الإجتهادات النقدية المفضية لدراسة الأسلوب

في كتاب دلائل الإعجاز.(1)

 

بشرى تاكفراست

      أستاذة جامعية –مراكش-المغرب

 

   (نشر هذا المقال بمجلة"جامعة ابن يوسف" العدد الثاني سنة 2003 الصفحة492)

 

مع عبد القاهر الجرجاني وكتاب " دلا ئل الإعجاز " سننغمس في سجل التاريخ ونرسي بالضبط في القرن الخامس الهجري و لنعيش رحلة النصوص مع هذا الشيخ الجليل، تلك الرحلة التي سبقنا إليها لما كان يجادل نصوص سابقيه ومعاصريه من العلماء في رحلة مكوكية قطباها اعتراض ورد في سلم تراتبي ينطلق من الأبسط ليصل إلى الأكثر تعقيدا، لكن رحلتنا ترتدي رداءا يختلف عن ملبس رحلته كما ونوعا، حيث ترتكز بالأساس على استنباط الاجتهادات النقدية المفضية لدراسة الأسلوب لدى هذا العالم الفذ الذي خدم البلاغة و النقد خدمة جعلتهما يحتلان أرقى مراتب السمو و العلو.

  إن تعامل عبد القاهر مع نصوص سابقيه – ونخص بالذكر في مؤلفه " دلائل الإعجاز"– كان يحكمه التفسير عن طريق النفي و التأكيد، مما جعلنا نقول مع الدكتور طه حسين:"إن من يقرأ" دلائل الإعجاز" لا يسعه إلا أن يعترف بما أنفق عبد القاهر من جهد خصب صادق فيس التأليف بين قواعد النحو العربي وبين آراء أرسطو العامة في الجملة والأسلوب... وإذا كان الجاحظ هو واضع أساس البيان العربي حقا، فعبد القاهر هو الذي رفع قواعده وأحكم بناءه..(2)

  ونحن نستنطق نصوص عبد القاهر الجرجاني ونجري ضربا من الحوار معها لنستخلص الاجتهادات النقدية المفضية لدراسة الأسلوب كما هو معنون بها البحث كنا نضع نصب أعيننا قولة الإمام مالك: " كل يؤخذ كلامه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر" فأشار إلى قبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد بالمدينة المنورة، وعليه كنا نزعزع قائم عبد القاهر عن طريق السؤال المتعطش لمعرفة الحقيقة.

  إن أول سؤال صادفنا في بداية هذه الرحلة هو: ما الأسلوب ؟ يجيب شيخنا عبد القاهر: " الأسلوب هو الضرب من النظم و الطريقة فيه" (3)أي الأسلوب هو الطريقة الفردية التي تعكس ذاتية وشخصية المبدع، من تم جاءت القولة الشهيرة: "أسلوبك أنت"، وعليه نلمس اختلاف الأساليب باختلاف الذوات المبدعة، ويؤكد هذا عبد القاهر لما تناول موضوع السرقة الشعرية بالدرس و التحليل بأن الناظم لا يمكنه أن يسرق نظم غيره، لأن النظم هو مرآة المبدع، وما دام الذي يحتدي ليس هو المبدع بل شخص آخر له مميزاته وخصوصياته كان الإبداع مختلفا باختلاف المبدعين، و هو بذلك يناصر فكرة أستاذه الجاحظ" المعاني مطروحة في الطريق"وإنما المزية و الفضل في صياغتها، وقد ساق عبد القاهر نماذج متعددة على ذلك منها قول الفرزدق:

أترجو ربيع أن يجيء ضغارها     بخير وقد أعيا ربيعا كبارها.

وقول البعيث:

أترجو كليب أن يجيء حديثها      بخبر وقد أعيا كليبا قديمها.

 

المحور الأول:  الاجتهادات التقعيدية المفضية لدراسة الأسلوب

- أولا: الاجتهادات النحوية:

   يبدو من سياق " دلائل الإعجاز " أن الهدف من النحو ليس هدفا شكليا إعرابيا، فعبد القاهر لا يقف عند حدود الحركات التي تطرأ على أواخر الكلمات باعتبار أن:

1- معرفتها و الوقوف عند وظائفها شيء مشترك بين الجميع.

2- أنها ليست كمقياس للتفاضل بين الكلام الجيد وعكسه.

