جمالية المكاتبة في الأدب العربي
لعبد الله المعاوي

بشرى تاكفراست   أستاذة جامعية –مراكش-المغرب

(شاركت بهذه المداخلة في اليوم الدراسي الذي نظمته كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض مراكش- المغرب بتاريخ 18-3-2005)

   نساهم في هذه الجلسة بقراءة متواضعة، قراءة لا تقف عند مواجهة النص المقروء عن طريق تفكيك بنيته وإلحاق هذا العمل بأحكام قيمة له أو عليه، وإنما قراءة طموحها الأساس هو فهم هذا المقروء وهي تحاوره.
          فالكتاب على صغر حجمه مادة غنية في الأدب و النقد، استمد صاحبه مادته الأولية من أعلى مستوى في الأدب العربي القديم "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري ورسالة "التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي.
       "رسالة الغفران" من أهم آثار المعري وأغناها، رأى فيها القدماء دليلا على تمكن أبي العلاء من الأدب... وفي العصر الحديث شغلت الرسالة الدارسين من المشرق والغرب وفي مقدمتهم: د، طه حسين في بحثه الذي قدمه سنة 1914 تحت عنوان " تجديد ذكرى أبي العلاء" وإلى جانبه الأستاذة عائشة عبد الرحمن التي كان لها الفضل في إخراج نص الغفران محققا...أما في الغرب فقد راح الدارسون يلتمسون أثر غفران أبي العلاء في إبداعات أدبائهم ، ولعل أبرز دراسة هي للمستشرق الإسباني "بلاثيوس"الذي وقف على تأثر "دانتي" بأبي العلاء، وأن كوميديا " دانتي"" الإلهية "اعتمدت على مصادر إسلامية من بينها رسالة الغفران للمعري. وهناك شذرات وردت في ثنايا بعض الدراسات كالذي كتبه د. شوقي ضيف في مؤلفه " عصر الدول والإمارات" و كالذي كتبه محمد زغلول سلام في مؤلفه " الأدب في مصر الفاطمية". وما ابن شهيد و رسالة التوابع و الزوابع بأقل أهمية من سابقتها.
  وهاهو الأستاذ عبد الله المعاوي يقدم قراءة جديدة للنصين تكشف بعض حججه و تزيح ألوانا من سدوله الكثيفة عليهما.
   استهل الأستاذ الجليل بحثه بتحديد مجموعة من المفاهيم المتعلقة بمفهوم الجنس الأدبي فحدد خصائص الجنس الأدبي وأثره في اللغة، ثم انتقل إلى مفهوم الواقع وعلاقته بالأدب لينهي هذه المقدمة بالحديث عن نظرية الأجناس الأدبية بشكل عام ويفرد الفصل الأول من الكتاب للحديث عن نظرية الأجناس الأدبية في الثقافة العربية، والفصل الثاني منه للحديث عن الأبعاد الجمالية في كل من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد.
         فطرح الأستاذ الفاضل السؤال الذي أرقه وهو:" ما هي العوامل الفنية التي استطاعت أن تجعل من هذين النصين كتابة غير عادية ترتقي بها إلى خصوصيات جمالية أفرزتها جنسا أدبيا نوعيا داخل هذا النسيج الأدبي العام؟ (1)، فكان بذلك الفصل الثاني من الكتاب الذي يمتد من ص 49 إلى 121 هو لب الموضوع ففيه وقف على الأبعاد الجمالية في الرسالتين المتمثلة في:

 أولا: التغريب: فلا أحد ينكر في أن رسالة التوابع والزوابع و الغفران عملان قصصيان يتلخص الحديث في الرسالة الأولى في رحلة ابن شهيد إلى أرض الجن بصحبة تابعه الجني زهير بن نمير، قصد إلقاء توابع بعض الشعراء و الكتاب، وكل ما جاء في الرسالة إما توطئة لهذا الحدث أو تفريع عنه أو استطراد، وتتتابع أحداث القصة في وثيرة واحدة ينتقل البطل من مكان إلى مكان ويناظر شخصا بعد شخص دون أن نلمس في القصة تسلسلا منطقيا تتطور أحداثها بحسبه من البداية فالعقدة فالحل. أما الحدث فيبدو أكثر تماسكا بل تتوفر فيه عناصر الحدث القصصي من بداية وعقدة وحل في بعض المشاهد كمشهد يوم الحشر مثلا.                                                              إن العملين يختلفان في توظيف مصدرهما اختلافا ظاهرا فبينما يعتمد ابن شهيد على الخرافات الشعبية التي تذكر أن من الجن و العفاريت من يجعل نفسه في خدمة بعض بني الإنسان... يعتمد المعري على القرآن و الحديث في وصف الجنة والنار وموقف القيامة، مع صياغة كثير من المواقف الخيالية التي تعكس معاناته في محبسه. والواضح أن مصدر كل رسالة استأثر بإعجاب الباحث واعتبره سبيلا لإحداث المتعة الفنية فاسمعه يقول: " وحتى تتحقق المتعة الفنية في هذا البعد الجمالي(يقصد التغريب) اعتمد المبدعان على ركوب الفجائي و الغرائبي لبناء المشاهد المصورة في النص الأدبي"(2)، بل يذهب الأستاذ المعاوي أبعد من ذلك حين قارن بين الصياغة في الرسالتين ومفهوم الفن في الدراسات الغربية فأكد ذلك قائلا:" على رغم اختلاف بداية العمل عند المبدعين، فقد التقيا في استخدام أداة التغريب كبعد جمالي، هكذا تلتقي الصياغة في رسالتي المعري وابن شهيد مع مفهوم الفن عند شكلوغسكي الذي يرى بأن وظيفة الفن أن نجعل المتلقي يعي الأشياء وعيا جديدا"(3).
 
 ثانيا: السخرية: يقول الأستاذ عبد الله المعاوي " تكمن أهمية السخرية في رسالة المعري في تصويرها لسلوك شخص له مرجعيات أساسية في الحياة كالدين والسياسة و الفكر"(4) بالفعل، فإن السخر في رسالة الغفران من أخص مميزاتها الأدبية، فإن ضرير المعرة على تشاؤمه المظلم، يلجأ إليه في تصانيفه،  تسنيدا لآرائه الفلسفية، وإرضاء لشكه واضطرابه في الغيبيات و العقائد الدينية، ويميل به في الرسالة إلى الدعابة و العبث، فهو ناعم الملمس لا خشونة فيه، عميق الغور، يغشيه ستار من الإيمان والاستدلال بالآيات و الأحاديث،  فمدار سخره على ما يتصور الناس من الأشياء المادية في الآخرة، ثم على عقيدة الغفران، وسهولة الحصول عليه عندهم، فربما غفر الله للخاسر ببيت من الشعر يحفظ ويروى، كما غفر للأعشى وزهير و عبيد و الحطيئة.
  و لا تخلو رسالة التوابع و الزوابع من السخر، فإن ابن شهيد في تعرضه للشعراء والأدباء، أخرج الكلام عليهم مخرج الهزل و التهكم، إلا أن سخريته تتسم بالحدة و الخشونة و الإقناع و الوضوح، فيظل ابن شهيد يسخر من خصومه ويهزأ بهم، فهي سخرية الأناني كثيرا ما أسقطته في السطحية.
 
 ثالثا- تفعيل اللغة: كل من أبي العلاء و ابن شهيد لا يعطي نفسه لقارئه بسهولة، وإنما على القارئ أن يخترق إليهما حجبا عديدة لعل أيسرها حجاب غريب اللغة، أما ما وراء ذلك فألوان من التمويه و التخفي فقد تأثرت لغة المعري لحرصه على استعماله المفرط للكلمات النافرة الغريبة التي سقطت من حافظات الأدباء وصارت مجهولة لدى الخاصة، فحرم الرسالة الجمال والعذوبة والتصوير، فبقيت تفتقر إلى هذا افتقارا شديدا إلا ما اقتبس صاحبها من القرآن أو أخذ عن سابقيه.
  أما لغة التوابع فإنها رشيقة أنيقة، غنية بالأوصاف و الصور والألوان، سلسة بارعة الأسلوب، فأبو عامر يسمو على المعري برونق الديباجة، ودقة الوصف ولكنه ينحدر عنه بعمق الفكرة ولطافة السحر، وقوة الجاذبية، وسحر الاستهزاء، وله فضل المتقدم على كل حال. زد على ذلك أن تمركز ابن شهيد حول ذاته جعل أغلب أفكاره سطحية تفتقر إلى عمق الخيال وهذا ما انتهى إليه أسلوب كثير من الكتاب في ذلك العصر سواء منهم المشارقة أو المغاربة.
 
