الشعرية العربية، الأنواع والأغراض.

لرشيد يحياوي.

بشرى تاكفراست

     أستاذة جامعية –مراكش-المغرب

 

   (نشر هذا المقال بمجلة حوليات كلية اللغة العربية بمراكش/المغرب-العدد السابع 1996)

 

      نود في هذه الجلسة العلمية أن نساهم بقراءة لكتاب الأستاذ رشيد يحياوي:" الشعرية العربية: الأنواع والأغراض. " من منشورات إفريقيا الشرق عام 1991. وفي البدء نقول:

  إن اللقاء بين النص والقارئ هو لقاء بين سلطتين: سلطة النص وسلطة القارئ، ومنذ البدء ينكشف طرفا الصراع، فالقارئ يريد أن يكشف النص في ضوء سلطته، و النص يريد أن يفرض وجوده على القارئ. تتمثل هذه السلطة في جهة النص في المحيط العام و الخاص الذي أفرزه و الحضارة التي ينطق باسمها و الموقف الاديولوجي الذي ينطوي عليه. وبشكل أدق في كونه ينطوي على أكثر من دلالة لذلك فهو في حاجة أكثر من تأويل وإعادة قراءة... واختلاف هذه الممارسة السلطوية من نص إلى آخر، ومن قارئ إلى آخر، كان وراء تعدد أنماط القراءة التي تمارس على النص الواحد و ما النص الثراثي إلا واحد من هذه النصوص.

 

    فالحديث عن التراث العربي الإسلامي في زماننا هذا متشعب ومعقد المدارج والمستويات ولعل السبب في ذلك أنه لا يعرف التوحيد في الدلالة بل يتحدد في كل قراءة ومع كل قارئ بشكل جديد وغير منتظر. ومن هنا تأتي صعوبة الاضطلاع به و الخوض فيه، ولا تتأتي إمكانية التغلب على هذه الصعوبة إلا بتحقيق شروط المعرفة الموسوعية، والتكوين المنهجي الرصين.ومن عجز عن هذا تحول الحديث التراثي لديه إلى هرج ولغو ليس غير.وبالفعل، كم من متحدث في أيامنا عن قراءة التراث وإعادة قراءته يكون أبعد المثقفين عن استيعابه والإلمام به، وكم من كتابات تراثية تكشف في وضح النهار عما يَعْتَوِِرُهَا من تلفيقية واهتزاز؛ وكم من دراسات نقدية للتراث تلحظ من البداية أنها زاغت عن عين الصواب في فهمه وتقويمه لسبب من الأسباب.

 

  بعيدا عن هذا المناخ السطحي المرهف نقول: القراءة ممارسة و التجربة الإبداعية ممارسة وكل واحدة منهما حين تمارس في علاقتها بالأخرى تقدم إنتاجا. وبالفعل، فقد قدمت لنا تجربة الأستاذ رشيد يحياوي قراءة غنية جعلتنا نكبر فيه هذه الجرأة العلمية، وهذا العناق الحار لأمهات الكتب القديمة وهو يحاورها. ونظرة إلى لائحة مصادر هذا الكتاب الذي انطنا بقراءته تكشف عن ذلك.

      وقراءتي لهذا الكتاب لا تقف عند مواجهة النص المقروء، عن طريق تفكيك بنيته وإلحاق هذا العمل بأحكام قيمة له أو عليه، وإنها قراءة طموحها الأساس هو فهم هذا المقروء، وهي تحتك معه.

   فالكتاب رغم صغر حجمه مادة غنية في الأدب و النقد والبلاغة والعروض يستعرضها الأستاذ على ألسنة أصحابها عبر مقدمة وفصول. فتستهل المقدمة بحديث المؤلف عن الشعر الذي يعرفه قائلا: " واصطلاح " الشعر " لا يدل في حد ذاته على نوع معين دون غيره، فهو يحمل معنى التعدد وكثرة الأنواع، لأن الشعر ليس نوعا واحدا، وإنما هو عدة أنواع".(1)

وبذلك يتجاوز التعريف التقليدي للشعر الذي طالما تردد في بطون الكتب و القائل: " الشعر كلام موزون مقفى دال على معنى" (2) ثم يبدأ في سرد التصانيف الشعرية التي حددت أنواع الشعر مع كل من أبي زيد القرشي وكتاب " الجمهرة" وابن سلام الجمحي وكتاب " طبقات فحول الشعراء"، وغيرهما.