 وعليه، فعبد القاهر لا يجرد المظهر الإعرابي من كل قيمة أسلوبية " ولم يجز إذا عدت الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها الإعراب وذلك لأن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر ويستعان عليه بالروية... ومن العجب أنا إذا نظرنا في الإعراب، وجدنا التفاضل فيه محالا، لأنه لايتصور أن يكون للرفع و النصب في كلام مزية عليهما في كلام آخر، وإنما الذي تصور أن يكون ههنا كلاما قد وقع في إعرابهما خلل ثم كان أحدهما أكثر صوابا من الآخر.."(4) وقد تعددت اجتهادات عبد القاهر في هذا المجال فغطت العديد من الأبواب منها:

أ‌-     باب التقديم والتأخير: فهو لم يتناول هذه القضية ولم يبحثها انطلاقا من قواعد معيارية وصفية مضبوطة كما جاءت مسطرة في كتب النحو، ولكن انطلاقا مما سماه معاني النحو"، فبذلك فهو يرى أن التقديم وجهان:

1- تقديم بهدف وعلى نية التأخير: ويحتفظ بنفس الحكم والدلالة، كتقديم الخبر على المبتدأ أو المفعول به على الفاعل مثل: " منطلق زيد"، "منطلق" خبر، "زيد " مبتدأ، لكن مع هذا التقديم ظل التركيب يحتفظ بنفس الدلالة، ولم يخرج عنها، وكذلك قولنا:" ضرب عمرا زيد"، "فعمرا" مفعول به قدم على الفاعل الذي هو " زيد"، لأن التقديم كان بغية وعلى نية التأخير آية ذلك أن الضرب بقي" لعمر" على زيد مع هذا التقديم و التأخير.

 2- تقديم على نية التأخير: ولكن ينقل فيه الشيء عن حكم إلى حكم، ويصبح يشكل بابا غير الباب الذي كان فيه، وإعرابا غير إعرابه السابق، وذلك أن تأتي إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يجيء مبتدأ أو خبرا، فتقدم تارة هذا عن ذلك، أو ذلك عن هذا، ومثال لذلك: زيد منطلق، فتقول: " زيد منطلق- " المنطلق زيد"،  ففي المثال الأول كان " زيد" مبتدأ، و" منطلق " خبر، وفي المثال الثاني تغيرت قيمة " زيد" الإعرابية، إذ تم إخراجه عن حكمه الذي هو الابتداء إلى حكم آخر الذي هو الخبرية، وكذلك الأمر مع " ضربت زيدا"، و" زيد ضربته"،" فزيد" في الجملة  الأولى مفعول به في حين أن"زيد" في الجملة الثانية مبتدأ.

   ويؤكد عبد القاهر أنه من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم شيء وتأخيره إلى قسمين: مفيد – غير مفيد، فيعلل تارة بالعناية وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب حتى تستقيم للأول قوافيه والثاني أسجاعه، لأنه من غير المعقول أن يحتوي النظم على ما يدل تارة ويمتنع أخرى، مثال ذلك أنك إذا قدمت المفعول به على الفعل حصلت الفائدة، ويمكن أن تتغير هذه الفائدة (المعنى الدلالة) مع تقديم الفعل على المفعول على حد رأي عبد القاهر الجرجاني (5).

  و من أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة، فإذا قلت: أفعلت؟(6) فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه وكان الهدف من الاستفهام أن تعلم هل هو موجود [الفعل]وإذا قلت: أأنت فعلت؟(7) فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو، أي من الذي فعل الفعل مثال ذلك قولك: أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟(8) فقد تكون قد تساألت عن الفعل لأنك تشك في وجوده وحلوله، وإذا قلت: أأنت قلت الشعر قط؟(9) فبدأت الاستفهام بالاسم أكدت أنك لا تشك في وقوع الفعل لأنه كان بل شككت في الفاعل له، أما إذا قلت: أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ كنت قد خرجت عن ماهو مألوف في كلام الناس، وبذلك يعتبر كلامك لغلوا لا فائدة من ورائه.

  ويستمرعبد القاهر في عمليته التعليمية التي ترتكز أساسا على طرح أفكار على بساط المناقشة أكثر من إعطاء دروس تلقينية آية ذلك أنه لا يخاطب الفئة المثقفة فحسب، وإنما صفوة هذه الفئة ونخبتها، فهم: العلماء والفقهاء والفلاسفة وعلماء النحو... فهو يخاطب المتلقي التحذلق الذي يفهم باللمح دون أن يتعب المتكلم في الشرح...

