التراث النقدي العربي من خلال كتاب

 "النقد الأدبي الحديث" لمحمد غنيمي هلال

بشرى تاكفراست 
 
أستاذة جامعية-مراكش -المغرب.

 

 (نشرت هذه المقالة بمجلة جامعة ابن يوسف العدد الثاني سنة 2004.)    

  

  كلما تحدثنا عن التراث العربي الإسلامي صادفنا تشعبنا وتعقيدا في المدارج والمستويات, والسبب في ذلك أننا نبحث في الشخصية الأساس والتاريخ المتحول للبلاد العربية الإسلامية والتطور الزمني للإنسان العربي, ومن هنا تأتي صعوبة الخوض فيه والتغلب على هذه الصعوبة يتأتى بتحقيق شروط المعرفة الموسوعية والتكوين المنهجي الدقيق. ومن عجز عن هذا تحول الحديث لديه إلى لغو وفوضى. بالفعل, كم من متحدث في أيامنا عن قراءة التراث وإعادة قراءته يكون أبعد المثقفين عن استيعابه والإلمام بجوانبه, وكم من كتابات في التراث تكشف من البدء ما يكسوها من تلفيقية أو اهتزاز, وكم من دراسات نقدية للتراث تلاحظ للوهلة الأولى أنها زاغت عن عين الصواب في فهمه وتقويمه...                                     

         لقد بدأت معالـجات التراث في السنوات الأخيرة تعتمد الأدوات المعرفية ذات الطابع المنهجي العلمي في قراءة النص التراثي وإعادة إنتاجه, نتج عن ذلك اختلاف في تقويمه بين المقبل عليه والرافض له, وبين المعجب به والمنكر له, فتعددت معالجات التراث: قراءة وتأويلا ودراسة وتعاملا معه بأشكال شتى, مما شكل ظاهرة جديدة في الحياة الثقافية العربية المعاصرة... فمع بداية النهضة تشكلت لدى الشعوب العربية مشاعر قومية تمثلت في اعتزازهم بالماضي بكل ما فيه من تراث ثقافي إذ اعتبروه القدوة وتعاملوا معه باحترام وقدسية مما جعلهم يتعصبون له ويجترونه في فخر مباهين بالأمجاد التليذة, لكن باحتكاك العرب مع الغرب سواء الاحتكاك السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي بدأت بعض العقول تستيقظ من سكرتها وترمي عنها ثمالة الماضي, بعدما تشبعت بالثقافة الغربية, غيرت المسار إلى ماهو أنجع, وهو طرح السؤال حول الذات الفاعلة, الذات المنتجة لهدا التراث, فبدأ التشكيك في هذه الذات عن طريق إعادة النظر في منجزات هذا التراث ومحاربة النظريات العرقية العنصرية التي كان هدفها إثبات ضرورة الثقافة القومية لهذه الشعوب "هكذا دخل التراث أيديولوجية الثورة العربية المعاصرة كجزء مهم وحيوي لاينفصم عن المعاصرة, فالعاجزون عن الابتكار هم الذين يقلدون ويستنتجون سواء عن القديم أو الجديد, أما الذين يمتلكون القدرة على الإبداع والممارسة الخلاقة فهم الذين يعيدون صياغة التراث ويجعلونه متفاعلا مع أفكار العصر, حتى يخرجوا بصيغ وأفكار جديد يتجسد فيها التحام تيار التراث المستمر من الداخل, تيار الواقع الحاضر بكل ما يطرحه من أفكار وتحديات وتناقضات دون أن يضطر إلى تزوير التراث أو اصطناعه أو تحميله ما ليس منه"(1).                                                                   

وبذلك تشكلت دهنيات ثلاث تقرأ كل واحدة التراث من حقل معرفي معين وهي:             

1- ذهنية السلفيين والمحافظين وعلى رأسهم الأستاذ طه أحمد إبراهيم والأستاذ محمد زغلول سلام والأستاذ أحمد أمين.                 

2- ذهنية متصفة بالحياد والإنصاف, فهي نظرت إلى التراث نظرة علمية أكاديمية بعديدة عن نوازع التعصب, فحكمت له أو عليه بما فيه, وذلك عن طريق ربط النص بالواقع الذي أفرزه, ونأخذ كنموذج لهذه الفئة الدكتور إحسان عباس.                                         

3- ذهنية المثقفين ثقافة غربية, سنح لهم عن طريقها الإطلاع على أحدث النظريات والمناهج والرؤى, فنظروا وعالجوا التراث من خلال ما تشبعوا به من مفاهيم, ومثل هذا النموذج الدكتور محمد مندور والدكتور محمد غنيمي هلال محور هذا المقال, فكيف أعاد هذا الأخير إنتاج التراث النقدي العربي ؟ ... .                                  

    يبدو من الوهلة الأولى أن د. محمد غنيمي هلال معجب بالفكر اليوناني عامة والأرسطي خاصة, وهذا ما يفسر قراءته للتراث النقدي العربي بعين أرسطية تقيس كل شيء, في هذا التراث بالمقياس الأرسطي, فما قبله واصطفاه فهو مقبول, وما مجه ونفاه فهو مرفوض, فكان ينتقي الظواهر النقدية موضوع الدراسة, ويترك بعضها ويمر على أخرى مرورا عابرا أو يقوم بتأويلها بما يتلاءم ومقصده الرامي إلى رد كل قيمة إيجابية في تراثها النقدي والبلاغي إلى مصادر أرسطية.                                                            

   تنوعت مناهج د. محمد غنيمي هلال في نظرته تلك بين منهج وصفي ومنهج مقارن غالبا, ثم منهج تقويمي في بعض الأحيان, فهو:                                                 

1- يستهل حديثه عن ظاهرة ما بحكم عام مسبق يتبعه بوصف للظواهر المدعمة والمؤكدة لهذا الحكم, ثم يتبع ذلك بمقارنة بين الظاهرة في البيئتين العربية واليونانية, مبرزا ملامح التأثر العربي بالفكرة الأرسطية إيجابا أو سلبا.                                     

2- يبدأ بوصف الظاهرة في الفكر الأرسطي ويأتي بمثيل لها في النقد العربي, وهنا تأتي المقارنة الضمنية, ويكون الحكم مفهوما بالطبع من سياق الكلام.                                                         

3- أنه يكتفي ببيان قيمة بعض الظواهر النقدية عند العرب دون وصفها, ومن ذلك حديثه عن قيمة الوجوه البلاغية.                

