أدوات إنتاج النص الشعري كما صورها النقد العربي القديم

بشرى تاكفراست

أستاذة جامعية –مراكش-المغرب

 

 

 (شاركت بهذه المداخلة في ندوة تلقي النص الشعري القديم بين القديم والحديث نظمتها مجموعة البحث في اللغة والأدب، وحدة أسئلة الإبداع في الشعر العربي، يومي:26-27فبراير2004)

 

   التراث النقدي العربي غني فيه من الخصوبة والثراء ما مكنه من معالجة الكثير من القضايا النقدية الكبيرة، يمت كثير منها بقضايا النقد الحديث، وما تزال تشغل المباحث والاهتمامات النقدية الحديثة.

   ولعل ما استقر فيه النقد العربي من أن الشعر ضرب من ضروب الصناعات، اقتضى أن تكون لتلك الصناعات أدوات أو وسائل...ولو تتبعنا معنى الشعر، ومراد فيه: القريض والقصيد في المعاجم لوجدنا أن من معانيها:الصنعة و الاستعداد، والتهيؤ، وشحذ الآلات.

  وقد انتشرت فكرة الصنعة منذ وقت مبكر بين النقاد، وظلت تدور في كتبهم، فهذا ابن سلام يقول:" للشعر صناعة وثقافة"(1)، وإلى جانبه الجاحظ الذي يقول: " إنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير".(2)، كما تشع فكرة الصناعة في حديث ابن طباطبا حين يعرض بنظام غريب خطوات كتابة الشعر، من مخض المعنى في الفكر نثرا، إلى إعداد الألفاظ وانتقاء الوزن والقوافي فإعادة النظر فيه بعد كتابته، ويجعل الشاعر مثل"النساج الحاذق الذي يفوف وشيه.. والنقاش الرقيق الذي يصنع الأصباغ في أحسن تقسيم.. وناظر الجوهر.."(3) ومبدأ تشبيه الشاعر بأرباب الصناعات: النساج والنقاش وناظم الجوهر يشير بقوة إلى إدراج الشاعر معهم في سلك واحد، ويتضح هذا الأمر بجلاء عند الأمدي وابن سنان الخفاجي، حيث يقول الأول:" زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا توجد و لاتستحكم إلا بأربعة أشياء"(4)، أما الثاني فيذهب إلى أن كل صناعة من الصناعات فكمالها بخمسة أشياء... وإذا كان لأمر على هذا، ولا تمكن المنازعة فيه، وكان تأليف الكلام المخصوص صناعة، وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام (5)، ولعل هذه النصوص تشير إلى حقيقة أن النقد العربي قد أدرك جوهر هذه القضية إدراكا واضحا، وبين بما لا يقبل الشك أن الشعر لا يمكن أن يكون وليد الطبع لوحده، وإن كان هذا الطبع من مستلزمات علمية الإبداع.

  وتحت ضوء ما تقدم نرى أن هذه الصناعة التي قال بها النقاد العرب، بحاجة إلى أدوات بالإضافة إلى الموهبة وبتكاملهما قادران على المجيء بشاعر مجيد، وهو ما حرص النقد العربي عليه.

  و قد أجمع النقاد الذين تعرضوا لقضية الأدوات على شرط لم يجتمعوا على غيره يرونه لازما ضروريا للشاعر وهو ذلك الشيء الفطري الذي يولد مع الشاعر والاستعداد الطبيعي الذي ينبع منه بغير إرادة، واصطلحوا على تسميته بالطبع، وهو أكثر المصطلحات الذي أخد حيزا مهما من جهود النقاد فهذا بشر بن المعتمر المتوفى سنة 210 هـ يشير في صحيفته المشهورة التي أثبتها الجاحظ إلى قضية الطبع. ويطلب من متعاطي صنعة الكلام، شعرا كانت أم نثرا، أن لا يرهق نفسه، ولكن " إن ابتليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة فلا تعجل و لا تضجر"(6)، فالطباع هنا الاستعداد لنظم، والقوة التي تعين عليه.