  ويطرح عبد القاهر فكرة ضرورة التمييز بين الكلام الصحيح و الكلام الخارج عن ما ألفه الناس من أجل دفع المستعمل للغة للابتعاد عن الوقوع فيما هو خطأ، فيؤكد أن البداية بالفعل ليست كالبداية بالاسم، إنك تقول: أقلت شعرا قط؟ فبدأت بالفعل "قلت" فهذا كلام صحيح، ولو قلت: أأنت قلت شعرا قط؟ فبدأت بالاسم "أنت" فقد أخطأت لأنه لا فائدة من وراء طرح السؤال عن الفاعل، لأن ذلك يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص نحو أن تقول: من قال هذا الشعر؟ وكذلك الحال في تقديم الاسم النكرة على الفعل: أجاءك رجل؟ فأنت تريد أن تسأل هل جاء إليه أحد الرجال، وهنا لا يجوز تقديم الاسم على الفعل كما ينص عبد القاهر، لأن تقديمه يكون إذا   كان السؤال عن الفاعل وعن جنس من جاءه رجل هو أم امرأة. ويكون هذا منك إن كنت علمت أنه قد أتاه ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي، وإذا أردت العلم به قلت: " أزيد جاءك أم عمرو " هنا تلاحظ أن أستاذنا عبد القاهر لم يعتمد في تقعيده للتقديم و التأخير على القواعد النحوية المعهودة ولكنه انطلق من مفهوم برز به في الساحة النقدية وهو مفهوم" معاني النحو"، فأسس قاعدة التقديم والتأخير على مبدأ العناية والاهتمام متوخيا من وراء ذلك ما يحدث من وقع فني وتأثير جمالي وذلك من خلال قوله:" وإنك لا تزال ترى شعر يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان"، أليس في هذا ما يلقي الضوء على فكرة الموسيقى كنغم مضمر في الفكر النقدي لدى عبد القاهر والتي لم يبق له إلا نطقها بالحرف على اعتبار أن الموسيقى نفسها تقوم على تشكيل نغمي يلعب فيه تقديم نوطة وتأخيرها دورا أساسا في إعطاء وقع جميل، وكل هذا راجع إلى كون شيخنا الفاضل يعتني بالذوق خاصة حين اكتشف أن النص العربي ينفلت عن أن يحيط المنهج الجاهز بتحليله، وبالتالي فالمزية في دراسته موضوع كالتقديم والتأخير ليست في معرفة قواعد النحو، بل فيما تؤدي إليه من معاني مشفوعة بالذوق الناضج.

  ويقدم عبد القاهر لباب الحذف قائلا: " هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، و الصمت عن الإفادة أزيد للإفادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن"(10) وهذه المقدمة إذا أمعنا النظر في الدلالات التي تحلمها تعطينا صورة عن أهم محور في الكتاب وهو اللفظ تبع المعنى في النظم، والكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس، بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموقع، وبحسب المعنى الذي تريد و المعنى الذي تؤم، وأول مبحث يتناول وهو بصدد الحديث عن الحذف هو حذف المبتدأ، إذ ينص أنه بإمكاننا حذفه في المواضع التالية:

1- ذكر الديار؛ 2- ذكر الفتى؛ 3- القطع والاستئناف.

 فهو يتجاوز القاعدة النحوية لدى سيبويه(11) في: ذكر الديار – ذكر الفتى، ويتفق معها في القطع و الاستئناف:

1- ذكر الديار: وشاهد عبد القاهر في ذلك قول الشاعر:

   هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا       كم عرفت بجفن الصيقل الخللا(12)

و الأصل فيها: تلك الدار، إذ الدار خبر لمبتدأ محذوف تقديره" تلك " ومثاله قول الشاعر كذلك:

 دار ميـة إذ مي تساعفنـــا      ولا يرى مثلها عجـم ولا عـرب(13)

و الأصل فيها: أذكر ديار مية، فديار منصوبة على الإضمار.