4- أنه يسهب في وصف بعض الظواهر النقدية ويتجلى ذلك في حديثه عن حدود الشعر ومعاييره, وعن الغلو والمبالغة وما إلى ذلك.     

  ومع تعدد مناهج د. محمد غنيمي هلال تلاحظ توحد أسلوبه في المعالجة, فهو يعتمد على تقسيم التراث النقدي إلى محورين:                                                        

- المحور الأول: يتناول قضايا تتصل بوحدة العمل الفني جملة, وفيه يعرض لأجناس الأدب الشعرية والنثرية, وترتيب أجزاء القول, ثم الأهداف الإنسانية للأدب في النقد العربي.               

- المحور الثاني: يتناول فيه القيم الجمالية سواء أكانت في الوجوه البلاغية أم النقدية،  ويستهل هذا التقسيم بفصل يبرز فيه أهم الاتجاهات النقدية عند العرب لا يقصد التأريخ لها, وإنما استنباط خصائص النقد واتجاهاته العامة, والكشف عن مصادرها وصالتها. ويمكن تتبع آراء د. محمد غنيمي هلال وهو يعيد قراءة التراث أسلوبا ومنهجا انطلاقا من المعطيات التالية:

 اتجاهات النقد: حصرها الدكتور محمد غنيمي هلال في ثلاثة وهي:                      

 اتجاه أولي: لا يهتم إلا بالأحكام العامة دون تبرير لها, وذلك مثلما هو الحال في نقد الشعراء العرب لبعضهم البعض مما يروى في أسواق الجاهلية ونظيرها في الإسلام كسوق المربد بالبصرة، أي أن أصحاب هذا الاتجاه في النقد والتقويم لم يحتكموا إلا إلى ذوق الصفوة من الجمهور, والثقة في ذلك الذوق دون الاحتكام إلى أية أسس فنية أو أية مبررات موضوعية (2).                                                                          

     ومع أننا نرى أن الاحتكام هنا لم يكن مرجعه ذوق الصفوة من الجمهور بقدر ما كان مرجعه ذات الشاعر, الناقد نفسه, ورغبته في عكس تجربته على كل تجارب الشعراء من حوله, ورؤية كل تلك الرؤى من خلال رؤيته الخاصة, فإننا نرى أيضا أن وصف تلك الأحكام بالانطباعية التأثرية وصف يقلل من قيمتها, مع أن النظرة المتأنية لتلك الأحكام الأولية تنتهي إلى أنها تتضمن في أذهان قائليها ما يبررها. وأن الكثير من المعايير النقدية التي جرى ذكرها فيما بعد على لسان نقادنا القدامى قد تولدت عنها, فعلى سبيل المثال نجد أن معيار البلوغ بالمعنى إلى أقصى غاياته أي الوصول إلى "شرف المعنى" معيار ظهر بطريقة ضمنية في نقد النابغة لقول حسان بن ثابت في قوله:                             

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى         وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

على أساس أن حسان قال: "جفنات" و"أسيافنا", وهما جمع لأدنى العدد, والأفضل جفان, وسيوف, وهما جمع لكثير العدد, وقال: "بالضحى" ولم يقل "بالدجى", وقال:"يقطرن" ولم يقل يجرين" (3).                                                                             

    وقريب من هذا معيار الإصابة في الوصف, ونمثله بالخبر المروى عن مفاضلة أم جندب بين زوجها امرئ القيس وعلقمة بن عبدة, وذلك في قول امرئ القيس:                  

       فللسوط الهوب وللساق درة           وللزجر منه وقع أخرج مهذب

وقول علقمة:                                                        

        فأدركهن ثانيا من عنانه                    يمر كمر الرائح المتحل

وتفضيلها لبيت علقمة على بيت امرئ القيس متمثل في كون الأول لم يجهد فرسه ولم يتعبه بينما زجره الثاني وأجهده بسوطه (4).                                              

ب- اتجاه نقدي جديد: ظهر في العصر الأموي, يحتكم فيه أصحابه إلى تقاليد العرب وعاداتهم وحياتهم العاطفية, وترجع جدة هذا الاتجاه في نظر د. محمد غنيمي هلال إلى أن احتكامه إلى التقاليد والعرف السابق كان بمثابة التعليل الموضوعي للأحكام (5). وكأن أصحاب الاتجاه الأول لا يحتكمون إلى أية تقاليد أو أعراف فاسمعه يقول: "ولعل أقرب مثل نضربه لذلك هو المجلس الأدبي الذي اجتمع فيه عمر بن أبي ربيعة, والأحوص بن محمد, ونصيب ثم كثير الذي حكم على عمر في بعض –غزلياته- أنه أراد أن يتغزل بصبيته فتغزل بنفسه, ثم مدح الأحوص في أنه سار على التقليد العربي في قصيدة من قصائده حين صور خضوعه لمحبوبته, ومن هذه القصيدة قوله:                          

              لقد منعت معروفها أم جعفر          وإني إلى معروفها لفقير

ثم رجع كثير فذم الأحوص حين خرج على تقليد آخر, هو إصرار الحبيب على دوام العاطفة على الرغم من هجر الحبيبة له, وهو تقليد عام في الغزل العربي يخرج عليه الأحوص بقوله:                                                                         

                 فان تصلي أصلك, وان تعودي      لهجر بعد وصلك لا أبالي

فعلق كثير على البيت السابق متوجها إلى الأحوص قائلا: "أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت, هلا قلت كما قال هذا (وضرب بيده على جنب نصيب):                

         بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب        وقل: إن تملينا فما ملك القلب (6)

وإذا تأملنا هذا المثل الذي جاء به د. محمد غنيمي هلال، وجدناه لا يخرج كثيرا عما كان يحدث بين الشعراء قبل العصر الأموي وفي أسواق الجاهلية.                             

