بسم الله الرحمن الرحيم


الدكتور شوقي ضيف كما عرفته

بشرى تاكفراست
أستاذة جامعية –مراكش-المغرب.

 

(نشر هذا المقال بجريدة الصحراء المغربية يوم الأحد3 أبريل 2005، العدد 5918 )

     قل ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على

 و الدي و أن أعمل صالحا ترضاه".

   

     بعيون دامعة و قلب مفعم بالأسى، و نفس ضائق تلقينا نبأ وفاة فضيلة الدكتور شوقي ضيف يوم الخميس 10 مارس 2005 إثر إصابته بمضاعفات مرض الالتهاب الرئوي الذي عانى منه مند سنوات. و إنه لمصاب جلل و لفاجعة كبرى لأهل كنانة عامة و لمجمع اللغة العربية بالقاهرة خاصة و لا تحاد المجامع اللغوية العربية بشكل أخص أن يغيب الموت ركنا من أركان الثقافة العربية و شخصا لا يمكن تعويضه بسهولة.

     فقد حرك في نفسي هذا الحدث الأليم عشرات الذكريات و مئات الأحاسيس أرست بي عند أول لقاء به لما زرت القاهرة و استقبلني و كيل كلية دار العلوم السيد أحمد محمد عبد الدايم مع مجموعة مع الأساتذة كالدكتور شفيع السيد و الدكتور أحمد عفيفي و الدكتور محمد حسن عبد العزيز و الدكتور محمد عبد العزيز الموافي، و سألوني هل التقيت بالدكتور شوقي ضيف ؟. و كان جوابي بالنفي، فدلوني على مجمع اللغة العربية بالقاهرة...

  و لما وصلت وجدته قد خرج، فمنحوني عنوانه و هاتفه. وصلت إلى الفندق واتصلت به هاتفيا.  لا أكتمكم ما كان يغمرني من مشاعر و أنا أسمع لأول مرة صوته المطبوع بالاتزان و الوقار و التقدير للزوار، فقد رحب بقدومي بعشرات عبارات الترحيب آخرها:"أنا في انتظارك على الساعة الخامسة مساءا..."

      و في الوقت المضبوط، كنت أمام عمارة بحي الدقي شارع النهضة عمارة هيئة التدريس، حيث يقطن الدكتور شوقي ضيف... استقبلتني زوجته السيدة "بلقيس"، استقبالا خلف أثرا بليغا في نفسي... و تجاذبنا نحن الثلاثة أطراف الحديث في الأدب والنقد و البلاغة و السياسة و الأنساب و العادات و التقاليد و الأمراض... و سجلت الحديث الذي دار بيننا صوتا و صورة، و منه   ننشر هذه   المقتطفات...

    خلفت هذه المعاشرة العلمية انطباعا عميقا في نفسي جعلتني أؤكد أن د. شوقي ضيف واحد من الأساتذة العظام الذين تركوا أعظم أثر في نفس كل من جالسهم وحاورهم وزاروه على اختلاف أمصارهم وتياراتهم الفكرية وأوطانهم العربية، فهو من الأساتذة النادرين الذين وهبوا حياتهم بأكملها للبحث العلمي وعكفوا على التراث الأدبي واللغوي قل نظيره بين الأساتذة الكبار، وهو من القليلين الذين يجتمع عليهم القول والرأي في هذا الزمن. 

      لقد أحزنني رحيله كثيرا، فقد كنت أرى فيه نموذج المثقف والعالم المتواضع الذي يعطي في صمت دون أن ينتظر أجرا.كنت أرى فيه العاشق الفعلي للغة العربية ولو لم يكن كذلك لما ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات من أبرزها الإنجليزية والفرنسية التي ترجم إليهما كتاب "عالمية الإسلام"والصينية كتاب "الأدب العربي المعاصر" والإسبانية والإيرانية كتاب "النقد الأدبي".كنت أرى فيه آخر سلالة عهد العباقرة وآخر الرجال الموسوعيين الكبار.

      كان شوقي ضيف تلميذا نجيبا لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ولد يوم 13 يناير 1910 بمحافظة دمياط، شمال مصر، و تخرج من قسم اللغة العربية سنة 1935 في جامعة فؤاد الأول، حصل على الماجستير بمرتبة الشرف سنة 1939، وكان موضوعها "النقد الأدبي في كتاب الأغاني للأصفهاني"، و حصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الممتازة سنة 1942.