       أما الفصل الأول: من الكتاب فهو حديث عن التصنيف الكمي للشعر الذي يقسم الشعر من جهة كم الأبيات الشعرية فيميز بين " اليتيم " والنتفة" والقطعة و القصيدة" ويستعرض مجموعة من المصادر التي تناولت هذا التقسيم منها.

1.    أساس البلاغة للزمخشري.

2.    ديوان الحماسة لأبي تمام.

3.    إعجاز القرآن للباقلاني.

4.    العمدة لابن رشيق.

5.     منهاج البلغاء لحازم القرطاجني.

ثم يعرض لتصنيف ابن وهب للشعر في مؤلفه " البرهان في وجوه البيان " إلى:

1.    القصيد 2- الرجز 3- المسمط 4- المزدوج.

ثم تصنيف صفي الدين الحلي في مؤلفه" العاطل الحالي والمرخص الغالي " ثم حسين نصار إذ يصنف الشعر في ثلاث خانات:

6.    معربة: وتضم القريض، الدوبيت، الموشح.

7.    نصف معربة: وتضم المواليا.

8.     غير معربة: وتضم الزجل، الكان وكان، القوما.

 أما في الفصل الثاني من الكتاب فيتناول الأغراض الشعرية عند القدماء في ضوء نظرية الأنواع الأدبية الغربية دون أن يسأل المؤلف هل التراث قابل أن يظهر في تلك القوالب الغربية الجاهزة ؟ وهل هو قابل للحوار معها؟... ومن هذه التصانيف التي يُجَرِّبُهَا المؤلف على التراث:

1.    التصنيف الصيغي.

2.    التصنيف الهرمي.

3.    الانتقاء التحليلي.

4.    التصنيف النفسي.

 أم الفصل الثالث: يعرض فيه تصنيفات تباشر الأنواع الشعرية من حيث:

5.    البلاغة.

6.    المنطق.

7.     شعر / نثر.

8.    حكم المفاضلة: يبتدئ المؤلف بالحديث عن المفاضلة عند اليونان ويخرج بنتيجة مفادها أن أفلاطون" يفضل الشعر الغنائي (3) وهذه نتيجة تحتاج إلى نظر، فأفلاطون لم يرفض من الشعر الغنائي ولم يقص من جمهوريته إلا الشاعر الذي يهدف إلى إحداث المتعة، لأن خطورته الكبرى تكمن فيما يبعثه في قلوب الآخرين من اللذة و الطرب. فإن كثيرا من الفضلاء الذين ينبغي أن تحذو حذوهم قد أبعدوا أنفسهم عن هؤلاء الذين يلهبون العواطف ويثيرونها ويغررون بالشباب ويفسدون أخلاقهم، لذلك عد أفلاطون الشعر الغنائي مفسدا للأخلاق، وأوجب على شباب أثينا الابتعاد عنه واعتبر أن الشعر الذي يجب أن يسمع ويحتدي به هو الشعر الملحمي لإشادته بالبطولات.

  الفصل الرابع: تحدث فيه المؤلف عن بعض نقط الاتفاق بين الخطابة و الشعر وبين الرسالة والشعر.

  ومع الأهمية العلمية التي يزخر بها الكتاب فهذا لا يمنع من أن نستسمح المؤلف في تسجيل بعض الملاحظات الجزئية التي نشهد منذ البدء أنها لن تقلل من قيمة هذا العمل، ولن تدني من قدره، بقدر ما نود أن نطلب من الأستاذ الجليل رشيد يحياوي السماح لنا بوضع لبنة تساعد بشكل أو بآخر على توطيد بناء هذا العمل حتى يخرج للقراء في أبهى حلله، إيمانا منا بأن هذه: قراءة استكمالية فهي مكملة للموضوع عن طريق إعادة النظر فيه من زوايا غابت قصرا أو سهوا عن المؤلف.

 

ملاحظــات في اللغـــة و النحـــو

 

  في صفحة1: " و النقد العربي كان مدركا لهذا الواقع التعددي للغة الشعرية، فقسم الشعري تقسيمات كثيرة. " والصواب: فقسم الشعر تقسيمات كثيرة لأنه مفعول به منصوب وياء النسبة غير ضرورية لغياب المنسوب إليه وإلا لقلنا فقسم النوع الشعري/ أو النمط الشعري /أو ما هو شعري، أو شيئا من هذا القبيل.