ج) اتجاه تجديدي: ظهر في العصر العباسي, وتأثر فيه النقد العربي بالنقد اليوناني, ويرى د. محمد غنيمي هلال أن الجاحظ خير من يمثل هذا الاتجاه سواء في دعوته إلى "القران" أو في تحذيره للشعراء من بناء قصائدهم على الحكمة فحسب (7). ولعله يهدف إلى التأكيد على أن النقد العربي متأثر بالنقد اليوناني وذلك اعتمادا على ما جاء به الجاحظ حين دعا إلى "القران" و"المؤاخذة" بين الأبيات مع أن الجاحظ قد استعار هذا المصطلح من الشاعر الأموي رؤبة عندما عاب شعر ابنه عقبة وقال: "ليس لشعره قران" (8). فليس هو بالواضع للمصطلح ولا بالمحدد لدلالته.                                                            

 وتجدر الإشارة أنه مع توفر الترجمة في حقبة الجاحظ فإنها كانت تحتاج إلى وقت طويل تتمثل فيه وتهضم حتى يحدث التأثير والتأثر وعليه نقر من البدء أن القول بان الجاحظ تأثر بأرسطو قول مردود لم يحظ بالاتفاق ود. محمد غنيمي هلال ممن يرون أن الشراح العرب لأرسطو وحدهم اعتنوا"بالنقد النظري لأرسطو, دون محاولة ممارسته على نحو فعال, في حين لم يعن النقاد بفلسفة النقد, لأن النقد ظل في أذهان العرب منفصلا في جوهره, عن الفلسفة" (9).                                                                             

  وهذا يعني أن الأثر اليوناني على النقد العربي كان ضئيل القيمة, وان كنا لا ننفي اثر اليونان في بعض الفنون التصويرية خاصة النفعية كالنقش في فن النجارة. صحيح, أن العرب ربطوا –كأرسطو- بين الشعر والصناعات والحرف المعروفة لهم, واستمدوا من تلك الصناعات بعض اصطلاحاتهم كالترخيم والترصيع والتطريز والتسهيم, والتو شيح وما إلى ذلك... والعرب لم يستفيدوا من الصلة بين الشعر والموسيقى مثلما استفاد اليونان. والسبب في ذلك واضح وهو أن الموسيقى –أو النشيد- كانت عنصرا ثانويا, من عناصر التراجيديا المتصلة بالتمثيل المسرحي, وأيضا لأن الشعر والرسم والموسيقى تتفق في اصل مشترك بينهما ألا وهو قيام كل منهما على المحاكاة للطبيعة (10) بينما لم يكن الأمر كذلك في الشعر الغنائي العربي, وإذا كان العرب لم يربطوا بين الشعر والموسيقى ربطا صريحا فهم ربطوا بين الشعر وفن آخر وثيق الصلة بالموسيقى وهو "فن الغناء" وذلك إلى الحد الذي عد بعضهم الغناء ميزان الشعر (11), وأيضا إلى الحد الذي أدى ببعض الشعراء تحت تأثير الغناء إلى اللجوء إلى الأوزان القصيرة و المجزوءة حتى يتيحوا للمغنيين والمغنيات أن يحملوا شعرهم ما يريدون من ألحان وأنغام جديدة... ولا يمكن القول إن الغناء في هذا العصر قد تأثر بمؤثرات رومية وفارسية قدمت مع الفتوحات الإسلامية, لان الصلة بين الشعر والغناء عند العرب أقدم من ذلك, وقصة النابغة مع أهل يثرب خير ما يؤكد تلك الصلة, وذلك عندما قدم يثرب وأنشد أهلها شعرا فيه إقواء وأرادوا أن يخبروه بما في شعره من عاهة, فاحضروا له مغنية وطلبوا منها أن تمد الصوت في حرف الروي, ومن تم فطن النابغة إلى ما في شعره من عيب فغيره, وقال: "وردت يثرب وفي شعري شيء, وخرجت وأنا أشعر الناس" (12), بخلاف هذا الربط بين الشعر والفنون النفعية يرى د. محمد غنيمي هلال أن العرب لم يستفيدوا من حديث أرسطو عن الخيال والمحاكاة إلا ما ذكره في التقليل من شأن الخيال "وضرورة وصـاية العقل عليه والخلط بينه وبــين الوهم" (13)... أي أن النقاد العرب –في نظره- لم يتجاوزوا ما ذكره أرسطو في الحط من شأن الخيال مقابل الإعلاء من شأن العقل. وإذا كان العرب أو شّراح أرسطو قد تبعوا اثر أرسطو في تقييد الخيال بقيود عقلية وذلك في نصوص للفارابي وابن سينا و غيرهما. وفي تقيد المبالغة بالألفاظ المقربة للحقيقة مثل: يكاد, ولو, وغيرهما عند بعض النقاد العرب, فلم يكن من المتوقع منهم مجاوزة ذلك إلى المفهوم الحديث للخيال عند الرومانتيكيين وكانت من أنه: "عملية توليد الصورة التي وظيفتها تصوير الحقائق النفسية والأدبية" (14).              

     ويرى د. محمد غنيمي هلال "أن من العبث أن تربط بين الخيال والصورة في النقد القديم لأن كليهما ذو مفهوم مستقل عن الأخر" (15) مع أن الربط بينهما متحقق لدى الشراح العرب لأرسطو, لكن ليس على أن الصورة وليدة الخيال أو اثر من آثاره, وإنما على أنها مرادفة وقرينة له (16).                                                                  

      وينتقل محمد غنيمي هلال للحديث عن عمود الشعر عند العرب موازنا بين منهج النقاد العرب ومنهج أرسطو في هذا الصدد, ويرى إن أرسطو تتبع أثار الأدب اليوناني واستخلص منها الاتجاهات القومية والعناصر الناضجة "وباسمها عاب أرسطو كبار شعراء اليونان, وباسمها كذلك مدح بعض الشعراء الادنين مكانة حين رآهم يجيدون في بعض نواحي نتاجهم الأدبي, ولكن نقاد العرب كانوا في عمود الشعر أساري التقاليد لما ورثوا من تراث شعر"(17).                                                                          

   والملاحظ أن د. محمد غنيمي هلال عرض لعناصر عمود الشعر كما هي مدونة لدى المرزوقي في كتابه شرح ديوان الحماسة, والقلقشندى في كتابه صبح الأعشى فوضح كل معنى وكل عنصر من عناصر عمود الشعر (جزالة اللفظ واستقامته, والمشاكلة للمعنى, وشدة اقتضائه للقافية, والإصابة في الوصف...) ووضع له معيارا يميزه عن غيره.      