     و أنت تجوب بعينيك جدران بيته أولا تصادفك مجموعة من اللوحات التقديرية والأوسمة و الدروع التي كرم بها الفقيد في مصر و في العواصم العربية.فقد حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة1979، وجائزة مبارك –أرقى الجوائز المصرية- عام2003، وجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي سنة           1983، وحصل على درع جامعة القاهرة، ودرع المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ودرع فارس للثقافة الجماهيرية المصرية.ثانيا، تلاحقك مجموعة من الصور مع كبار المثقفين والمسؤولين في الدول العربية التي كانت قد دعْته كأستاذ زائر، فذهب إلى جامعة بيروت العربية سنة 1963، وجامعة بغداد سنة1968، وجامعة الرياض سنة1973، وشارك في تأسيس قسم الدراسات العربية بالجامعة الأردنية سنة1966، وكذا جامعة الكويت سنة 1970، عمل محررا في مجمع اللغة العربية وانتخب عضوا بالمجمع عام 1976، فأمينا عاما له سنة 1988، فنائبا للرئيس سنة 1992، فرئيسا له سنة 1996 حتى وفاته.

     يزيد من إعجابك به وإكبارك وإجلالك لشخصه واندهاشك لعبقريته ثقافته التراثية العميقة ونباهته النقدية ورصانته المنهجية، وأنت تتصفح مؤلفاته التي أثرت المكتبة العربية. فكل ما أنجزه هذا العالم الأديب كما وكيفا يشكل حالة نادرة من حالات الرهبنة العلمية والتصوف الفكري والإخلاص الأكاديمي، فقد تجاوزت مؤلفاته 70مؤلفا تنوعت بتنوع العصور المختلفة التي تناولتها ابتداء من العصر الجاهلي وانتهاء بالعصر الحديث، كما تناولت عددا من الظواهر الأدبية المتنوعة في مجال الدرس الأدبي حيث أفاد كثير من الطلاب والباحثين والدارسين، ودرست مؤلفاته في الجامعات المختلفة من العالم العربي.

يعتبر كل من كتاب "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" و"الفن ومذاهبه في النثر العربي" من أهم مؤلفاته، فقد كان الأول رسالة الدكتوراه التي حضرها تحث إشراف الدكتور طه حسين، فهو كتاب مبني على فرضية مؤداها أن الشعر العربي بدأ بمرحلة "الطبع" وانتقل منها إلى مرحلة "الصنعة" التي انتقل منها إلى مرحلة "التصنيع"وأخيرا مرحلة "التصنع"التي أدت بالشعر إلى العقم والانحدار، كانت بذرة صيغة التطور الشعري عبر مراحل أربعة:"طبع وصنعة وتصنيع وتصنع"، مأخوذة من أفكار أستاذه الدكتور شوقي ضيف رعى هذه البذرة فأثمرت رسالة الدكتوراه التي تحولت فيما بعد إلى مؤلف ضخم.

       وبنفس النفس وعلى نفس النهج سار يؤرخ للنثر في الأدب العربي فجاء كتابه الثاني:"الفن ومذاهبه في النثر العربي" يعتمد البحث عن المتغيرات الفنية الأدبية، ومختلف التحولات عبر جميع المراحل التي عرفها النثر العربي. فجاء الكتابان خلاصة إبداعية فريدة ممنهجة تلمس العمق في النص الأدبي والنقدي وتتبع مراحل الشعر والنثر وتضع اليد على مكمن الضعف والقوة في كل منهما.

   ظل هذا العالم الجليل يعمل في دأب وإصرار ما يقرب من ثلاثين سنة لكي ينجز موسوعته عن الأدب العربي في عشرة أجزاء وهي:العصر الجاهلي، العصر الإسلامي، العصر العباسي، عصر الدول والإمارات الممتدة من سنة334هـ إلى مشارف العصر الحديث والذي تعرض فيه لتاريخ الشعر في الجزيرة العربية و العراق و إيران و هو الجزء الذي يكتمل بالجزء السادس عن الشام في عصر الدول والإمارات. و بعده الجزء السابع من العصر نفسه في مصر، أهدانا هذه النسخة لما أخبرناه أننا نشتغل على هذه المرحلة-مرحلة الممالك في مصر-و أن هذه النسخة شبه نادرة في المكتبات المغربية... و يلي هذا الجزء الثامن في الأندلس، أما الجزء التاسع فكان عن ليبيا و تونس و صقلية بينما انفرد الجزء العاشر و الأخير بالأدب في الجزائر و المغرب الأقصى و موريتانيا و السودان.

