الموضوع واسع ومتشعب ولذا فإنه يحتاج إلى كثير من الدراسات التي يمكنها أن تتناوله من مختلف الزوايا التي أسهمت إسهاما مباشرا في تجسيد الهوية الفلسطينية باعتبارها هوية وطنية نضالية تمثل روح الجماهير العربية وارتباطها بأرض فلسطين.
والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته

بشرى عبد المجيد تاكفراست
مراكش/ المغرب