   والواقع أنه قد وفق إلى ابعد حد في تحديد مصطلحات عمود الشعر وتأكيد مفاهميها, وما نضيفه في هذا الصدد هو انه قد غض الطرف عما ذكره المرزوقي من أن العرب لم تشترط توفر هذه العناصر كلها فمن لم "يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان" (18).                                                                   

  ينتقل بعد ذلك د. محمد غنيمي هلال إلى الحديث عن أجناس الأدب الشعرية والنثرية, ولان الكثير من الأجناس الشعرية المعروفة عند العرب لم توضع تحت المجهر الارسطي من قبل, فقد التزم في معالجتها منهجا وصفيا, تندر فيه المقارنة على غير عادته, ولذا قصر حديثه عنها في جنسين وهما: المديح والغزل، وفي حديثه عن المديح يرصد الملامح العامة لهذا الفن عند العرب, ويجمل حديثهم عن ذلك في أمرين:                                 

أ- صفات المدح والتصرف بها على حسب طبقات الممدوحين: ويقتصر على ما ذكره قدام حول المدح بالصفات النفسية دون غيرها من الصفات الجسدية, مبينا تأثره بأرسطو في حديثه عن أجزاء الفضيلة, وأخذا عليه في الوقت نفسه تهافت تقسيماته وتداخلها.       

ب) مطالع القصائد من حيث التقليد والتجديد, ويذكر أن الغزل لم يصبح جنساا أدبيا مستقلا إلا في العصر الأموي وما بقي لنا من الغزل الجاهلي لا يخرج عن كونه مجرد مقدمة لقصائد المديح.                                                                           

    ويبرر لطبيعة الغزل عند العرب في الإكثار من الأدلة على التهالك في الصبابة, والإفراط في الوجد واللوعة, وكون المرأة مطلوبة لا طالبة بان ذلك يعود إلى البيئة العربية التي خلقت من العربي فارسا يعتد بالبطولة, ويرى أن المخاطرة في سبيل قبيلته وحمايتها مظهر من مظاهر رجولته ثم إلى البيئة بما حفلت به من شظف العيش وجهده, فكان طبيعيا أن تشغل المرأة فراغ ذلك المجتمع البدوي الذي تعوزه الكثير من المتع والفنون التي تألفها المجتمعات المتحضرة, ويبين أن الغزل الإباحي ظهر منذ العصر الجاهلي, واستمر في عهد بني أمية حين ظل الحجاز في عزلته السياسية, وانصرف همّ بعض الشباب المترفين إلى اللهو والاستجابة لداعي الهوى, ولكون روح الفروسية كانت قد ضعفت عن ذي قبل فقد أدى هذا إلى النيل من مكانة المرأة. ثم تطور هذا النوع من الغزل الحاجب على يد بعض الشعراء كبشار وأبي نواس إلى التغزل بالمذكر والجواري والغلمان, خاصة في مدن الحجاز التي انطوت على نفسها بعد أن فشل الحجاز في استرداد مكانته السياسية, فتوجه همّ عملائه إلى البحث في مسائل الدين, وانصرف أكثر شعراء المدن فيه إلى حياة اللهو والترف, أما بادية الحجاز فقد احتفظت بالعادات والتقاليد العربية, ولم يفسدها التحضر الذي أصاب المدن, ومن تم فقد سادها الغزل العذري الذي يتحدث عن الحب العفيف, وعما يلقاه المحب من عذاب, وليست البيئة وحدها هي التي أوجدت هذا النوع من الغزل, ولكن يضاف إلى ذلك بالطبع التأثيرات الإسلامية في خلق إدراك جديد للعاطفة, وذلك فيما دعا إليه الإسلام من جهاد النفس, ومقاومة الهوى.                                                                    

   ورغم دقة هذا التعليل لتطور فن الغزل عند العرب, والتبرير لشيوع روح الفروسية والزهد في الشعر فان د. محمد غنيمي هلال لم يقف عند الأشعار –مع كثرتها- محللا لها, وكاشفا في الوقت نفسه عن مدى تأثرها بروح الإسلام,  واستدل على اثر القيم الإسلامية الروحية في شعر الغزل من بعض الأخبار المبتوتة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني وهي أخبار لا تبين بوضوح ذلك التأثر, ويمكن للقارئ ذي الحس النقدي أن يكشف مدى ما فيها من تصنع ومن ذلك ما ذكره د. محمد غنيمي هلال عن رواية صاحب الأغاني من أخبار عبد الرحمن بن عمار الشهير بالقس, وهيامه بسلامة المغنية, أو من أخبار عروة بن حزام وحبيبته عفراء, إن نظرة مدققة تحصي عدد المرات التي قابل فيها القس سلامة, وأماكن اللقاء بينهما خاصة ذاك المكان الذي تتخفف فيه المغنيات من جل ملابسهن, تجعلنا نرتاب في مصداقية تلك الأخبار, أو على الأقل لا نعتد بها كنموذج يشير إلى تأثير الإسلام في خلق إدراك جديد للعاطفة, وقس على هذا أيضا ما روي عن أخبار عروة بن حزام, فليس فيها ما يتفق وروح الإسلام, بل ولا التقاليد العربية, فهل في تلك التقاليد أن يقدم الزوج لامرأته رجلا آخر يعلم ما بينهما من الحب والوجد والشوق ؟ وهل من تأثير الإسلام أن يترك الرجل امرأته في خلوة مع رجل آخر, يتشاكيان لواعج الهوى,  وألم الوجد فاسمعه يقول: "وقد وفد على زوج حبيبته عفراء بالشام, فأكرمه الزوج وأحسن مثواه,  وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان... فلما خلوا تشاكيا..." (19).                                           

    ويستهل د. محمد غنيمي هلال حديثه عن أجناس الأدب النثرية بقوله: " لم يعن النقد العربي بأجناس الأدب الموضوعية في النثر, كما لم يعرفها في الشعر, فلا نعلم فيه شيئا يعتد به خاصا بالقصة عامة, أو المقامة, أو القصة على لسان الحيوان مثلا"(20). في هذه التقدمة تتجلى طريقة د. محمد غنيمي هلال في المعالجة, حيث يبادر بإصدار الحكم مسبقا, وهو حكم عام ينفي نفيا قاطعا أية معرفة للعرب بالنقد الموضوعي في الشعر, ثم يأخذ في التدليل على صحة هذا الحكم, وهو نهج يذكرنا بطرق المعالجة لدى بعض نقادنا القدامى, ولعله في عبارته يقصد أجناس "الأدب الموضوعي" بدلا من "النقد الموضوعي", ويرشح ذلك قوله:"وإنما انحصر هم النقاد في النثر الذاتي, وما يتصل به أي في الخطابة والترسل, والاحتجاج والحديث... وإذا صح هذا فان التبرير لعدم اعتناء العرب بأجناس الأدب الموضوعي يكون مرده إلى اعتدادهم بالشعر الغنائي على انه المثال والنموذج، والى غياب التقاليد الممتدة للأجناس الأخرى في الأدب العربي كما هي لدى اليونانيين.          