      و المتصفح لهذه الموسوعة الشمولية يدرك أنه ذرة فريدة في عصرنا توضح صبر صاحبها و تراكم خبراته و تجاربه فهي من المراجع النادرة لقراءة الأدب العربي في حركة تطوره التاريخي و مقاربة مذاهبه و فنونه و مدارسه.  

    لقد ظل شوقي ضيف واعيا مدركا لدوره ومنهمكا في أداء رسالته حتى آخر حياته لم يعقه عناء السن و كهولة الجسد و وهن العظم و اشتعال الرأس شيبا، فغطى مساحة واسعة من الدراسات الأدبية والنحوية أثمرت عشرات الكتب والمؤلفات.

    حـقـق الدكتور شوقي ضيف العديد من أمهات مصادر اللغة العربية، و منها:

1.    الرد على النحاة لا بن مضاء القرطبي.

2.    القسم الخاص بالأندلس من كتاب المغرب في حلي المغرب " لا بن سعيد.

3.    السبعة قراءات لا بن مجاهد.

4.    الدرر في اختصار المغازي و السير لا بن البر.

5.    نقط العروس في تواريخ الخلفاء لا بن حزم، و هي رسالة نشرت في الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر لمجلد كلية دار العلوم.

6.    رسالة الصاحب بن عباد.                                               

   كان شوقي ضيف نحويا متضلعا في علم النحو، لغويا متعمقا في علوم البلاغة والبيان، عاشقا للتاريخ، ناقدا بناءا، متخصصا في الدراسات الأدبية بدون منازع. ألف عشرات الكتب في البلاغة و النحو و اللغة و التفسير القرآني والحضارة الإسلامية و الشعر و النقد التطبيقي و غيرها... اتسمت بأسلوب جزيل و عذوبة فياضة و فصاحة واضحة و بيان بليغ تشعر القارئ بمعنى الدأب و التحصيل و التأليف و تعلن لك في وضح النهار أن صاحبها لا يعرف معنى للتعب، و لا يعترف بسن معينة في القراءة و الكتابة، فحياته برمتها رحلة عطاء في كافة المجالات التي رادها، فقد قضى 95 من عمره باحثا و ناقدا وحارسا للغة العربية، و أسيرا للحرف و راهبا للتفسيرات القرآنية.

     لم يكن الراحل صاحب منازلة أدبية أو معارك نقدية مع أحد بل فضل أن يكرس حياته للعلم و التأليف، و قد كان أهم موضوع أثاره هو قضية تجديد النحو الذي شاركه فيها الكثير من اللغويين و الأدباء في مصر و العالم العربي مثلث ساعتها ثورة ظاهرة على تعليلات النحاة، و كان الهدف من ذلك هو تسيير القواعد العربية على الناشئة حيث حقق الراحل كتاب ابن المضاء القرطبي الذي كانت له مآخذ على تعقيدات نحوية... فألف بذلك ثلاث كتب تتعلق بتحديد النحو و ليس هذا بغريب عنه، و هو الذي ترأس مجمع اللغة العربية بالقاهرة حتى رحيله.

    و لعل الدكتور عبد المنعم تليمة الذي كان رفيق طريقه اليومي من المنزل إلى المجمع أكثر القادرين على الوصول إلى مفاتيح شخصية الراحل حيث لديه من الذكريات المشتركة الكثير ومن المواقف الخاصة الشيء الأكثر، فقد صرح لجريدة الرياض في عددها 13413 بتاريخ 17 مارس 2003 قائلا:"لدينا رواد و عباقرة أيضا مجتهدون و لكني أفتش منذ زمن عن كلمة "شيخ" حتى وجدتها مجسدة في شخصية الدكتور شوقي ضيف، فهو فعلا الشيخ بالمعنى الكلاسيكي، حيث يجمع بين العلم الموروث و يجيد تربية تلاميذه."

    غاب الدكتور شوقي ضيف الناقد العلامة الأديب و الأستاذ الجامعي و هو لا يرجو من المنتفع بعلمه إلا أن يرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه و تعالى ويتمنى له من العلي القدير أن يتغمده بالرحمة و يشمله بعفوه و مغفرته و أن يسكنه فسيح جناته و أن يخفف عليه ضائقة القبور. و إن لله و إنا إليه راجعون.

"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية  وادخلي في عبادي و ادخلي جنتي."

    صدق اله العظيم