  ويتعرض الجاحظ المتوفى سنة 255 هـ للطبع والمطبوعين من الشعراء في مواضيع متعددة، من كتبه، وأهم نص يواجهنا هو الذي وقف فيه عند الشعر وأبان رأيه في قضية المعاني المطروحة في الطريق، إذ يرى الجاحظ أن الشعر هو في " إقامة الوزن، وتخير للفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وصحة الطبع، وجودة السبك"(7)، ومعه النص الذي يتحدث فيه عن ثـقيف إذ هم "أهل دار ناهيك بها خصبا، وهم إن كان شعرهم أقل، فإن ذلك يدل على طبع في الشعر عجيب" (8)، ومن الواضح أن الجاحظ في النصين يريد بالطبع تلك " الغريزة في الإنسان، والاستعداد الجبلي الذي يودعه الله من عباده من يشاء"(9).

  وإذا وصلنا إلى القاضي الجرجاني المتوفى سنة 366 هـ، نكون في مواجهة الناقد الذي أضاف لمصطلح الطبع إضافة مهمة، فهو يقول: "إن الشعر علم من علون العرب يشترك فيه الطبع، والرواية، والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه.." (10) ويقول أيضا:" وملاك الأمر في هذا الباب خاصة ترك التكلف ورفض التعمل والاسترسال للطبع وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست أعني بهذا كل طبع، بل المهذب الذي قد صقله الأدب، وشحذته الرواية وجلته الفطنة، وألهم الفصل بين الردئ والجيد وتصور أمثلة الحسن و القبيح"(11) فكلأن القضية كل لا يتجزأ، أول المراحل: الطبع، ولكن لا يمكن الركون إليه إلى ما لانهاية، ولا بد من روافد تغذية وتغنية، وهذه الروافد، من خلال التهذيب والصقل، تجعل منه شيئا آخر، إنه يبتعد عن أن يكون فطريا ساذجا، وينفصل عن مرحلته الأولى إلى مراحل أخرى فيها من النضج والتطور الشيء الكثير، فلم يعد الأمر مقتصرا على الطبع فحسب، بل طراز معين، مخصوص منه، حيث يكون أداة فاعلة بيد الشاعر، تجعله قادرا على القول الجيد، والانتقاء السليم للشعر.

  ونظفر بنظرة ثاقبة لموضوع الطبع عند ابن سنان المتوفى سنة 466 هـ، وهو يتحدث عن كمال الصناعات، وهي خمس، الآلة واحدة منها، «وأقرب ما قيل فيها أنها طبع الناظم، والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك، ولهذا لا يمكن لأحد أن يعلم الشعر من لا طبع له، وإن جهد في ذلك لأن الآلة التي يتوصل بها غير مقدورة لمخلوق"(12)، إن تأخير ابن سنان للعلوم المكتسبة، وتقديم الطبع يدل دلالة قوية على أن الاستعداد الشخصي، والموهبة هما العاملان الفعالان في خلق الشعر، وفيه تأكيد للجوانب الذاتية في الشاعر، وفسح المجال رحبا أمام إبداع الشاعر لينطلق ويحلق، ولذلك ينفي بصراحة مسألة تعليم الشعر، فهو غير قابل لأي صنف من صنوف التعليم أما تلك العلوم فمن الممكن تعلمها، واكتسابها، لتصلح لا لتوجد شاعرا، وهي لفتة مهمة أولاها ابن الأثير المتوفى سنة 637 هـ عنايته في غير موضع من كتبه:"...فصناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة... وملاك هذا كله الطبع، فإنه إذا لم يكن تم طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئا، ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد، والحديدة التي يقدم بها ـ ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك الحديدة شيئا"(13)، أليست هذه النار هي نار العبقرية، وجوهر الإبداع؟ ولذلك كان أصحاب تلك النار قليلين، إذ نراه يقصر المعاني المخترعة على فئة نادرة من الشعراء والكتاب، لآن الذي يختص بها يكون فذا واحدا يوجد في الزمن المتطاول" (14) ومن هنا يستبعد مقولة التعلم، لتحضره فكرة الموهبة حضورا قويا إذ " لا تتقيد تلك المعاني المخترعة بقيد أو يفتح إليها طريق يسلك، وهي تأتي من فيض إلهي بغير تعلم"(15)، فكأنه قد حسم هذه القضية في عبارته الأخيرة خصوصا، وفرق بين من يتعلم الشعر وهو لا طبع له، وبين صاحب الطبع الأصيل المزود بالآلات، وشتان بين الاثنين.