   2- القطع والاستئناف: إذ يبتدئ القائل بذكر الرجل وتقديم بعض أمره، ثم يدع الكلام الأول ويستأنف كلاما آخر بدون مبتدأ ومنه قول الشاعر:

وعلمـــت أنـي يـوم ذا       ك، منازل كعبــا ونهـــدا

قـوم إذ لبسـوا الحـديـــ       د، تنمروا حلقـا و قـــدا

و الأصل فيها:" هم قوم"

  3- ذكر الفتى ومن أمثلته قول الشاعر:

ألا لا فتى بعـد ابـن ناشــره الفتى     و لا عرف إلا قــد تولــى وأدبـرا

        فتى حنظلي ما تزال ركــابه     تجود بمعروف وتنكر منكـرا(14)

  ويعلق شيخنا على هذا الباب قائلا:" فتأمل الآن الأبيات كلها،  واستقر بها واحدا، وانظر إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها.. ثم تكلف أن ترد حذف الشاعر وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد"(15).

 ويتناول عبد القاهر موضوع حذف المفعول في إطار النحو النفسي كما يلي:

1- ذكر الأفعال المتعدية بهدف:

  أ- إثبات الفعل للفاعل دون تعدي ذلك إلى المفعول به: وهنا تتشابه الأفعال المتعدية واللازمة، إذ لا يرى المتلقي مفعولا لا لفظا، ولا تقديرا ومثال لخلو الفعل من المفعول قولنا: " فلان يحل ويعقد، يضر وينفع" نلاحظ إثبات المعنى في نفسه لشيئين على الإطلاق من غير تعرض لذكر المفعول، حتى كأنك قلت:" صار إليه الحل والعقد والنفع والضر"

 ب- وجود مفعول به لكنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه ( محذوف لفظا موجود تقديرا) وهو نوعان: 1- جلي لا صنعة فيه، 2- خفي تدخله الصنعة وهو أنواع منها: ذكر الفعل وفي نفس المتحدث له مفعول لكنه يتناساه بل وهم القارئ أنه لم يذكر الفعل إلا لذاته، ومثاله قول الشاعر:

شَجْوُ حُسَّادِهِ وغيضُ عِدَاُه     أن يرى مبصرُ ويسمع واع(16)

التقدير أن يسمع واع أخباره وأوصافه، ويرى مبصر محاسنه ولكنه وقع الحذف لتحقيق غرض هو شرف المعنى والمتمثل في مدح الخليفة المعتز و التعريض بالخليفة المستعين.

2- وجود مفعول مقصود ، لكنه يحذف لغرض هو إثبات للفاعل.

ومثاله قول الشاعر:

                فلو أن قومي أنطقتني رماحهم      نطقت ،ولكن الرماح أجرت(17)

 فالشاهد هو "أحرت" فهي فعل معتل وأصله التركيبي "أجرتني" ولكن حذفت ياء المتكلم التي هي مفعول به حتى يستقيم المعنى ولا يصاب بخلل، فلو قال:" أجرتني " جاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح إجرارا بل الذي عناه أن يثبت أنها أجرته.ونفس الشيء ترحظه في قول الشاعر:

         إذا بعدت أبلت وإذا قربت شفت    فهجرانها يبلي ولقياها يشفي (18)

  وقد أعجب عبد القاهر بهذا البيت وذلك للروعة التي أضفاها عليه الحذف، إذ نلاحظ أنه وقع في أربعة مواضع، فالأصل في التركيب" إذا بعدت عني أبلتني وإن قربت مني شفتني، فنلاحظ أن المفعول الأول: شبه جملة:"مني"

                 المفعول الثاني: ياء المتكلم في أبلتني".

                  المفعول الثالث: شبه جملة "مني".

                 المفعول الرابع: ياء المتكلم في " شفتني".

 فهذا الحذف جعل الشاعر يسأل ويجيب في الآن معا، وكأنه يقول لنا:

أتدري ما بعدها؟ هو الداء المضلي، وما قربها"؟ هو الشفاء و البرء من كل داء .

  ونحن نترصد الاجتهادات النقدية ذات الطابع التقعيدي النحوي نقف مرة أخرى مع عبد القاهر في باب آخر وهو باب " الفروق في الخبر" فينص أن هناك فرقا كبيرا بين الإثبات بالإسم والإثبات بالفعل، إذ الإثبات بالاسم يقتضي إثبات الشيء دون تجدد أما الإثبات بالفعل فيكون لإثبات أمر يقتضي تجددا، فمثال الأول قول الشاعر:

لا يألف الدرهم المضروب صرتنا     لكن يمر عليها وهو منطلق.

