البحث العلمي بكلية اللغة العربية بمراكش ما بين 1990 - 2000  

           

                                     

 

                                                                              بشرى تاكفراست

                                                                 أستاذة جامعية-مراكش- المغرب.

(شاركت بهذا الموضوع في ندوة نظمتها كلية اللغة العربية تحث عنوان:"مناهج الدراسات اللغوية والإسلامية بكلية اللغة العربية:تجانس وتكامل"يومي 13-14 مارس 2003 .)

         في سنة 245للهجرة، و في قلب مدينة فاس العتيقة أسست أقدم جامعة في البحر المتوسط، بل أقدم جامعة اهتمت بشؤون الدين و مسار العلم و المعرفة قبل أكسفورد بالكلترا و السر بون بفرنسا، و قبل الأزهر بمصر و الزيتونة بتونس و النجف الأشرف بالعراق، إنها جامعة القرويين.

      و إذا كانت عطاءات جامعة القرويين لم تحد عن الخط الذي رسمه لها مؤسسها فترات غير قليلة من الزمن فإنها عرفت تقلصا كبيرا في العهود الأخيرة، الشيء الذي حدا بجلالة المغفور له محمد الخامس أن يصدر تعليماته السامية الرامية إلى إعادة جامعة القرويين إلى سالف عهدها.فأحدث مجلسا أعلى لنظام التعليم بالقرويين عام 1931 و أصدر قانونا لتنظيم الدراسة بها و إحداث الشهادات و إسناد مشيختها لكبار العلماء عام 1933، و قد سار على دربه ابنه المغفور له الحسن الثاني الذي قام بإحياء المجلس العلمي بظهير شريف مؤرخ بالعاشر من رمضان 1401هـ الموافق 12 يوليو 1981.

      و هي جامعة مترامية الأطراف عبر ربوع المملكة تشتمل:كلية الشريعة بفاس وكلية أصول الدين بتطوان و كلية الشريعة بأكادير و كلية اللغة العربية بمراكش.

      تعتبر كلية اللغة العربية وجها من الوجوه العلمية التي يجب الحفاظ عليها والإمساك بمقوماتها و الدفع بها، لأنها من الكليات التي نشأت في العهود السابقة في العالم الإسلامي بهدف نشر اللغة العربية وتكوين العلماء والقضاة ورجال الفكر والأدب، والدفاع عن حرمة الإسلام ومبادئه وتحقيق أهداف وطموحات الأمة الإسلامية، وقد استمرت زمنا طويلا في تأدية رسالتها العلمية ونشاطها الفكري والعلمي والسياسي والاجتماعي من جيل إلى جيل، فأنجبت علماء كبارا لقنوا وألفوا ودرسوا وخلفوا ذخيرة علمية امتلأت بها بطون الكتب وأعمدة المقالات، اغتنت بها خزانة الكتب بالمغرب.

    إن المتصفح لكتب التاريخ وبرامج العلماء يقف بنفسه على الدور الذي لعبته هذه الجامعة في التكوين والتأطير والإشعاع العلمي والثقافي، فهي امتداد "لكلية الدراسات العربية" التي تعتبر الوارث الشرعي لكلية" ابن يوسف المراكشية" أو بتعبير دقيق الجامعة اليوسفية بمراكش وسيعلن ظهير 12رمضان 1382هـ موافق6 فبراير 1963 تبعيتها لجامعة القرويين بفاس باسم "كلية اللغة العربية" بمراكش.

      أما مناهج التدريس بهذه الكلية فلم تكن في بدايتها ترتكز على نظم معينة وقوانين مركزة أو شعب مختصة، بل كانت تتناول سائر الفنون المعروفة آنذاك، فهي تدرس العلوم اللغوية والأدبية والعلوم الإنسانية والرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية والفيزياء لكن الدراسات الإسلامية كانت تختص بحيز أكبر، وتحظى باهتمام أعظم كالتفسير وعلومه، والحديث وعلومه وأصول التشريع الإسلامي وعلوم فقه المذهب المالكي مع اعتماد المؤلفات الأصيلة والمشهورة في المغرب والمشرق، وكانت مدة الدراسة بها لا تتعدى ثلاث سنوات ويكون أول فوج تخرج منها سنة 1965 يضم 19 ذكرا وأنثى واحدة، المجموع عشرون طالبا.