أما ما ذكره د. محمد غنيمي هلال من أن التراث العربي كالشعر "حافل بضروب الخيال على خلاف ما رأينا في الشعر الموضوعي عند أرسطو الذي لا يحفل بتنميق العبارة كثيرا في المسرحية والملحمة (21), فله ما يبرره, وهو انه لايحتفي بلغة الشعر الموضوعي قدر الاحتفاء بحبكة العمل, وتعميق الصراع, وترابط الأجزاء طبقا لعنصري الاحتمال والضرورة الفنية كما ذكر أرسطو, أما الشعر الغنائي العربي فقد حفل باللغة, وأعطاها الاهتمام الكافي, لان اللغة مورده الرئيسي إن لم يكن الوحيد،  أما أن النثر العربي كالشعر العربي حافل بضروب المجاز فهذا راجع إلى غاية كل من الشعر والنثر وتقاربهما عند النقاد العرب إلى الحد الذي دعا بعضهم كحازم القرطاجني إلى المراوحة بين المعاني الشعرية والخطابية.                                                                      

ويعقد د. محمد غنيمي هلال فصلا حول تنظيم أجزاء القول يقتدي فيه خطى أرسطو منذ البداية, فيقرر أن هذا المبحث " هو ما عالجه أرسطو في النصف الثاني من الكتاب الثالث من الخطابة... وقد عالجه في الشعر, في الحكاية, وفي الوحدة العضوية(22)، ويعقب على ذلك بان وحدة العمل الفني تقتضي "إدراك الموضوع بما يتضمنه من أفكار... تم تنظيم المعاني بحيث تكون مرئية منسقة لتتجلى وحدها" ويردف ذلك بإشارة القاضي الجرجاني انه "فيما يخص النثر أدراك العرب إدراكا عاما هذا الترتيب كما في الخطابة والرسائل مثلا, ولكن الأوائل في الشعر لم يولوا عنايتهم شيئا من هذا... وإنما حفل بها المحدثون منذ العصر العباسي, نقادا وشعراء, فاخذوا يهتمون بالبدء, وبالانـتقال منه إلى الغرض, ثم بالخاتمة, لأنها المواقف التي تستعطف أسماع الحضور وتسـتمليهم إلى الإصغاء (23).                                                                                              صحيح إن العرب اهتموا بمصطلحات البدء, والخاتمة, والتخلص, أو الخروج من غرض إلى آخر, وحفل بها الشعراء المحدثون كما نص على ذلك القاضي الجرجاني, لكن دراسة الظاهرة, أو الوقوف عليها, أو تسميتها, لا يعني عدم وجودها, فعلى سبيل    المثال نجد ابن طباطبا -حسب علمي- أول من وضع مصطلح التخلص سواء أكان تخلصا حسنا أو مذموما, ويعني به الانتقال من غرض إلى آخر, دون أن يحدد إن كان هذا الانتقال قد حـدث بتدرج ولطف أم انه انتقال مفاجئ...

     د. محمد غنيمي هلال وجد في حديث القاضي الجرجاني السابق ما يؤكد أن الأوائل لم يهتموا بترتيب المعاني في الشعر وإنما حفل بها المحدثون فقط علته في ذلك وجود وجوه بلاغية حول تنظيم أجزاء القول في بناء القصيدة تأثر فيها نقاد العرب بكلام أرسطو، ويذكر من بين تلك الوجوه: حسن الابتداء, وصحة التقسيم, وبراعة الختام, والاستطراد, ثم حسن التخلص والخروج...

   وينظر د. محمد غنيمي هلال إلى وحدة القصيدة العربية القديمة من منظور ابن قتيبة لها, فيرى أن بناء القصيدة القديم يقوم على مواصفات عامة بررتها بيئة البدوي في عصور الشعر العربي الأولي ثم أقرتها وجمدتها اعتبارات عمود الشعر كما فهمه نقاد العرب وشرحوه, ففي خيال الشاعر البدوي انه يمتطي ناقته أو جمله للرحلة فيمر بالديار والأطلال فيتذكر صبواته, ثم يصف ما يراه في رحلته من نبات البادية وما يعاني في هذا الشعر كي يصل إلى الممدوح, فيستميله إلى العطاء... (24). ويتبنى د. محمد غنيمي هلال دعوة الأستاذ العقاد إلى وضع وحدة الشعور محل وحدة البيت لدى القدماء, وان تكون القصيدة ذات وحدة في بنائها لا في موضوعها فحسب, بل تصميمها في التجربة وفي تآزر صورها, لا مجرد أبيات متفرقة يلتحم بعضها ببعض, ولا أغراض متنافرة يجمع بينها تداعي المعاني أو "التداعي النفسي الذي لا يستلزم ارتباطا من نوع ما, سوى ما تبرره البيئة البدوية وخيال الشاعر في هذه الرحلة, وهذا ما يتضح من نص النقاد على التحام أجزاء النظم والتئامها، فالالتحام يقتضي وصلا بين أجزاء لا تربطها وحدة طبيعية... فمبلغ جهدهم أنهم استجادوا وصل الأبيات المتوافقة في داخل كل جزء من أجزاء القصيدة على حدة, ثم لحم هذا الجزء بسواه على سبيل ما سموه:" التخلص" أو  "الخروج", وهو في نظرهم ميزة المحدثين, ولكنه لا يخرج القصيدة من نطاق التفكك, وعلى أساس هذا التخلص أو الخروج مدحوا مثل قول المتنبي.                                                                                  

لا والذي هو عالم أن النوى        صبر, وان أبا الحسين كريم

  فقد انتقل المتنبي من شكوى الوجد والصبابة انتقالا جيدا في نظرهم إلى مدح أبي الحسين, لأنه جعل الأمرين كليهما موضوع علم الله, وعلم الله يسع كل شئ حتى المتضادات, وهذا الجمع للغرضين في مطلق العلم كاف لتبرير الانتقال فنيا لدى أولئك النقاد جميعا (25).   