   ولم يكن لحازم القرطاجني المتوفى سنة 684 هـ أن يغفل الطبع، وهو يعالج قضايا ذات قد عال من الأهمية في كتابه " منهاج البلغاء وسراج الأدباء "، ولذلك عرض القضية وكأنها ذات مراحل، فالشعر صناعة آلتها الطبع "(16) فقد قرر منذ البداية أنه لن يكون هناك شعر حقيقي ما لم يوجد الطبع، ولم يترك المصطلح هكذا بلا تحديد، بل حاول أن يتعمقه، ويحاول محاصرة جوانبه حتى خرج بالنتيجة الآتية:"الطبع هو استكمال للنفس في فهم أسرار الكلام، والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحى به نحوها، فإذا أحاطت بذلك علما قويت على صوغ الكلام بحسبه عملا " (17) و لاشك أنه يتحدث هنا عن الطبع المهذب المصقول الذي لمحنا ظلاله عند القاضي الجرجاني، لأن فهم أسرار الكلام والبصيرة بالمذاهب والأغراض لا تتحقق لكل طبع، كما أن لفظة"الاستكمال" توحي بخطوات قبلها، وهذه الخطوات هي التي توصل إلى ذلك الطبع الذي يتطلبه حازم، ومما يقوي ما ذهبنا إليه هو أن حازما نفسه يؤكد أن الطبع وحده لا يمكن أن يصنع شاعرا لأن الطباع تضطرب، وتفسد مثل الألسنة التي يداخلها اللحن، فليس الطبع الذي يريده هو من جنس هذه الطباع، بل هو طبع سليم، يمتلك القدرة، و"القوى الفكرية:والاهتداءات الخاطرية، التي جعلها عشر قوي، وهذا لا يطبقه سوى طبع مدرب، ولهذا قال في مرحلة تالية بالتعليم، لأن " الطباع أحوج إلى التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها في الألسنة إلى ذلك في تصحيح مجاري أواخر الكلم"(18).

   وهنا تبرز مرة أخرى فكرة التكامل بين الطبع والأدوات، فكأن " العلم بالشعر جانبين متداخلين: جانبا فطريا مرتبطا بالحساسية التلقائية التي يتميز بها الشاعر، والتي تمكنه من إدراك ما لا يدركه الآخرون، وجانبا آخر مرتبطا بالتعليم، وإتباع الأصول المتعارف عليها.."(19) ولعل ما ذهب إليه حازم يكمل الصورة العامة عن هذه القضية من حيث الإلحاح على طراز معين من الطبع هو الكفيل، يخلق الشاعر مع الإطار والأدوات التي تدعمه وتقويه.

   وكان لابد للنقد العربي أن يكمل ما بدأه في قضية الأدوات بعد وقوفها الطويل عند الطبع. فليس في مقدور الطبع أن يقف وحيدا في مواجهة عملية معقدة كالإبداع الشعري، بل هو في حاجة إلى من يدعمه وقد تنبه النقد القديم إلى ذلك منذ وقت مبكر تجلى في مظاهر متعددة أولاها:

   *ما يسمى بالعائلة الشعرية أو المدرسة الشعرية، حيث يكون الشاعر حلقة من سلسلة يرث عنها الشعر، وينهل من الخيرات السابقة أو كما يقول حازم القرطاجني: " وأنت لا تجد شاعرا مجيدا منهم إلا وقد لزم شاعرا آخر المدة الطويلة وتعلم منه قوانين النظم واستفاد عنه الدربة في اتخاذ التصريف البلاغية" (20). وقد عقد ابن رشيق " بيوتات الشعر، والمعرقين فيه" (21)، بابا ضمنه، تلك البيوتات، وأسماء الشعراء، تباعدت أزمانهم واختلفت بلدانهم بعد هذا ولكنهم ظلوا أوفياء لذلك الخيط الذي يربطهم، ولعل في قولة بشامة بن الغدير لزهير دلالة واضحة على التعلم، ذلك أنه يمتنع عن إعطائه مالا ويقول له: " لقد قسمت لك أفضل المال وأجزله... شعري ورثته... وقد رويته عني..."(22) فكأن إشارة ابن رشيق إلى هذا النسب الشعري، تدل على أن له موقعا خاصا، ولم يأت هذا الموقع إلا من قبل التعلم، والتأثر.