 

  في صفحة 2: " ويضم أبو زيد القرشي تصنيفا طبقيا للشعري." والصواب: للشعر، اسم مجرور بلام الجر وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره بدون ياء النسبة لغياب المنسوب إليه.

 

  في صفحة 12: " ومع أهمية اليتيم الشعرية " الصواب: اليتيم الشعري لأن الموصوف مذكر الذي هو "اليتيم" والصفة تتبع الموصوف في كل حالاته الإعرابية من أفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث...

 

 في صفحة 13: " أما الشعراء الذين اشتهروا بالإجادة في المقطعات فيذكر منهم ابن رشيق: بشار ابن برد، وعباس بن الأحنف..." ونحن هنا أمام الملاحظات التالية.

1.    أن الأستاذ رشيد يحياوي لا يحترم قاعدة العطف إذ من الأجدر به أن يقول: " بشارا بن برد وعباسا بن الأحنف، " وتكون عباسا معطوف على بشارا."

2.    إن الأستاذ لا يحترم ضبط النصوص، وإلا بماذا يفسر نقل الصواب خطأ، إذ لما عدت إلى الكتاب العمدة ج 1 ص 188 وجدت النص على الشكل التالي:" وأشهرهم: بشار بن برد، وعباس بن الأحنف والحسن بن الضحاك وغيرهم..."

 في صفحة 40: يقول الأستاذ: " الآن نتكلم عن الشعر الذي للعرب.." وأقول " نتكلم في الشعر الذي للعرب..." فمعاني حروف الجر متميزة ومتعددة.

  فعن تفيد: - المجاورة كقولك: سافرت عن البلد.

9.    البدل كقولك: قم عني بهذا الأمر.

  في حين تفيد "في" معان أخرى كالظرفية مجازا كقولك: نظرت في الأمر أو حقيقة كقولك: الماء في الإبريق أو التعليل كقولك: قتل الرجل في ناقته، بسبب ناقته إذا، فمعاني حروف الجر متعددة وكثيرة يجب احترامها والإلمام بأهمها.

 وفي صفحة 84 يقول الأستاذ:" فجعلوا "قواعد " للشعر ونسبو الشرب للطرب." نلاحظ غياب الألف أمام واو الجماعة في "نسبوا" ومثل هذا كثير في الكتاب.

       كثير ما يستعمل الأستاذ مصطلح " شفوي انظر مثلا صفحة 119. والصواب شفهي، ففي لسان العرب مادة "شفه" المشافهة المخاطبة من فيك إلى فيه، والحروف الشفهية:

الباء و الفاء و الميم، ولا تقل شفوية انتهى قول ابن منظور.

 

ملاحظــــات تركيبيـــة

 

 في صفحة 13 يقول الأستاذ:" ليس من السهل كتابة مقطوعة يكتب لها النجاح و الرواج فذلك يتطلب قدرة خاصة على ضغط المعاني والتقاط النادر منها." ما معنى ضغط المعاني؟ !

   وفي صفحة 52 يقول الأستاذ: " إذا كانت هذه الصفات متحققة في دراستهم لأنواعية الشعري..." وهنا نسأل: إذا كانت كلمة الأنواعية.

جمع " نوعية " المترجمة عن Spécificité

و جمع " نوعي " المترجمة عن Spécifique

  فلماذا لا نستعمل: أنواع الشعر ونكون أكثر دقة بعيدين عن الإبهام و التمويه الدلالي الذي يخلقه تركيب الأنواعية الشعري: أم هذا باب من أبواب " الموضة" في اللغة.

     في هامش 32 ص 70 استعمل الأستاذ التعبير التالي:" نسجل هنا تناقضا." وهذا حكم أرى من البعيد إصداره في حق ابن رشيق، فإذا كان هذا الرجل متناقضا فثلث كتابك نصوص من كتابه " العمدة" تستشهد بها لتدعيم آرائك.