 رابعا: تفعيل المفاهيم الأدبية: " كان العصر العباسي مرحلة أساسية في وضع الأسس العلمية لنظريات أدبية ولغوية وعلمية عربية، مثل ما كان منطلقا لتأسيس مجموعة من الدروس النقدية و النظرية"(5) وقد تقصى الأستاذ تعامل المبدعين مع هذا البعد في أماكن متعددة من رسالتيهما منها:
-         التأكيد على أن الأدب صناعة.
-         التأكيد على أن مصدر الإبداع هو الآخر (ميتولوجيا).
-         تأكيد أهمية الشعر من خلال:-أ- تعريف الشعر.
                                         -ب- بناء القصيدة.
                                        -ج- تأكيد سلاسة النثر.
  وهكذا " كانت الرسالة فسحة هامة لإبداء وجهة نظره- ابن شهيد- فيما يشهده النثر من تَرَدِّي جمالي مدليا باقتراحاته في تربية الأسلوب النثري "(6).
    كما أكدت الحضور الفكري العميق للمعري و التأمل الفلسفي القوي الذي جعل العمل يبتعد عن السطحية و السذاجة إلى جاذبية قوية تبعد الملل عن قارئها في أغلب مشاهدها.

خامسا: تفعيل التراث: اعتمد كل من ابن شهيد و المعري على التراث الثقافي العربي الإسلامي، حيث تحرك الأدب و علومه لبناء الصياغة الفنية الجديدة " لقد فتح أبو العلاء المعري عدسته على عالمه معتمدا على مرجع ديني، فحرك أشخاصه داخل فضاء استمد سينوغرافيته من معلوماته ومعارفه الدينية..."(7)، أما ابن شهيد " فقد اعتمد على المرجع المعتقدي في المجتمع العربي المتوارث في قضية علاقة المبدعين بتوابعهم وأمكنه تواجدهم" (8).
   لم يحد الأستاذ الفاضل عن الأصول و الثوابت المنهجية التي سطرها لبحثه في مقدمة كتابه فقد ربط- كما وعد- الرسالتين وباقي النصوص التي تدور في فلكها:
  أولا: بالمرحلة التاريخية التي قطعها المجتمع العربي الإسلامي سياسيا و اجتماعيا وثقافيا، وبالذات أيام الخلافة العباسية بالمشرق والأموية تحت هيمنة الأسرة العامرية بالأندلس.
ثانيا: بالرجوع إلى النصوص لتحديد هوية الجنس الأدبي الجديد و الذي أطلق عليه اسم "المكاتبة".
 فعلى المستوى الأول جعل الكاتب من الناقدين شاهدا عصرهما السياسي.فقد كتب للمعري أن يكون شاهدا على الفترة الممتدة من تاريخ ولادته سنة 363 هـ إلى تاريخ وفاته449هـ، فأدرك أربعة من خلفاء بني العباس: المطيع لله الفضل بن المقتدر، والطالع لله عبد الكريم بن المطيع و القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر، والقائم بأمر الله عبد الله بن القادر، وخمسة من الخلفاء الفاطميين: المعز لدين الله أبا تميم بن المنصور إسماعيل، والعزيز بالله نزار بن المعز، و المنصور الحاكم بالله بن العزيز، والظاهر لإعزاز دين الله علي بن المنصور والمستنصر بالله معد بن الظاهر".
  ولم يكن مجتمع ابن شهيد يختلف عن مجتمع المعري بفارق كبير فقد ولد بقرطبة سنة 382هـ وتوفي سنة 427هـ، نشأ في خلافة هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر، عاش أيام الفتنة بقرطبة المتمثلة في كثرة التقلبات بين أمير منصب وآخر مخلوع؛ وهذا مستنجد بالأمازيغ مرة وبالصقالبة مرة أخرى، و واحد قادم من المغرب وآخر متخلى عنه، فتنة نخرت الأندلس طوال خمسة وعشرين سنة.