  وثاني هذه المظاهر أخذ الشعراء أنفسهم بالتعلم، ومحاولتهم الذاتية لاستكمال أدواتهم الثقافية، فكأنهم كانوا متيقنين أن هذا الطبع الذي امتلكوه بحاجة مستديمة لتلك الروافد التي أشرنا إليها لكي يجود شعرهم، وتقابلنا نصوص كثيرة تجلي هذه الظاهرة وتظهرها، فبالإضافة إلى تلمذة بعض الشعراء لبعض إذ"كان والبة أستاذ أبي نواس وعنه أخذ، ومنه اقتبس"(23)، و كان مسلم بن الوليد أستاذ دعبل، وعنه أخذ، ومن بحره استقى " (24)، نقول بالإضافة إلى ما تقدم إن الشعراء أنفسهم كانوا ينهلون من الروافد أنى وجدوها، فهي ليست قاصرة على الشعراء الذين سبقوهم وحدهم، فالأعشى مثلا كانت تأتي في شعره أشياء تدل على قدريته، وأخذ هذا " من أساقفة نجران، وكان يزورهم ويسمع منهم، فكل شيء في شعره من هذا فمنهم أخذه"(25)...وذو الرمة، كان يحسن الكتابة و القراءة (26)، و هما وسيلتان مهمتان للتعلم، أي أنه لم يقف عند حدود السماع وحده، فأضاف لنفسه أفاقا رحبة جديدة و تراه يوصف بالفصاحة و العلم بالغريب..."(27)...أما أبو نواس و أبو تمام فهما الغاية في التعلم و الإفادة من الآخرين، إذ لزم أبو نواس "خلفا الأحمر فحمل عنه علما كثيرا و أدبا واسعا...كما روى دواوين ستين امرأة من العرب...وكان عالما فقيها، عارفا بالأحكام، بصيرا بالاختلاف صاحب حفظ و نظر و معرفة بطرق الحديث، و يعرف ناسخ القرآن و منسوخه و محكمه و متشابهه..." (28) ومثله أبو تمام الذي اتسعت معارفه حتى شملت علوما وفنونا كثيرة.و لم نرد بهذا التتبع سوى الإشارة إلى أن هذه النصوص كانت البذور التي تعهدها النقاد المتخصصون في كتبهم و نظموا جملة المعارف التي يحتاجها الشاعر لتكوين أدواته و إنضاجها.

   وقد ترتب على ما سبق مظهر ثالث تمثل في أن النقاد والأدباء جعلوا واحدا من مقاييسهم في تقديم الشعراء أو تأخيرهم سعة ما اكتسبه الشاعر من المعارف، و وازنوا بين شاعر استكمل أدواته و آخر تخلف، فتحدثوا عن الشاعر الفحل و الخنذيذ في مقدمة الشعراء (الفحل هو الراوية للشعر، و الخنذيذ هو الراوية لشعره ولجيد شعر غيره) ويأتي المفلق في المرتبة الثانية"و هو الذي لا رواية له"(29)و نجد ابن رشيق يتحدث في هذا الموضوع حين يقول: فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين، المتقدمين بفضل أصحابه برواية الشعر، و معرفة الأخبار...فيقولون: فلان شاعر راوية، يريدون أنه إذا كان راوية عرف المقاصد، وسهل  عليه مأخذ الشعر،  ولم يضف به المذهب...(30) ولهذا أخذت على أبي العتاهية مآخذ كثيرة منها أنه كان "يكثر عثاره، و تصاب سقطاته، وكان يلحن في شعره، ويركب جميع الأعاريض..."(31) و تصدق هنا قولة ابن رشيق: وإذا كان الشاعر مطبوعا لا علم له و لا رواية ظل واهتدى من حيث لا يعلم، و ربما طلب المعنى، فلم يصل إليه و هو ماثل بين يديه لضعف آلته"(32).