    وفي الفصل الرابع من الكتاب تناول د. محمد غنيمي هلال الأهداف الإنسانية للأدب في النقد العربي فبين رؤيته في بعض القضايا النقدية المطروحة كالصدق, والمبالغة والتخييل,  وفي هذا الفصل تجلى منهج د. محمد غنيمي هلال وأسلوبه في المعالجة تمام التجلي, ويستهله بتبني رأي أبي هلال العسكري في أن نقاد العربية الزموا الناثر بتحري الصدق, وذلك لان الخطابة والكتابة مختصتان بأمر الدين والسلطان ولكل منهما مساس بأمر العقيدة، أما الشعر فقد تباين موقف النقاد منه, ويرجع هذا التباين إلى الاختلاف حول الغاية من الشعر, ففي الجاهلية كان من الشعر ما يعد قواعدا للخلق, وديوانا للفضائل, ودامت هذه المكانة للشعر الجاهلي عند المسلمين، وفي هذا ربط للشعر بالأخلاق,  وما دامت هذه هي غاية الشعر فلابد فيه من تحري الصدق, والصدق الواقعي خاصة " ثم نال التكسب بالشعر من قدر الشعراء, وهوى بمكانة الشعر نفسه فكانت الخطابة أعلى قدرا منه... وإذا كانت الغاية من هذا التكسب باتت في إرضاء الممدوحين, وإضفاء صفات عليهم ليست فيهم, فطبيعي ألا يلتزم بالواقع وبمحاكاته" (26). وإنما تكون المبالغة والتزييف كما يرى د. محمد غنيمي هلال. ويخلص ناقدنا إلى أن المبالغة أو التخييل في الشعر لم تنشا إلا في ظل التكسب بالشعر, وقريب من هذه الدعوة إلى تزييف الواقع دعوة بعض النقاد إلى الوصف على خير ما يؤلف من الصفات " وفي هذا لا وجه لمطالبة الشاعر عندهم بالصدق, صدق الواقع ووصف دقائقه كما يراها الشاعر أو كما يشعر بها, فرأى أكثر النقاد أن الشاعر لا يتقيد بصدق أو كذب بل أن مقياس براعته هو اقتداره على الصناعة والصياغة, يقول قدامة بن جعفر: "إن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين... غير منكر عليه, ولا معيب من فعله, إذا أحسن المدح والذم, بل هو عندي يدل على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها" (27) فنجد قدامة يجيز المناقضة إذا كانت في قصيدتين مختلفتين, وهذا يعني أن المناقضة مجازة عند اختلاف الباعث وكذا عند تنوع المشاعر وتناقضها, لكن د. محمد غنيمي هلال يرى أن مقياس البراعة في الشعر هو الالتزام بصدق الواقع إذ لا يستطيع فنان أداء رسالته إلا بالتزام الصدق الواقعي على حسب ما يراه هو أو يفكر فيه كما يعتقده" (28).

     وإذا كان الالتزام بالصدق الواقعي لا يتفق وإقرار المبالغة والغلو فانا نجد د. محمد غنيمي هلال ينكر المبالغة في الشعر إلا في مواطن بعينها, هو من اجل ذلك يعرض للمبالغة, والغلو, والإغراق, والتخييل, وهو يناقش هذه الوجوه الثلاثة سار على نهج ابن أبي الاصبع فرتبها حيث جعل الإغراق فوق المبالغة ودون الغلو (29), وهو ثانيا ينهج طريق أبي هلال العسكري في تحديد معنى تلك الأوجه مما جعل كلا من المبالغة والإغراق والغلو تنحصر عند د. محمد غنيمي هلال في الوصول بالمعنى إلى أقصى غاياته, غير أن حديث بعض النقاد إذا استثنينا العسكري يضم إلى بلوغ الغاية في المعنى, بلوغ الغاية في الوصف, وبلوغ الغاية في التصوير, لكن د. محمد غنيمي هلال لا يعتد هنا سوى بمفاهيمها لدى أبي هلال العسكري الذي يحصر المبالغة في المعنى, ويراها تتحقق بشيئين:                        

1- إما بالوصول بالمعنى إلى أقصى غاياته وابعد نهايته, وذلك كقوله تعالى: "يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها".                          

2-وإما بالإضافة إلى المعنى ما يزيد عليه ويؤكده, وذلك كقول الشاعر:

                ونكرم جارنا ما دام فينا         ونتبعه الكرامة حيث مالا

   وهو ذلك البيت الذي مثل به د. محمد غنيمي هلال للوصول بالمعنى إلى أبعد نهاياته وذلك على غير ما ذكر العسكري (30), إن ابن رشيق ذهب ابعد من ذلك حين اعتبر هذا البيت اقوي دليل على بلوغ الغاية في الوصف, ونؤكد في النهاية اتفاق كل من الإغراق والغلو في مفهوم واحد ولا عبرة لغير ذلك.                                                         

   ويقف د. محمد غنيمي هلال على عنصر التخييل فلا يتجاوز ما جاء به عبد القاهر الجرجاني عند بدايات حديث هذا الأخير عنه دون تتبع له, فالتخييل لدى عبد القاهر الجرجاني إما تخييل زائف أو كاذب. وهو ذلك النوع الذي يعتمد القياس الخاطئ وإدراك التشابه يين الأشياء في الأعراض دون الجواهر, كقول البحتري:                                                    

وبياض البازي اصدق حسنا     إن تاملت من سواد الغراب

وإما تخييل صحيح مستحسن وهو الذي تبلغ فيه قوة التعليل درجة عالية من الغرابة والبعد عن العادة: ومن ذلك قول الشاعر:                                                                     

اشتكت عينه فقلت لهم       من كثرة القتل نالها الوصب

 وقوله:

حمرتهـا من دماء من قتلت      والدم في النصل شاهد عجب (31)

 