  فالشاهد في البيت هو " منطلق" وقد أخبر، به الشاعر عن شيء ثابت، وبذلك كان في نظر الجرجاني أحسن من إذا أثبت هذا الخبر بالفعل وقلت "وهو ينطلق ". ومثال الثاني قول الأعشى: (19)

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة        إلى ضوء نار بقاع تحــــر

ويعلق عبد القاهر قائلا: "لو قلنا متحرقة لنبا عنه الطبع، وأنكرته النفس لأن الإثبات بالفعل للخبر هو الأليق، لأن الموضع يقبل التجدد والتحرك وليس الثبوت والجمود"(20)

    و في حديث عبد القاهر عن "الذي" نلاجظ أنه يتحاوز القاعدة النحوية التي تجعل منها أداة الوصل إلى وظيفتها المعنوية والمتمثلة في كونها تأتي بعد جملة معلومة عند المتلقي مثال ذلك:" هذا الذي قدم رسولا من الحضرة " فإنك لا تقول هذه الجملة لمن نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه وإنما تقوله لمن رأى رجلا يقبل من بعيد فلا يعلم أنه ذاك ويظنه إنسانا غيره. وغياب "الذي" في ذلك المثال يؤدي إلى تغيير الدلالة فقولنا:" هذا قدم رسولا من الحضرة "فإنك تخبر السامع بنبإ لم يبلغه أصلا.

    ولا زال عبد القاهر يهدم ويبني على أنقاظ ما هدم إذ تارة يساير القاعدة السيبويهية وأخرى يخرج عنها إلى اجتهادات ذوقية، ومن نموذج ذلك ما عاشه مع" واو العطف" من مشكل إذا ما جاء للجمع بين جملتين، فالأصل كما هو معلوم لدى النحاة أن العطف قد يقع بين الجملتين بشرط اتفاقهما في الخبرية والإنشائية على أن يستحسن اتفاق الجمل المتعاطفة في الإسمية والفعلية نحو: "زيد قائم"وعمرو قاعد "، ونفس المثال يبني عليه عبد القاهر اجتهاده فينص أن الواو في المثال لا تفيد ولا تؤدي الجمع فحسب، بل تتجاوز هذا المعنى إلى جعل "زيد" بسبب" عمرو" ولأنهما كالشريكين وكالنظيرين "، ومتى عرف السامع حال الأول كان لزاما له أن يعرف حال الثاني، وفي ذلك يقول:" ثم إن الذي يوجبه النظر و التأمل أن يقال في ذلك: إنا وإن كنا إذا قلنا: زيد قائم وعمرو قاعد، فإننا لا نرى حكما نزعم أن الواو جاءت للجمع بين الجملتين فيه، فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع وذلك ألا نقول: زيد قائم وعمرو قاعد، حتى يكون عمرو بسبب من زيد وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني"(21)

   وفي مكان آخر نلاحظ أن عبد القاهر لا يحتفظ "لأن" بمهمتها النحوية و المتمثلة في النصب "شاهده في ذلك بيت بشار بن برد حيث يقول:

                   بكـرا صاحبي قبل الهجير         إن ذلك النجاح في التبكير

"إن" في البيت هي حلقة وصل هي الرابط الذي يجمع بين صدر البيت وعجزه، بإسقاطها يتغيرحتما المعنى، ففي البيت تضفي مزية وحسنا على ما يريد تأكيده بشار بن برد، وقد نص عبد القاهر أنه يمكن الاستعاضة عنها بالفاء.فتقول:

             بكـرا صاحبي قبل الهجير          فالنجاح فــي التبكيـر

 "فالفاء" في البيت رغم أنها حلت محل 'إن" فإنها لا تؤدي نفس المعنى وإنما تساعدك على التقرب منه، وقاعدة الاستعاضة بالفاء "عن ""إن" ليست بالقاعدة الثابتةـ ففي قوله تعالى:"إن الذين آمنوا، والذين هادوا والصابئين والنصارى واليهود و الذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة".

     فالفاء هنا لا يمكنها أن تحل محل "إن" لأن الجملة جاءت في موضع الخبر ولايمكن بحال من الأحوال عطف الخبر على المبتدأ، فالفاء كما هو معلوم هي تفسيرية، إذ تُفسر دوما ما قبلها لتبعد الإبهام.