      صنفت هذه الكلية في جميع المؤتمرات الثقافية الوطنية وفي المداخلات العلمية على أنها كلية تهتم بالدراسات الشرعية الإسلامية فقط، خير دليل على ذلك أنه انعقد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير يومي 20-21 نونبر 2000 أشغال المؤتمر التأسيسي "للمركز الجامعي للغة العربية وآدابها" بإشراف رؤساء شعب اللغة العربية وآدابها بالجامعات المغربية وقد استدعيت كلية اللغة العربية بمراكش ولكن الدعوة جاءت متأخرة عن الموعد ولم تكن تلك الدعوة إلا مجاملة من زملائنا الأساتذة بجامعة ابن زهر بأكاديرفي حين غيبت الكلية تغييبا تاما من الملتقيين السابقين: الأول انعقد في الرباط 27 شتنبر2000 والثاني بمدينة الجديدة 28 أكتوبر2000 بحجة أن كلية اللغة العربية بمراكش كلية تهتم بالمواد الإسلامية وليس لها في الدراسات الأدبية شأنا... لقد كونت لجنة تحضيرية تضم كل رؤساء شعب اللغة العربية وآدابها مهمتها إصدار بيان ختامي في الموضوع وبعث رسائل إخبارية إلى وزارة التعليم العالي والسادة رؤساء الجامعات وعمداء كلية الآداب، وأنيط باللجنة المذكورة التهييء لانعقاد المؤتمر الرابع للمركز الجامعي للغة العربية وآدابها، و الذي انعقد في فبراير 2001 و سبق بلقاء إعدادي يوم 1 فبراير 2001 بكلية الآداب بمراكش. ولعلاقة الزمالة كذلك التي تربط بين أطر كلية اللغة العربية و أطر كلية الآداب و العلوم الإنسانية بمراكش، تم استدعاء رئيس شعبة اللغة العربية و آدابها بكلية اللغة بمراكش.

      و الغريب في الأمر –و ما يحز في النفس بشكل كبير – أن الشعب التي صاغت الأوراق التي نوقشت في هذا الملتقى كلفت بإدخال التعديلات المقترحة في كل ورقة على حدة و بعثها إلى أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر و لمختلف شعب اللغة العربية بالجامعات المغربية و تم تكليف اللجنة التحضيرية بإعداد خلية تكون مهمتها التحضير لبناء و تأسيس موقع المركز على شبكة الإنترنيت، و كذا الإعداد لتأسيس مجلة خاصة بالمركز الجامعي للغة العربية و آدابها...  و كل هذا الحشد من العمل الجاد و"كلية اللغة العربية بمراكش" مغيبة لأن الكل يعتبرها كلية تهتم بالدراسات الإسلامية و لا مجال للأدب بظواهره فيها.

     و عليه،  نؤكد من هذا المنبر العلمي أنه قبل مطلع سنة 1990 (لأنها السنة التي اخترناها بداية للإحصاء و هذا لا يقلل من قيمة السنوات السابقة إلا أن المجال لا يسمح)، التحق بهذه الكلية ثلة من خيرة الأساتذة الشباب و هم شعلة ذكاء لا يمسهم ماس إلا شحن من كهرباء علمهم، تمرسوا و اشتغلوا في حقول معرفية متنوعة و في تخصصات مبيانية عن شعبة الإسلاميات كالنقد الأدبي و الظواهر الأدبية (جاهلي إسلامي أموي عباسي أند لسي مغربي قديم و حديث و معاصر) لسنيات سيميائيات ترجمة و تحقيق و فهرسة. فكان لهذه التخصصات المتميزة أثرها في تحصيل الطلبة، فقد وسعت من أفقهم و نوعت أفكارهم،و أطلعتهم على الجديد في عالم المدارس الأدبية، و الحديث في باب مناهج الدراسات الأدبية.و ستقف على ذلك و أنت تتصفح البحوث المعدة لنيل "الإجازة"أو "دبلوم الدراسات العليا المعمقة" أو "دكتوراه الوطنية" من المؤسسة، و كذا في جميع الإصدارات العلمية التي تصدر عن هذه المؤسسة العتيقة. فبعملية إحصائية بسيطة للسنوات العشر الأواخر أحصينا ميولات الطلبة في كل حقل علمي فكانت النتيجة كالتالي:

  المواد الإسلامية بجميع فروعها          :12,21 %                             

  مادة الأدب العربي القديم بكل ظواهره  :18,32 % 

   مادة النقد الأدبي قديمه و حديثه           :20,07 %   

   مادة علم الفهرسة                           :05,12 %    

  مادة علم البلاغة                             :07,16 %  

  مادة علم النحو و أصول                   : 05,72% 

  مادة اللسنيات                               :02,00 %

 مادة الثقافة العامة                           :06,40 %

 مادة التاريخ                                  :10,00 %

مادة الأدب العربي الحديث و المعاصر  :12,00 %

مادة الترجمة                                  :1,00 %     

                                              ــــــــــــــــــــــــ        

      المجموع:                                      %    100,00

   و يلاحظ المستمع الكريم التوجهات التي استقطبت اهتمام الطلبة، و كيف تقلصت ميولات الطلبة للمواد الإسلامية بالمقارنة مع في السنوات ما قبل التسعينات. فقد كان لهذا السيل المعرفي الجديد الذي بدأت تعرفه هذه المؤسسة موضوعا وأسلوبا و منهاجا مجموعة من الأسباب في مقدمتها السبب الذي سبق و أن ذكرته من قبل و المتمثل:

1- * في خلية من خيرة الأستاذة المتشبعين بنظم و مناهج جديدة في التعامل مع الظواهر الأدبية و المستفيدين من جميع المستويات المتطورة في البحث العلمي.

2-*في الوافدين على هذه الكلية، فقد كانوا يشكلون 100% من طلبة التعليم الأصيل سواء من مؤسسة الزهراء للبنات أو من ثانوية ابن يوسف للتعليم الأصيل، لكن منذ تقريبا سنة1992 بدأت الكلية تفتح أبوابها لمختلف الشعب التعليمية، علمية كانت أو أدبية إلى جانب تلاميذ التعليم الأصيل فاستقطبت الراسبين في السنة الأولى:

-من كلية الحقوق بمختلف شعبها.

- من كلية الآداب بمختلف شعبها.

-من كلية العلوم بمختلف شعبها.    

-حاملي شهادة الباكالوريا شعبة العلوم الحقة، العلوم التقنية، الآداب العصري المزدوج، وتشكل نسبة الكل أكثر من 76 % من مجموع الطلبة، نسبة لا يستهان بها ونحن ندرس المسار العلمي لهذه الكلية ثم ما سيترتب عن هذه النسبة من نتائج في توجيه أسلوب الدراسة والبحث العلمي في صفوف الطلبة.

3-* الموظفون الذين تستهويهم تخصصات هذه الكلية خاصة وأنها تحمل شعارا أخلاقيا جميلا مؤداه"طالب العلم لا يطرد"فلا اعتبار للسن فيها ولا للانتماء الاجتماعي ولا للجنس ولا للون، فصدرها مفتوح للجميع وكراسيها العلمية تحتضن الكل. 

     ومن المنجزات التي قدمتها كلية اللغة العربية للبحث العلمي الرسائل العلمية المحضرة لنيل دبلوم الدراسات العليا أو دكتوراه الدولة أو الوطنية في تخصصات متعددة بلغت نسبة المواد الإسلامية فيها 0% نذكر منها:

-         المقارنة عند نقاد الأندلس:منهجها و تطورها من القرن الثالث إلى القرن السادس الهجري.

-         مكونات النقد الأدبي بالمغرب من القرن السادس إلى القرن الثامن الهجري.

-         ظاهرة التناص في الشعر الموحدي ابن حبوس الجراوي و أبو الربيع سليمان:نماذج.

-         الأدب السياسي في العصرين المرابطي والموحدي.

-         نماذج من الشروح الأدبية على عهد بني مرين مقاربة وصفية وتحليلية.

-         في شعرية الخطاب الإقناعي:القصيدة المادحة على عهد الموحدين.

-         المدرسة الإفرانية وإشعاعها الأدبي.

-         القصيدة العربية المعاصرة بين هاجس التنظير والممارسة النصية.

-         معجم أبي العلاء المعري، تصنيف ودراسة.

-         الشعر العربي المعاصر وإشكالية التلقي.

-         المناهج المعاصرة والدراسات الأدبية في المغرب.