 في حين وقف د. محمد غنيمي هلال عند حدود النوع الأول فحسب (الزائف) ومثل له بنفس أمثلة عبد القاهر, ولم يشر إلى وصف هذا الأخير له بالكاذب أو الزائف, رغم انه نقل أمثلته, وتعليقه عليها بصورة تكاد تكون حرفية.(32) وينتهي د. محمد غنيمي هلال إلى القول بان اهتمام النقاد العرب بتلك الظواهر السابقة: المبالغة, والغلو والتخييل اهتمام يبرز عدم اعتداد نقاد العرب بالصدق الواقعي مما يترتب عليه زيف في محاكاة الحقائق, وعدم اعتدادهم بما يضاد الخلق, وبما ينفي أية صلة للشعر عندهم بالقيم الخلقية, لان "الصدق الفني والواقعي دعامة الخلق وبدونه لايوجد فن يعتد به".                                                                   

   وإذا كان الأمر كذلك فلا مفر من رفض كل ما ذكره العرب حول المبالغة والتخييل, لأنه لا يرتبط عندهم بمبدأ الصدق, ويقبل د. محمد غنيمي هلال المبالغة أو يرفضها على أساس مفهوم أرسطو للتخييل الذي يقصد به تصوير الشئ على غير أساس مفهوم أرسطو للتخييل الذي يقصد به تصوير الشيء على غير ماهو عليه ومن تم تكون "المبالغة" عنده: "إذا لم تزيف الحقائق ولم تصور غير الواقع، ولم توهم الباطل كانت مقبولة" (33), والسؤال المطروح: كيف تكون مبالغة وهي لم تصور غير الواقع, وهي في طبيعتها خروج عن الواقع المشاهد والمرئي ؟ يجيب د. محمد غنيمي هلال محددا مواطن تحسن فيها المبالغة كالمواقف العاطفية, وأخرى لا تسحن فيها على أساس توفر الصدق أو عدم توفره, وعلى أساس ما وصل إليه في المبالغة وضع بعض القيود لقبول التخيل اوعدم قبوله, وهي قيود لا تخرج عما ذكره أرسطو، وفي ذلك يقول:"والأمر كذلك في التخيل, فمنه الحق الصحيح, لأنه يقرر معنى لا وهم فيه, كقول المتنبي:                                                               

وما التأنيث لاسم الشمس عيب        ولا التذكير فخر للهلال                

 

لان العقل يشهد بان الشرف لا يوصف به رجل دون امرأة من حيث جنس ولكن من حيث الخلق والقدر" (34), في حين إن هذا البيت يندرج لدى عبد القاهر الجرجاني تحت المعنى العقلي لا الخيالي. ففي كتاب "أسرار البلاغة" يقسم المعاني إلى قسمين:                                

1- معنى عقلي يرجع إلى اصل من القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أو كلام الصحابة, أو آثار السلف أو الشعر, واستقر في العقول والعادات فاخذ حكم المعاني العقلية المجردة, ويعتمد هذا المعنى الصدق والثبوت العقليين فهو بمثابة الأدلة والبراهين التي وقع الإجماع على الأخذ بصحتها.                                                                 

2- معنى تخييلي أصله إبداع الشعراء وقريحتهم وخيالهم وهو ذلك المعنى الذي يتوصل إليه بالتدبر والتأمل, وهو معنى لا يشترط فيه الصدق كما لا يقاس بمقياس العقل.                    

   ونسجل على د. محمد غنيمي هلال انه وقف عند بيان قيمة الوجوه البلاغية في النقد العربي القديم وأسباب تلك القيمة إن وجدت ولم يهتم ببيان هذه الوجوه البلاغية وذلك لكونه اخذ بآراء النقاد المحافظين, أنصار عمود الشعر دون المجددين منهم مما أبعده حتى عن آراء نقاد آخرين اقروا ما أتى به المحدثون من صور لم ترد عن العرب من قبل, واكتفى ببعض النماذج الشعرية الدالة على استحسان هؤلاء النقاد لخيال المحدثين وتجديداتهم في صنوف المجاز, والمعاني المفردة (35). وهي الجوانب التي يرى د. محمد غنيمي هلال أن جهد المجددين من الكتاب والشعراء قد انحصر فيها. ولنفس السبب نظر إلى عناصر عمود الشعر على أنها المقاييس العامة الموضوعة لجودة الأخيلة الشعرية, وإذا ما طرح عليه ناقد آخر اعتد بما يضاد هذه العناصر التمس العذر له بتأكيده إن مثل هذه الدراسات الأصلية لم تستمر وتنمو على نحو أوسع وأكثر صقلا بل "مثل هذه الدراسات لم تنمو في النقد العربي عامة, وقد أصابها من الجمود ما أصاب نظيرتها لدى من وازنوا في المعاني والأخيلة بين المحدثين والقدماء" (36).           

  وفي الفصل الأخير يتحدث د. محمد غنيمي هلال عن القيم الجمالية وعنونه باللفظ والمعنى مستهلا إياه بقوله: "هذه مسالة من مسائل علم الجمال الحديث, شغل بها الاقدمون قبل أن يعالجها العرب" (37), من البدء تستنتج إن منهجه في هذا الفصل سيرتكز على مقايسة المعايير الجمالية للشكل والمضمون / اللفظ والمعنى كما عرفت عند العرب, ويتبع هذا القول بعرض موجز لجماليات الأسلوب كما ارتآها النقاد العرب مقدما بحكم مسبق مفاده قوله: "لم يكد يخرج النقد العربي عن هذه الحدود في علاجه مسألة اللفظ والمعنى" (38) ثم يأخذ في عرض آرا ء النقاد العرب وتفاوت نظرتهم حول محوري القضية: اللفظ والمعنى, فمنهم من يرجع مقومات العمل الأدبي إلى المعنى,  ويأتي على رأس هؤلاء أبو عمرا لشيباني والامدي ولاشك أن إدراج الشيباني في أنصار المعنى يأتي من احتفائه بالحكمة, أما أدراج الامدي في هذا الموطن فهو ما لايمكن الأخذ به والنص الذي أورده له د. محمد غنيمي هلال, ومنه: "إن اهتمامه -أبو تمام- بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم ألفاظه "قول أورده الامدي حكاية عن غيره ولا يتضمن نصرته للمعنى إذ يتجلى في تعريفه للشعر أنه يعتبر الألفاظ المقوم الرئيسي للشعر, يقول: "ليس الشعر عند أهل العـلم به إلا حـسن التأني, وقرب المأخذ, واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها." (39) ويضيف في موطن آخر: "إن حسن التأليف وبراعة الـلفظ يزيد المعنى المكـشوف بهاء وحسنا ورونقا, حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد, وذلك مذهب البحتري" (40).                                                                            