    هكذا نلاحظ أن عبد القاهر الجرجاني قد استطاع التوفيق بين الشكل والصياغة عن طريق الاستعانة بالنحو التقليدي مع تحويله إلى إمكانيات إبداعية، فالفاعل عنده ليس فاعلا لأنه مرفوع وقع بعد الفعل، بل لأنه قام بالفعل، والمفعول ليس لأنه هو الذي وقع عليه فعل الفاعل ولكن لوقوع الفعل عليه، وهكذا لم يكن اهتمام عبد القاهر بالناحية الوصفية إلا وسيلة لإدراك الجانب العقلي في الصياغة، وفي إطار هذا الاهتمام يسوق عبد القاهر لنا المثال التالي: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة".

-         الوجه الأول: هو رفع"ثلاثة" على أنها خبر المبتدأ المحذوف، والتقدير:"ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، وهذا في نظر عبد القاهر لا يستقيم، لماذا لأن ذلك سيؤدي إلى شبه الإثبات بأن هناك آلهة ذلك أنك إذا نفيت فإنما تنفي المعنى المستفاد من الخبر عن المبتدأ ولا تنفي معنى المبتدأ، أي أنك تنفي العدد الذي هو"ثلاثة"، وتقول بوجود الآلهة إلى إثنان مثلا أو أربعة أو أكثر، وهذا التقدير فاسد، ولذلك يقول الجرجاني بوجوب العدول عنه إلى:

-         الوجه الثاني: ومفاده أن تكون "ثلاثة" صفة مبتدأ ويكون التقدير:" أولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة، أو في الوجود آلهة ثلاثة "، ثم حذف الخبر الذي هو "لنا" أو "في الوجود"، كما تم حذف الموصوف الذي هو"آلهة " فبقي:" ولا تقولوا ثلاثة، وهذا الحذف جائز من منظور الجرجاني خصوصا في كل ما معناه التوحيد مع نفي أن يكون لله عز وجل شريك.

-         الوجه الثالث: فيتمثل في جواز المجذوف في الآية في موضع التمييز عوض موضع الموصوف إذ يكون التقدير:" ولا تقولوا ثلاثة آلهة" والمقصود " ولا تقولوا لنا أو في الوجود ثلاثة آلهة".

    هكذا نلاحظ أن عبد القاهر تتبع التحويلات النحوية في التراكيب وتتبع الجمالية في الأسلوب كما يبدو ذلك من دراسته الدقيقة لكثير من الشواهد الأدبية، ورصد خطوات النحو في هذه الشواهد مع تتبع العناصر النظمية الأخرى لمنطق عقلي نفسي في المعنى ولغوي بلاغي في التركيب، ومن أجل فهم فلسفة النظم و الذوق والتكامل بين معانيها دعا إلى دراسة العلاقة النحوية التي تربط بين العناصر اللغوية في النص ودلالتها المعنوية في الخطاب الأدبي بمعزل عن العوامل والعلل النحوية، ورصدت هذه العلاقة في إطار نظرية النظم بمفهوم عرف أولا بين النحاة"بالتعليق والتعلق" وعرفه قائلا:" ليس النظم سوى تعلق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض"(22)

   إن عبد القاهر يفرق بين معرفتنا لقواعد اللغة وأصولها، وبين قدراتنا على بيان ما فيها من أسرار ولطائف، فهي لغة صعبة المنال لا تسلم نفسها لكل من هضم قواعد اللغة والنحو و الصرف، من تم نؤكد أن عبد القاهر رد للغة اعتبارها ومنحها المكان اللائق بها في لائحة العلوم الإنسانية. فالنحو بالنسبة له ليس ذلك العلم المعياري التقعيدي، ولا هو تلك المجموعة من القواعد الجافة، وإنما النحو عنده العلم الذي يكشف لنا عن المعاني والمقصود تلك الأشكال و الحالات النفسية المتباينة التي ندركها من علاقات الكلام بعضه ببعض.

  وعبد القاهر يثور على كل من زهد في النحو وأبان عن حقيقة غاية في الأهمية، قد غابت عن كثيرين ممن درسوا الشعر وتعرضوا لفهم العربية، ويمزج عبد القاهر في النحو بين القاعدة السيبويهية وما يهتدي إليه بذوقه عند أمر الصحة و الخطأ، بل يتجاوز ذلك إلى تعليل الجودة والرداءة في الكلام ويردها إلى معاني النحو وإلى وجود خاصيات دقيقة وفروق في الاستخدام والاستعمال من شأنها أن ترفع من كلام وتخفض من آخر.