     زد على ذلك أن الأستاذ المعاوي جعل من الرسالتين شاهدا أدبيا... فقد كان عمل الباحث مقاربة أدبية مارسها وهو يحلل الرسالتين اعترافا منه بأنهما عمل إبداعي متكامل "اتفقت أهم المصادر الأساسية في التراث العربي على أن رسالة الغفران ورسالة التوابع والزوابع تصنفان في نسق المكاتبات التي تمت بين الأدباء وعلماء اللغة و الكلام" (9) ليعلن في النهاية عن جمالية ذات خصوصية متميزة في نسج الكتابة النثرية العربية فاسمعه يقول:" إن طبيعة الكتابة في الرسالتين تجعلنا أمام بنى متعددة، فهناك البنى الاجتماعية التي يعيشها المبدعان في مرحلتهما التاريخية، وهناك البنى التاريخية، وهناك البنى الجمالية التي صاغ بها المبدعان تجربتهما المتفردة... وهناك البنى الذهبية التي تتحكم في نسق العلاقة بين البنيتين فتعطي علاقة جديدة هي التي تتشكل فيها تسمية نظرية الأدب بالعلاقة بين الأدب و الواقع"(10)
    على المستوى الثاني يؤكد الأستاذ عبد الله المعاوي من خلال استنطاقه للنصوص ومحاورتهما أن الذي يحدد طبيعة منطق الكتابة في الرسالتين هما عاملان أساسيان سمي الأول: بواعث الاختيار ونعت الثاني: بالعلاقة بين بنية الواقع وبنية الرسالتين، مركزا على نظرية ردم الحدود بين الأجناس الأدبية التي تبنتها بعض الاتجاهات الغربية و التي تأسس على نظريتها الدرس النقدي العربي الحديث ليؤسس لفن أدبي جديد له خصوصياته ومميزاته في مجال الأدب سماه" المكاتبة" وفي ذلك يقول:" ننطلق في هذا البحث من أهمية نقاء الجنس الأدبي الإبداعي كمبدأ... وسنعالج الأبعاد الجمالية في رسائل أبي العلاء المعري وابن شهيد الأندلسي و التي استطاعت رسالتهما أن تصيران مجالا لهذه الولادة الفنية، مثلما خولت لنا نحن أن نعلن في نهاية بحثنا عن تحقق جنس أدبي فني له خصوصيته ومميزاته في مجال الأدب يحمل اسم " المكاتبة "كفن أدبي أصيل معلنين عن إمكانية محاكاته على غرار ما قام به"دانتي" في كوميديته، وملفتين الانتباه لإمكانية استمراره من أجل إغناء جنس إبداعي آخر... وخاصة الأجناس التي تتحرك في مجال التعبير و التصوير و التشخيص كجنس الدراما أو جنس السينما.."(11).
    عن طبيعة القراءة التي قام بها الأستاذ فهي قراءة لا تقف عند حدود التلقي المباشر وتجتهد في أن يكون هذا التلقي بأكبر قدر من الأمانة أي بأقل تدخل ممكن، بل العكس، فهي قراءة تعي منذ اللحظة الأولى كونها تأويلا، فهي تساهم بوعي في إنتاج وجهة النظر التي ارتكز عليها البحث و المشتملة في ميلاد فن جديد اسمه فن " المكاتبة في الأدب العربي" فهي قراءة لا تريد العرض و التلخيص و التحليل بل تريد إعادة البناء بشكل أكثر تماسكا وأقوى تعبيرا عن ما اجتهد الباحث على تقديمه.
    لقد ركز الأستاذ في قراءته للتراث على آليات متعددة شكلت استراتيجية خاصة في تعامله معه لينحو منحى التكامل المعرفي، ومن هذه الآليات القرائية نصادف:
1-عملية الاستقراء: يستقري الأستاذ كل ما يمت بصلة إلى بحثه لتأكيد الفكرة التي بنى عليها موضوعه و هي خلق فن أدبي جديد سماه " المكاتبة"ن والاستقراء و الاستقصاء والدقة في التحليل هي العناصر التي جعلت الأستاذ يقدم صورة دقيقة عن الظواهر و القضايا التي درسها.