و أكد النقاد على السماع كأداة ضرورية يجب أن يتوفر عليها الشاعر فيرى ابن قتيبة أن "كل علم محتاج إلى السماع، وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثم الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللغات المختلفة و الكلام الوحشي "(33) ويلح القاضي الجرجاني على السماع هو الآخر و يذهب إلى أن حاجة المحدث إلى الرواية أمس، لأن المطبوع الذكي لا يمكنه تناول ألفاظ العرب إلا رواية، و لا طريق للرواية إلا السمع، وملاك الرواية الحفظ "(34) و من الواضح أنهما لم يبينا مقصدهما من السماع، أو الرواية، و لكنها تفهم ضمنا من حيث اشتمالها على الشعر و الأخبار و النوادر وما إليها، و هي تقدم زادا معرفيا للشاعر يوظفه في شعره، و كان ابن خلدون أكثر إيضاحا منهما حيث تحدث عن "المسموع" و قصره على "الحفظ من جنس شعر العرب، و رتب على هذا الحفظ نتائج مهمة أشرنا إليها فيما تقدم، و خلص إلى أنه " على مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده، ثم إجادة الملكة من بعدها "(35) وكأن ابن خلدون يريد بالسماع الإطار الشعري وحده، و يراه كافيا للشاعر كي يقول و يجود. و ذهب القاضي الجرجاني و ابن خلدون أبعد من ذلك حين تحدثا عن الدربة كأداة فيقول الأول:"إن الشعر علم...يشترك فيه الطبع و الرواية و الذكاء، ثم تكون الدربة  مادة له ، و قوة لكل واحد من أسبابه "(36) ، و يقول ابن خلدون :"...و الملكات اللسانية ك لها إنما تكتسب بالصناعة و الإرتياض في كلامهم، و يحتاج الشاعر إلى تلطف و محاولة في رعاية الأساليب التي اختصته العرب بها و استعمالها " (37) فهذه الدربة تكسبه قوى جديدة، و قدرة على النفاذ في الصنعة، لا تتأتى للمبتدىء مثلا.

   و يحرص الجرجاني على عنصر الذكاء في الشاعر و يشير إلى المطبوع الذكي، مما يوحي بأن هناك مطبوعا غير ذكي، و هو أن توفر في الشاعر مده بطاقة إضافية على قول الشعر.

  ويتسع الإطار عند طائفة أخرى من النقاد ليشمل علوما مختلفة وفنونا متعددة، فهذا ابن طباطبا يؤكد أن " للشعر أدوات يجب إعدادها قبل مراسه، و تكلف نظمه " وهي " التوسع في علم اللغة، والبراعة في فهم الإعراب، والرواية لفنون الأدب"(38) بل إن ابن طباطبا لا يقف عند هذه الحدود: اللغة والنحو والأدب بمعناه الواسع بل يستمر بعد هذا ليقول:" ومن الأدوات.. الوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر،  والتصرف في معانيه، في كل فن قالته العرب فيه، وسلوك مناهجها في كل صفاتها ومخاطبتها، وحكاياتها، وأمثالها والسنن المستدلة منها..."(39).

  وهكذا يوسع النقاد معارف الشاعر، مع إلحاحهم على ضرورة الإتباع والإفادة الدائمة، ونرى هذا بشكل واضح عند ابن رشيق الذي يتحدث عن " النحو واللغة و الفقه والحساب والخبر والفريضة ومعرفة النسب وأيام العرب..."(40).

  ونواجه أهم ناقدين عالجا الموضوع بجدة وموضوعية وهما ابن سنان الخفاجي وابن الأثير، فبينما يطالب ابن سنان الشاعر " بمعرفة اللغة...وما يتصرف الاسم عليه...وعلم النحو.. والتصريف من علم النحو...ومعرفة الخمسة عشر بحرا.. والعلم بالقوافي... والمشهور من أخبار العرب وأحاديثها.." (41) يقرر أن ما يحتاجه من النحو والصرف خاصة " قدر معين حتى لا يذكر لفظة إلا موضوعة حيث وضعها العرب " (42)، ويسارع ليؤكد أنه " ليس لأحد أن يظن أن هذا هو معرفة النحو كله، والاشتمال على جميع علمه، لأن الكثير من النحو علم تقدير مسائل لا تقع اتفاقا في النظم و لا في النثر "(43) أما التصريف " فلا يكاد.. يحتاج إلا إلى الشيء اليسير منه " (44) و لا ريب في أن ابن سنان يريد من الشاعر أن ينأى بنفسه عن التعمق في هذين العلمين، ويبتعد عن الخلافات لينصرف إلى مهمته الأصيلة، صنعة الشعر، من خلال طبعه وما بينه له من أقدار المعارف التي ينبغي عليه تحصيلها.

أما ابن الأثير فقد بحث الموضوع باستفاضة في كتابين من كتبه هما: الجامع الكبير، والمثل السائر، وتتشابه المعالجة في كلا الكتابين من حيث الآلات المطلوبة للشاعر، ولكنها تختلف في التفاصيل، ومرد هذا الاختلاف إلى التفاوت الزمني بين تأليفهما. فمما لاشك فيه أن الجامع الكبير" ألفه ابن الأثير... قبيل المثل السائر.."(45).