     ومنهم من يرى في الصياغة المقوم الحق للأدب, وفي هذا الموطن يرادف د. محمد غنيمي هلال بين اللفظ وحسن الصياغة فهو قدم لأنصار المعنى وأنصار اللفظ بقوله: "إن من نقاد العرب من يرجع مقومات العمل الأدبي إلى المعنى وآخرون أرجعوها إلى اللفظ" (41). كما وضع رأي كل من الجاحظ وابن سنان الخفاجي في نسق واحد, أما ابن سنان الخفاجي فهو من أنصار التصنيف الشهير: فصاحة اللفظ وفصاحة الكلام, والجاحظ لا يهتم بالألفاظ في ذاتها وإنما في صياغتها ونسجها, وقد كفانا عبد القاهر من قبل عناء التنقيب عن ذلك... ومنهم من سوى بين اللفظ والمعنى كبشر بن المعتمر وابن قتيبة, ومنهم " من نظر إلى الألفاظ من جهة دلالتها على معانيها في نظم الكلام, والرأي الأخير أهم الآراء وأكثرها أصالة" (42). وهو يعني بالطبع رأي عبد القاهر الجرجاني في تلك القضية مستفيدا من آراء السابقين عليه بعد أن أعمل فيها فكره, فأفاد منهم, وتجنب الكثير من جوانب الشطط والتعصب على يد الجامدين, ويدور حديث د. محمد غنيمي هلال عن فكر عبد القاهر الجرجاني ضمن المحاور التالية:      

- وصف نظرية النظم لدى عبد القاهر الجرجاني.                                      

- الوقوف عند السبب الديني الذي دفعه إلى التعمق في هذه القضية ومختلف تجلياتها.     

- موقف عبد القاهر الرافض لكل من أنصار اللفظ والمعنى لما في ذلك من مساس بقضية الإعجاز. ويطرح بديلا موضوعيا عن ما رفضه والمتمثل في التلازم بين اللفظ والمعنى "فالعملية الفكرية واحدة, وفيها تتجلى الصورة الأدبية عن طريق صيغتها"(43).          

   وفي الختام يشيد د.محمد غنيمي هلال بفكر عبد القاهر ونضج بحوثه في مسألة الصياغة والمعنى, موضحا "فضل عبقرية عربية" انتهت بعمق نظراتها في النقد الأدبي إلى نتائج عالمية ذات قيمة خالدة، ولها صلة بفلسفة الجمال في النقد الحديث...."(44).                

    إن قراءة د. محمد غنيمي هلال للتراث النقدي العربي قراءة تعي منذ اللحظة الأولى أنها تأويلا فلا تتوقف عند حدود "التلقي المباشر" بل تساهم بوعي في إنتاج وجهة النظر التي يحملها، أو يتحملها الخطاب النقدي القديم، فهي لا تقف عند حدود "العرض "أو "التخليص"بل تريد إعادة بناء الخطاب النقدي العربي القديم بشكل يكون أقوى تعبيرا عن وجهات النظر التي يبغي التعبير عنها والنتائج التي يهدف الوصول إليها.                                

    ونسجل كذلك أن تعامل د.محمد غنيمي هلال مع التراث النقدي يكتسي صبغة الانتقائية فهو يعيد تشكيل النصوص النقدية بشكل يبرر مواقفه ومنطقاته المسبقة المتشبعة بالثقافة الغربية مما جعله يقص مجموعة من النصوص النقدية التي ابتعدت عن الخط الذي رسمه لرؤيته النقدية شيء حتم عليه التعامل مع الموروث النقدي كنظرية قائمة بذاتها وليس كممارسة تطبيقية.                                                                                   

 

 

 

        الأستاذة بشرى تاكفراست          

كلية اللغة العربية بمراكش-المغرب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

 

1- البعث والتراث, مجلة أقلام, العدد السابع, ص 154, سنة 1980.

2- النقد الأدبي الحديث: د. محمد غنيمي هلال, ص 155, دار العودة, بيروت, 1987.

3- الموشح المرزباني: ص 55-54. ط 2, المطبعة السلفية, القاهرة, 1385.

4- المصدر السابق ص 26-28.

5- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 157-158.

6- المرجع نفسه, ص 158.

7- المرجع نفسه, ص 160.

8- البيان والتبيين, الجاحظ, تحقيق عبد السلام هارون, ج1, ص 228, ط4, دار الفكر, بيروت.

9- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 161.

10- فن الشعر: إحسان عباس, ص 13, ط 2, دار الثقافة, بيروت.

11- الموشح المرزباني, ص 37.

12- المصدر نفسه, ص 37.

13- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 162.

14- المرجع نفسه, ص 161.

15- المرجع نفسه, ص 163.

16- فن الشعر, عبد الرحمن بدوي, ص 167-168.

17- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 167.

18- تاريخ النقد الأدبي عند العرب, د. إحسان عباس, ص 409.

19- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 196.

20- المرجع نفسه, ص 204.

21- المرجع نفسه, ص 204.

22- منهاج البلغاء وسراج الأدباء, حازم القرطاجني, ص 361.

23- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 209.

24- المرجع نفسه, ص 213.

25- دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده, ص 32-35.

26- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 682.

27- المرجع نفسه, ص 221.

28- المرجع نفسه, ص 224.

29- تحرير التحبير, ابن أبي الأصبع المصري, ص 321.

30- الصناعتين, أبو هلال العسكري, ص 378.

31- أسرار البلاغة, عبد القاهر الجرجاني, ص 264-259-280.

32- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 229.

33- المرجع نفسه, ص 231.

34- المرجع نفسه, ص 231-232.

35- المرجع نفسه ص 244-245.

36- المرجع نفسه, ص 241.

37- المرجع نفسه, ص 253.

38- المرجع نفسه, ص 254.

39- الموازنة بين الطائيين للامدي, ص 400.

40- المصدر نفسه, ص 402.

41- النقد الأدبي الحديث, محمد غنيمي هلال, ص 253.

42- المرجع نفسه, ص 265-266.

43- المرجع نفسه, ص 273.

44- المرجع نفسه, ص 291.