2- الاسترسال: هناك عفوية كبيرة في الاسترسال تقارب بين الأستاذ المعاوي المتحدث والأستاذ المعاوي الكاتب ( المؤلف) معتمدا تقنيات " العرض" و "الاعتراض" المستعارة من النظرية الحوارية في الشق المتعلق بمراتب الحوار ونظريات الخطاب فهو يعرض للآراء ويعترض عليها بالأدلة والبراهين موظفا في ذلك أساليب الحوار في الإقناع و تقديم المعرفة و الدفاع عنها دون تعصب وحيف.
3-الاستنباط: حضور هذه الخاصية أمر لا يرقى إليه الشك، ويمكن الرجوع للتدليل على ذلك إلى محاولته الكشف عن خلفيات النصوص سواء الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية لمجتمع كل من المعري وابن شهيد، مما جعل استنتاجاته تتراوح بين الحكم القطعي و الحكم النسبي، و القراءة،  فعندما تتوفر الأدلة القاطعة يصدر أحكامه، وحين تكون الظاهرة قابلة لأكثر من قراءة يقدم استنتاجاته باعتبارها قراءة ليس إلا.
4- الفهم و التفسير و التأويل: يجتمع إلى تمسك الظواهر المدروسة وتفسيرها فهم منظم، في عرض قضاياه على مستوى التأليف، إذ يلاحظ القارئ أن الباحث يتدرج في عرض قضايا عمله فقد كانت العناوين الكبرى التي تقضي إحاطة شاملة بجوانب مجاله هي بداية الطريق للانفتاح على خصوصيات أو ظواهر صغرى يمكن معالجتها بشكل فردي، وهذا يدل على أن الباحث قد استفاد إلى حد بعبد من ميدان انشغاله كأستاذ وكمحاضر.
5-المنهجية: اعتمد منهجية تكاملية وصفية تحليلية تنبني على ثنائية التفكيك والتركيب إذ يطرح في الأول ويلاحظ ويقارن، ثم في الثاني يعيد البناء من خلال ما وصل إليه من استنتاجات تتولد عنها أحكام مصحوبة باستدلالات، فهي منهجية فيها من المنهج البنيوي الشيء الكثير يتمظهر هذا في تعامله مع النصوص تعاملا يؤمن بما يتحرك في ثناياها من بنيات صغرى تترابط فيما بينها لتشكل بنية كبرى.
خاتــمة:
     لقد أنجز المعري عملا كبيرا في تاريخ أدبنا العربي استطاع أن يدخل بفضله في زمرة الكتاب العلميين ليجد المختصون في الدراسات الأدبية المقارنة رجع أصدائه في آداب الأمم غير العربية كما في الكوميديا الإلهية للأديب الإيطالي "دانتي".
     أما ابن شهيد فليس من السهل على أديب من الغرب الإسلامي أن تبلغ شهرته المشرق العربي وتسجل إنتاجاته مع نماذج أدب العصر لو لم يكن إنتاجه يبلغ هذه المكانة ويخوله هذه المنزلة مما دفع الأستاذ عبد الله المعاوي إلى القول: " إن كتابي أبي العلاء المعري وابن شهيد الأندلسي عملان فنيان ينتميان شكلا ومضمونا إلى الخطاب الأدبي... لكن أهمية هذا العمل الإبداعي عند المعري و ابن شهيد تكمن في قدرته على الإعلان عن وجوده داخل هذه العلاقات المنتظمة في شبكة الأدب كما تكمن في قدرته على الهيمنة أثناء إعادته للخطابات الأخرى"(12)