 

ملاحظات حــول ضبط النصــوص المنقولة

 

 وأنا أسجل هذه الملاحظات حول ضبط النصوص المنقولة كنت أردد قولة أحد أساتذتنا الأجلاء حين كان يقول:" إن أخطر ما في البحث العلمي الدقة و التوثق والمسؤولية."أجل ،فالدقة  واجبة و التوثيق ضروري وكل زيادة أو نقصان مسؤولية لما يؤديه من خلل في المعنى ، شيء لم يع به  الأستاذ رشيد يحياوي في نقله للنصوص. وقد تابعتها معه نصا نصا ومن نفس الطبعات التي أشار إليها.

     ففي صفحة 15 جاء الأستاذ بالنص التالي:"... أركان القصائد التي بها يجعل التئام القصائد على أفضل هيئاتها " والأصل التي بها يكمل.../ ويكمل غير يجعل في الدلالة.

 

     وفي صفحة 33 نلاحظ تكرار لفظ " غلبك " وهو غير مكرر في النص الأصلي، وهو كالتالي: " وكان ذو الرمة مستعليا هشاما لأحد الرجاز حتى لقي جرير هشاما فقال غلبك العبد،  يعني ذا الرمة.."

    و في صفحة 40 أورد الأستاذ نصا لابن خلدون يقول فيه " الآن نتكلم" والأصل إنما نتكلم. وقوله:" نتكلم عن الشعر، " والأصل" نتكلم في الشعر".

- وقوله:...إذ هو كلام مفصل قطعا في الوزن. والأصل: "إذ كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن." إذ بِحَذْفِ " قطعا"الثانية قرأت " قطعا" الأولى "قطعا" وأريد بها التأكيد والأصل فيها التجزئ.

     وفي صفحة 64 أورد النص التالي:" إن الفخر هو مدحك نفسك بالطهارة و العفاف والعلم."والأصل:"...و العفاف والحلم والعلم."

   و في صفحة 71 جاء الأستاذ بالنص التالي: كما أن البخل من الواجد القادر أشنع منه من المضطر العاجز.. والأصل:" كما أن البخل الوافر القادر.."

   وفي صفحة 88 استشهد الأستاذ بالنص التالي:" ولما كانت أغراض الشعر شتى وكان منها ما يقصد به الجد و الرصانة وما يقصد به الصغار و التحقير." والأصل "ولما كانت أغراض الشعر شتى وكان منها ما يقصد به الجد و الرصانة وما يقصد به الهزل و الرشاقة، ومنها ما يقصد به البهاء و التفخيم وما يقصد به الصغار و التحقير".

    وفي صفحة 91 نقل الأستاذ النص الآتي." فلكل واحد من الامر نهج." و الصواب :" فلكل واحد من الأمرين نهج".

  كثيرا ما يقطع الأستاذ الشاهد و بالنفس ظمأ للمزيد لتأكيد المراد ومثال ذلك ما وقع لنص ابن طباطبا حين كان بصدد تحديد أوجه التخلص من غرض إلى غرض قائلا:" يحتاج الشاعر إلى أن يصل كلامه على تصرفه في فنونه صلة لطيفة، فيخلص من الغزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى... ومن الاباء والاعتياص إلى الإجادة و التسمح بألطف تخلص." هنا ينتهي استشهاد الأستاذ رشيد يحياوي ولكن أين هي أوجه التخلص من غرض إلى غرض الذي من أجله جاء بهذا النص ؟ بالطبع، تكمن في ما بعد هذا الكلام في قول ابن طباطبا" بألطف تخلص وأحسن حكاية، بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله بل يكون متصلا به ممتزجا معه، وأحاطه بالمراد الذي إليه يسوق القول بأيسر وصف وأحق لفظ لم يحتج إلى تطويله وتكريره".

 

ملاحظات حول الهـــوامــــــش.

 

  لم يستقر الأستاذ على طريقة واحدة في تحديد ورسم هوامشه

9.    فتارة يكتب عنوان الكتاب دون صاحبه ولا يكلف نفسه عناء الإشارة إلى صاحبه في المتن كأن يذكر"إعجاز القرآن" مثلا دون أن يذكر صاحبه هل هو الباقلاني؟ هل هو مصطفى صادق  الرافعي أم غيرهما، ممن عنونوا مؤلفاتهم بهذه التسمية مثال ذلك:

1.    هامش 6 ص 12.