  ولهذا يبدو في الثاني أكثر نضجا، وبعدا عن النزعة التعليمية، واقترابا من روح الشعر وأسرار صنعته، فنراه في الجامع يقسم الآلات قسمين:" الأول يشترك فيه النظم والنثر...والثاني يخص النظم دون النثر..."(46) بينما يعمد في المثل السائر" إلى العرض المتحرر من القوالب، فالغاية هي البسط، والتبيان لا إغراق في التعقيد، وأقسامه المتشعبة، ويجعل القسم الأول في سبعة أنواع:" الأول معرفة علم العربية من النحو والتصريف والإدغام، و الثاني معرفة ما يحتاج إليه من اللغة، الثالث معرفة أمثال العرب وأيامهم، الرابع الإطلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه الصناعة المنظومة منها و المنثور، والتحفظ للكثير من ذلك، الخامس معرفة الأحكام السلطانية في الإمامة والإمارة والقضاء، وغير ذلك، السادس حفظ القرآن الكريم والممارسة لضرائبه والخوض في بحور عجائبه، السابع حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم..." (47)، أما القسم الثاني "فإنه يخص النظم دون النثر، وذلك علم العروض والقوافي، الذي يقام به ميزان الشعر.."(48)، قد أثبتنا النص على طوله، لنبين نظرة ابن الأثير في مرحلة متقدمة من عمره للأدوات، واختلاف هذه النظرة بعد هذا، إذ سيعمل إلى تنظيم الأخذ من بعض العلوم التي ذكرها هنا، بعد أن تركها بلا تنظيم من جهة، وسيحذف أخرى ربما بدت ليست بذات فائدة للشاعر من جهة أخرى، ففي " المثل السائر" يتطلب من الشاعر والناثر ثمان آلات كما رأينا في "الجامع ولكنه يستبعد النوع الخامس وهو معرفة الأحكام السلطانية، ويراه من أدوات الكاتب وحده(49) وهي بلا شك نظرة صائبة، إذ ما فائدة هذه الأحكام للشاعر و هي متعلقة بالسياسة و أحوالها و ورسومها، ومن المستبعد أن يضمن الشاعر في شعره تفاصيل منها، وإلا استحال إلى نظم بارد، ويعمد بعد هذا إلى تنظيم الإفادة من هذه العلوم، فالنحو لا يقصد إليه بذاته من حيث التعمق، ومعرفة الخلاف، بل " لبأمن معرة اللحن"(50) كما أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة و لا بلاغة ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه، لأن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه رفع الفاعل ونصب المفعول أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتصفين بصفة الفصاحة والبلاغة (51)، وكذلك الإدغام " فربما احتاج الشاعر إليه لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام من أجل إقامة الميزان الشعري"(52)، أما اللغة فهو يحتاج منها إلى التداول المستعمل فحسب"(53)، ومثلها الأمثال إذ لا يقتضي معرفة كل الأمثال الواردة عن العرب، فإن منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضا ما لا يحسن استعماله "(54)، وجعل الأمر مفتوحا بالنسبة للقرآن الكريم والأخبار النبوية وحفظ الشعر والعروض فهذه من الركائز الأساسية في ثقافة الشاعر لا يمكنه الانتقاء فيها، فهي مطلوبة جميعها، كما أنها تقدم له ألوانا من المعرفة: دينية ولغوية وشعرية مما يوسع أفقه ويمنحه طاقات من التصرف والحركة... ومن الملاحظ في هذا الصدد أن الأدوات التي تحدث عنها ابن الأثير تدخل ضمن الإطار الأدبي بمفهومه الواسع المعروف قديما.