-         شعرية القصيدة المغربية ديوان عبد الرحمن حجي نموذجا.

-         الشعر المغربي من القرن الثاني إلى القرن السابع الهجريين: قضاياه الفكرية وظواهره الفنية.

-         قضايا المعنى المجازي في اللغة العربية: الاستعارة نموذجا.

-         فن الرسالة خلال القرنين 11و12 الهجريين.

     إن نظرة سريعة لهذه العناوين تشعرك من البدء بميولات الباحثين بهذه الكلية وتتركك تسجل مختلف اهتماماتهم التي تشاطرها: الأدب والنقد والبلاغة والفهرسة وأن القيام بعملية إحصائية بسيطة تجعلك تنطق بأن 100%من البحوث المنجزة مند افتتاح السلك الثالث بهذه المؤسسة إلى حدود سنة 2000 بعيدة عن حقل الدراسات الإسلامية.

     و لا يفوتنا و نحن نترصد البحث العلمي بهذه الكلية أن نشير إلى الإصدارات العلمية التي عرفت النور بها، و أبرزها مجلة" حوليات" و هي مجلة سنوية تعنى بالدراسات اللغوية و الأدبية و الإسلامية و المقارنة، و قد صدر العدد الأول منها سنة 1991، و اختلفت عناوينها (المحاور) باختلاف المناسبات و من هذه المحاور نجد:

- الحركة العلمية بمراكش ابتداء من الثلاثينات مع تكريم للأستاذ الرحالي الفاروق سنة 1992.

-البحث في أدب الغرب الإسلامي:الواقع و الآفاق، و هو عدد في جزأين تكريما للأستاذ عباس الجراري صدرعامي1992-1993.

-ثلاثون سنة في خدمة اللغة العربية و الثقافة الإسلامية، و هو محور ندوة نظمت بمناسبة مرور ثلاثون سنة على تأسيس كلية اللغة العربية و صدر عام 1994.

-اللغة العربية و الثقافية الحديثة صدر سنة 1994.

-اللغة العربية و البحث الليساني صدر سنة 1995.

-الدرس البلاغي و النص الأدبي صدر عام 1996.

-قراءات في أعمال الدكتور حسن جلاب.

-التراث النقدي و البلاغي بالغرب الإسلامي الصادر عام 2000.

و إلى جانب مجلة "حوليات" هناك مؤلفات منها:

-موشحات مغربية للدكتور عباس الجراري سنة 1992.

-الدكتور عباس الجراري نبدة عن حياته و أعماله للأساتذة نجاة المريني 1992. 

     إن القارئ و المستمع لهذه المحاور يدرك بشكل ملموس جدا الاهتمامات العملية التي تشغل أساتذة و طلبة هذه الكلية، و هي غالبا بعيدة عن المجالات الإسلامية، مما يبن أن الكلية منذ أن كانت فإن طلبتها تستقطبهم اهتمامات علمية مختلفة إلى جانب العلوم الشرعية. و هذا يدل كذلك على شيء لا ينتبه إليه إلا القليل و هو أن "كلية اللغة العربية" هي الشق الأدبي الثاني و المنبثق عن الجامعة اليوسفية. و بتعبير دقيق ف"الجامعة اليوسفية" كما يؤكد طلبتها كانت تتوفر على شعبتين: الشعبة الشرعية و الشعبة الأدبية، و لما انقسمت التحقت الشعبة الشرعية بكلية الشريعة "بفاس" و بقيت الشعبة الأدبية بكلية "اللغة العربية بمراكش" يهتم أساتذتها بتدريس النصوص و القواعد التي تخدم النص القرآني و تساعد على فهمه لا الأحكام والقوانين المنبثقة منه.

     و بذلك نكون قد رفعنا بعض اللبس عن هذه الكلية العتيدة، و من في قلبه مثقال حبة من الغيرة على هذه المؤسسة سيمد يده ليزيل الحيف عنها، و يجعلها تنعم بالريادة العلمية بين زميلاتها من كليات الآداب المنتشرة في بقاع المعمور.

   أملي في النهاية أن أكون قد وفقت للقيام بأدنى ما يفترضه علي الواجب اتجاه هذه الكلية الرائدة.و الله ولي السداد و التوفيق.

                          و السلام عليكم و رحمته تعالى و بركاته.