2.    هامش 68 ص 42.

3.    هامش 33 ص 54.

10.                      ومرة يكتب اسم المؤلف و المؤلف فيبدأ باسم المؤلف ويثني بعنوان المؤلف.

11.                      وثالثة يعكس العملية فيبدأ بعنوان المؤلف ثم يثني باسم المؤلف.

12.                      ورابعة يكتفي بواحد منهما: إما عنوان المؤلف أو اسم المؤلف.

13.                      وخامسة يكررهما معا بدون مبرر لذلك انظر هامش 4 ص 120.

 

ملاحظـــــــــــات عامــــــة

 

  نرجو أن يتقبل الأستاذ رشيد يحياوي هذه الملاحظات بصدر وإيمان علمي قوي أساسه قولة الإمام مالك الشهيرة: كل يؤخذ كلامه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر، فأشار إلى قبر الرسول (ص) بالمسجد في المدينة المنورة.

 

 الملاحظة الأولى: العنوان شاسع وضخم، إذ يسمح بدخول قراءات متعددة وطرح أسئلة كثيرة منها: عن أية شعرية يتحدث الكاتب؟ عندما يسمع القارئ " الشعرية العربية" يتبادر إلى ذهنه أن الأستاذ سيهتم بذلك العلم الذي تحدد بدقة عند الشعريين الأوربيين منذ إثارته مع جاكبسون ولكن القارئ يفاجأ بتحديد الأستاذ حين يقول:" نريد بالشعرية العربية مجموع المبادئ التي أسست عند العرب تصورهم للنمط الشعري في علاقاته الداخلية و الخارجية" فيعرض للاتجاهات النقدية لتصنيف الأغراض الشعرية فيذكر منها:

14.                      الاتجاه الصيغي المعتمد على الصيغ اللسانية لتوليد الأغراض ص 61.

15.                      اتجاه الانتقاء التحليلي ويميل إلى اختيار ما هو رئيس في أغراض الشعر وأكثر شيوعا ليحللها. ص 67.

16.                      الاتجاه النفسي ويميل إلى جعل حالة أو حالات نفسية أصلا للغرض الشعري ص 84 و السؤال المطروح: هل يريد الأستاذ "بالتصور" الدراسة أم النقد؟ فإن كان يريد الدراسة، فما هي ضوابط هذه الدراسة وهل المعرفة العلمية بالأشياء مجرد تفكيك وتحطيم ؟ وبذلك تصبح الدراسة جلبابا يبرر شرعية الدراسات كيفما كانت، سواء كانت نفسية أم لغوية..كما هو ملاحظ من تصنيف الأستاذ، فيجعل من موضوع الغرض الشعري واقعة لغوية أو معطى نفسيا. وهذا مناقض للتصور الشعري، لأنه يصنف أغراض الشعر من خلال مناهج غير شعرية (علم النفس/اللسانيات).وإذا كان يريد بها النقد،فإنه سيجد نفسه أمام دور الناقد الذي يعطي لنفسه سلطة إصدار الأحكام،  ونصبح أمام أحكام قيمة ومعايير وضوابط يشكلها الناقد هي في جوهرها ضوابطه الخاصة. وهذا من شأنه أن يبرر تضارب الأحكام وتناقضها في القضية الواحدة.

 

الملاحظة الثانية: إن قراءة الأستاذ غلبت عليها الانتقائية، وهو أعلم الناس بأن العمل الانتقائي للنصوص هو السبب في ضياع جوانب كثيرة من ثراتنا في نقد الشعر بصفة خاصة وجعله عرضة للضياع والإهمال..

الملاحظة الثالثة:  الكتاب حقل استعراضي لمجموعة من الأقوال. والاستعراضية ليست لغة علمية ولا تفيد العلم في شيء، إذ بقينا نطرح السؤال التالي: ماذا قدم الأستاذ رشيد يحياوي في قراءته للتراث؟ ما جديد الأستاذ إذا حذفنا تلك الأقوال التي استشهد بها؟

(لن يبقى إلا أدوات الربط البسيطة)

 

الملاحظة الرابعة: ما دمنا نقرأ التراث فيجب أن نقرأ بأدواته هو، ولا ندخل عليه أدوات من ثقافتنا الحديثة ونسقطها عليه إسقاطا، ونقحهما فيه إقحاما قبيحا، فالمعجم العربي مليء بالمصطلحات الكافية لتأدية كل المعاني، فلا داعي لإعارة مصطلحات من ثقافة الآخر مثل:" ميكانيزمات" الميتولوجيا"، «فيروسات"...ولا أكتمكم سرا فلا علم لي أن الشعرية تعاني من داء فقدان المناعة وأنها تحتاج إلى تلقيح ضد هذا الداء كما أشار الأستاذ في كتابه.