  إن المدقق في جهود النقاد العرب الذين عالجوا قضية الأدوات يخرج بنتيجة مفادها أن هؤلاء النقاد كانوا على قدر كبير من الوعي بأهمية هذه القضية، ولذلك راحوا يقفون عندها منذ وقت مبكر ولاحظنا التطور الكبير الذي دخل هذه الأدوات بسبب تغير الواقع الثقافي العربي وتطوره، بل تغيرت هذه الأدوات وتنوعت بمرور الزمن، وبدا النقاد وكأنهم يطلبون من الشاعر أن يكون المثقف المثالي الذي يمتلك معارف عصره، ولكنهم ألحوا على فكرة التنظيم، وضرورة الفهم، وحسن الأخذ، فليست مسألة" تجميع" المعارف فحسب، بل استثمارها بشكل سليم بما يحقق الفائدة منها، وقد استجاب عدد كبير من الشعراء لتلك الدعوة، وحاولوا تطوير أدواتهم، والعمل على إنضاجها، لاسيما أنهم تلقوا إشارات تذهب إلى أن من قل تحصيله واكتسابه فسيكون هذا مدعاة لتأخره، وذهب بعضهم إلى أن اكتساب المعارف لن يصنع شاعرا حقيقيا... ولعل ما قدمه النقد العربي في هذا المضمار يفتح السبيل لقراءته، واكتشاف جوانب منه ما تزال مطوية، ويغذي النقد الحديث بروافد تعمقه وتثريه، وتكون أقرب منهجا من روافد كثيرة تبدو غريبة عليه.

 

 

 

                                    الهــــــــــــــــــــوامــــــــش

 

(1) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام الجمحي ج 1، ص 5، تحقيق محمود محمد شاكر.

(2) الحيوان، الجاحظ، ج3، ص132، تحقيق عبد السلام محمد هارون.

(3) عيار الشعر، ابن طباطبا، ص 11، دار الكتب العلمية.

(4) الموازنة بين الطائيين الأمدي، ج 1، ص 42.

(5) سر الفصاحة، ابن سنان الخفاجي، ص 82 -83.

(6) البيان والتبيين، الجاحظ، ج 1ص 138.

(7) الحيوان، الجاحظ ج 3ص 131-132..

(8) المصدر نفسه، ج 4، ص380.

(9) التفكير البلاغي، حماد مود، ص 221.

(10) الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني، ص 15.

(11) المصدر نفسه  ص 25.

(12) سر الفصاحة، ابن سنان الخفاجي، ص 83، 84.

(13) المثل السائر، ابن الأثير، ج 1، ص 38.

(14) المصدر نفسه، ج 2، ص 56.

(15) المصدر نفسه، ج 2، ص 55.

(16) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، ص 199.

(17) المصدر نفسه، ص 199.

(18) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، ص 26

(19) مفهوم الشعر جابر عصفور، ص 206.           

( 20) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، ص 27.

(21) العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق القيرواني، ج 2، ص 1077، تحقيق: د. محمد قرقزان، طبعة دار المعرفة، بيروت، لبنان.

(22) الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني ، ج 10 ، ص 312.

(23) المصدر نفسه، ج 13، ص 118.

(24) المصدر نفسه، ج 19، ص 51.

(25) المصدر نفسه، ج 12، ص 3.

(26) المصدر نفسه، ج 18، ص 30.

(27) المصدر نفسه، ج 18، ص 33.

(28) طبقات الشعراء المحدثين، ابن المعتز، ص 194 و 201.

(29) العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق القيرواني، ج 1 ص 236.

(30) المصدر نفسه، ج 1، ص 362.

(31) الموشح، المرزباني، ص 405.

(32) العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق القيرواني، ج 1، ص 362.

(33) الشعر والشعراء ابن قتيبة، ج 1، ص 82.

(34) الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني، ص 16.

(35) المقدمة، ابن خلدون، ص 578.

(36) الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني، ص 16.

(37) المقدمة، ابن خلدون، ص 570.

(38) عيار الشعر، ابن طباطبا العلوي ص 10.

(39) عيار الشعر، ابن طباطبا، ص 4.

(40) العمدة ابن رشيق القيرواني، ج 1، ص 361.

(41) سر الفصاحة، ابن سنان الخفاجي، ص 280-281.

(42) المصدر السابق، ص 281.

(43)المصدر السابق والصفحة نفسها.                      

(44) المصدر السابق، والصفحة نفسها.

(45) الجامع الكبير، ابن الأثير، مقدمة المحقق، ص 39.

(46) المصدر نفسه، ابن الأثير، ص 716.

(47) المصدر نفسه، ص 7.

(48) المصدر نفسه والصفحة نفسها.

(49)المصدر نفسه، ج 1، ص 59.

(50) المثل السائر، ابن الأثير، ج 1، ص41.

(51) المصدر السابق، ج 1، ص 49

(52) المصدر السابق، ج 1، ص 50.

(53) المصدر السابق، ج 1 الصفحة نفسها.

(54) المصدر السابق، ج 1، ص 54.