     ولايفوتنا في ختام هذا العرض أن نوضح معلومة لا ندري كيف تغافل عنها الأستاذ الباحث، استنتجناها ونحن نبحث في تاريخ رسالة التوابع و الزوابع والتي دلت على أنها تقدمت تاريخيا عن"رسالة الغفران"للمعري ببضع سنوات، فغير مستعبد أن يكون أبو العلاء قد اطلع عليها، فنبّهت فيه فكرة الرحلة السماوية، ثم جاءت رسالة ابن القارح تدعو إلى تصنيفها. ولا يدفع هذا الرأي بُعد المسافة بين قرطبة و المعرة، وقلة انتشار الأدب الأندلسي في الشرق، فإن ابن شهيد لم يكن من المغمورين عند المشارقة، على تعصبهم لأدبهم، واستخفافهم بأدب المغاربة. فقد روى أبو منصور الثعالبي في "يتيمة الدهر" طائفة صالحة من كلامه. و الثعالبي ولد سنة 350 هـ (961م)أي قبل ولادة أبي عامر باثنين وثلاثين سنة؛ وتوفي سنة 429هـ(1037 م) أي بعد ثلاث سنوات من وفاة أبي عامر، فهو معاصر له ولأبي العلاء. وصنف كتابه " يتيمة الدهر"، في صيغته الأولى، سنة 384هـ(944 م) و العمر في إقباله، والشباب بمائه، كما قال في مقدمته. ثم أعاد النظر فيه، فلم ترض نفسه عنه، فاستأنف العمل، وما زال يبني وينقض، ويزيد وينقص، ويمحو ويثبت، حتى أخرج نسخته الأخيرة من بين النسخ الكثيرة، ولم يتم له هذا الأمر إلا بعدما أدرك عصر السن والحنكة، فتنسى له أن يدون من آثار ابن شهيد بعض مدائحه في يحيى المعتلي سنة 412 هـ، وشيئا من رثائه لأبي عبيدة بن مالك وزير المستظهر سنة 414 هـ، وأوصافه للحلواء، و البرغوث والثعلب، و هي واردة في رسالة التوابع و الزوابع.وإذا كان أبو عامر قد أنشأها قبل تصنيف رسالته هذه، فإن وصفه للماء، ورواه الثعالبي، هو من صلب التوابع و الزوابع كما نرجح، وضعه خصوصا لينافس به صاحب بديع الزمان، فتكون هذه الرسالة قد هاجرت إلى المشرق، في حياة مؤلفها، مع غيرها من آثاره، وأخذ منها أبو منصور إلى يتيمته، فمن المعقول أن يقف عليها أبو العلاء المعري فيتأثر بها، وهو على ما نعرفه، مغرم بالقراءة، مهتم بالدرس والإطلاع.
     ولكن لا نزعم أنه انسحب على أذيالها في رسالة الغفران، فإن الشبه الذي نجده بين الرسالتين لا يحرم أبا العلاء حق التأليف، وكلتاهما تسير في طريق معبد لها، وترمي إلى هدف مخصوص بها. فإذا قصد الكاتبان عالم الأرواح في قصتيهما، فطريق أبي عامر قادته إلى وادي الجن، وطريق المعري قادته إلى الآخرة.وإذا توافقـا في الطواف على الشعراء، وعقد مجالس الأدب و المناظرة و النقد، فإن أبا عامر توخى هدم خصومه وحساده، وبناء فضله ونبوغه، وأما أبو العلاء فقد شاء أن يعبث بعقيدة الغفران، ويتهكم أهل عصره في تصورهم الجنة حافلة بالملذات المحسوسة، والنار مشبعة بألوان العذاب و التنكيل، وإن لم يفُتْه الإدلال بعلمه وسعة اطلاعه.

 

الأستاذة بشرى تاكفراست

الهـــــــــــــــوامش

 

(1)            جمالية المكاتبة في الأدب العربي، عبد الله المعاوي، ص 25، الطبعة الأولى
(2)            المرجع نفسه، ص 54، ط 1
(3)            المرجع نفسه، ط1، ص 51
(4)            المرجع نفسه، ط 1، ص 58
(5)            المرجع نفسه، ص 100
(6)            المرجع نفسه ص 113، ط 1.
(7)            المرجع نفسه ص 94، ط 1
(8)            المرجع نفسه، ص 98، ط 1.
(9)            المرجع نفسه، ص 24
(10)      المرجع نفسه، ص 41.
(11)      المرجع نفسه ص 22-23، ط 1
(12)      المرجع نفسه، ص 119-120، ط