 

الملاحظة الخامسة: لست أدري بأي معنى يقحم الأستاذ يحياوي بعض النصوص إقحاما كبيرا مع أنها لا تفيد الموضوع لا من قريب و لا من بعيد. فمثلا حين كان الحديث عن مفهوم الغرض، جاء الأستاذ بتعريف للغرض في "لسان العرب" ثم انتقل لتحديده عند حازم القرطاجني فيما سماه" بجهات الشعر" وبعد هؤلاء جاء برأي "لتوماشفسكي" في نظرية الأغراض" ضمن نظرية المنهج الشكلي الروسي، ولم يكن غائبا عن الأستاذ أن" "توماشفسكي" كان يتحدث عن الأنواع الأدبية المكتوبة الموجهة إلى جمهور كبير من المثقفين، في حين أن الشعر القديم( الشعر الجاهلي) كان ارتجاليا موجها إلى فئة معينة هي جمهور الرواة و النحاة، ونفس الشيء نصادفه في ص 108 ولكن بصيغة أخرى، ففي بداية حديث الأستاذ عن حكم المفاضلة أشار إلى أفلاطون وأرسطو ثم انتقل للحديث عن المفاضلة عند العرب.

   فلماذا أفلاطون وأرسطو ونحن نتحدث عن الشعرية العربية ؟ ثم إثارة الأستاذ إليهما لم تفد الموضوع في شيء بدليل أن بحذفهما تجد نفسك في صلب الموضوع.

 

 الملاحظة السادسة: في هامش 30 من صفحة 129 أحالني الأستاذ على كتاب آخر له بقوله:" ولتمثيل منهجنا في هذه الدراسة يستحسن العودة لكتابنا: مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية. " وبالفعل عدت، فوجدت نفسي محالة على دراسات غربية لفهم التراث العربي، وكنت آمل العكس من مثقف عربي،  فلماذا تخلى على أبي هلال العسكري وابن رشيق وابن وهب الكاتب لفهم التصنيف الهرمي في الشعر عوض "جرار جنيت" في القصة القصيرة و الرواية ! وإلى قدامة بن جعفر وابن طباطبا وحازم القرطاجني لفهم التصنيف الانتقائي التحليلي في الشعر عوض بوريس ايخنباون وسلوفسكي وكلاهما في مجال القصة القصيرة والرواية. لماذا تتعالانا صيحات الإعجاب ونصفق بحرارة للنتائج التي وصل إليها آخر، ونهمل ما عندنا ولا نرفع من قيمته؟ وهل لنا أن نقرأ التراث العربي بعقلية الآخر ؟ شيء مرفوض، فلا يقرأ التراث ولا يحاور إلا بأدواته و لا يحاكم إلا بمفاهيمه  بدون إقحام ما لم يخطر بعقول أولئك المؤلفين القدماء من نظريات وآراء، ولا نستعير له أدوات  ومفاهيم الآخر ُنجرّبها عليه، إيمانا منا بأن لكل أدب أشكال تعبيره الضرورية التي لا تقتصر على تكوينه فحسب بل تشمل المفردات والنحو وأشكال البلاغة والأدوات الفنية التصويرية. إننا لا ترفض المثاقفة ولكن دون أن نتجاهل الفروق الأساسية الموجودة بين الأدب العربي وغيره من الآداب الأوروبية بما يستتبعه ذلك من تفاوت كبير في:المنهج و الموضوع و الوسيلة، إننا لا نرفض الاستفادة من تجارب الآخر ولكن نرفض أن يحتوينا هذا الآخر ونجعل من معارفه قوالب نصب فيها التراث العربي بطريقة قد لا تتفق و التراث بل يرفضها ويأباها ونكون بعملنا قد شاركنا في قتل النص التراثي وإخماد أنفاسه قبل الأوان.