    فالنظر في الفروق و الوجوه المختلفة ليس بحثا من حيث هو علم الإعراب أو من حيث هو جملة من القواعد ينبغي على الدارس حفظها والإلمام بها، وإنما هو البحث في معاني العبارات وفي إدراك الفروق الدقيقة التي تكون بين استخدام لغوي وآخر، فكل مبتدأ أو خبر حكمه الذي ينفرد به، وكل جملة لها وضعها الخاص بها، ولا يكفي في فهمها وسبر أغوارها أن تقول فيها هذا المبتدأ وذاك خبر وهذا فعل وذاك فاعل، وإنما العبرة بالدقائق الصغيرة التي أخفاها الكاتب فلونت الجملة بألوان خاصة، وهي كيفية صياغة الجملة وتشكيله لها مما جعل المعاني لا تتساوى.

   وعليه فالمسألة ليست معرفة بقواعد النحو والصرف، وإنما الأمر معرفة بمعاني العبارات، وفائدة هذه العبارات إذا جاءت على هذا السياق أو ذلك ومدى ما استطاعت أن تحققه من الدلالات، متخلصا بذلك من سيطرة النزعة"المدرسية" الشكلية التي طغت بعد انتهاء فترة "التأصيل" حيث وصلت قيمتها مع ابن جني في مؤلفه "الخصائص".

  فالقاعدة النحوية ليست هدفنا وإنما دلالاتها على المعنى هي الهدف، واللغة نعرفها بإحساسنا وذوقنا قبل أن نعرفها بما حفظنا من قواعد، واللغة لا تعطي أسرارها إلا لمن يسبر أغوارها بإحساسه ويطيل النظر و التأمل فيها بما وهبه الله من قدرة على التمييز بين الأساليب وتذوقها والإحساس بلذتها، وهذا ما انتهى إليه أمر اللغة مع عبد القاهر: خبرة عميقة، بفلسفتها وروحها وأساليبها المختلفة، والفروق التي تكون بين استخدام اللغة وآخر، والإحساس باللطائف و الدقائق والأسرار نابع مع الذوق الذي ينتزع أحكامه من علاقات اللغة وما تمنحه إيانا من فكر وتصوير وشعر.

    وفي الختام نقر بأن عبد القاهر وقف بجانب ما جاءت به الدراسات النحوية الحديثة مع رواد المدرسة الغربية كتشومسكي الذي يؤكد أن المعنى النحوي غير كاف، بل لا بد من المعنى النفسي، فقولنا" أكل الولد الكرة " جملة صحيحة نحويا، "فأكل" فعل وفاعله "الولد" و"الكرة" مفعول به، لكنها غير صحيحة من ناحية الدلالة، وهذا بالفعل ما يؤكد عبد القاهر حين يقول: "فهو نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض.و ليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء كيف جاء واتفق...(23) هكذا نفتخر بأن شيخنا الفاضل سبق ما وصلت إليه العقلية الغربية مع اللسانيات التوليدية في إطار ما سموه بنظرية تماسك النص، واستطاعت نظريته أن تصمد بقوتها المنهجية ودقتها المعرفية حتى تجاوزت لحظة ولادتها لتعيش لحظتها، فقفزت من القرن الخامس الهجري لتعايش أحدث النظريات في القرن العشرين.

ثانيا: الاجتهادات البلاغية:

   قراءتنا للاجتهادات البلاغية لا تقف في مواجهة النص المقروء عن طريق تفكيك بنية وإلحاق هذا العمل بأحكام قيمة له أو عليه، وإنما قراءة طموحها الأساس هو فهم واستيعاب هذه الاجتهادات وهي تحتك معها عبر النص الأصلي المتمثل في "دلائل الإعجاز" بغية إضاءة بعض غموضها ومناقشة قضاياها وطروحاتها، وعليه فأول سؤال نطرح هو: كيف تعامل عبد القاهر مع البلاغة؟

  إن الجواب السريع يقتضي أن يقول: إنه وظفها توظيفا توظيفا جديدا ينسجم ونظريته في النظم معتمدا في ذلك الذوق و العقل، فهو حين يعرض للصور البيانية بالدرس و التخليل كان يعرضها لا ليفصل القول فيها من وجهة نظر بلاغية تقعيدية، وإنما تجاوز المعيار المتواضع عليه في الدرس البلاغي وجعله يتمحورداخل النظرية المحورية ككل وهي: "نظرية النظم" ومعانيها الإضافية.

    وللوقوف على صحة ما نذهب إليه، نلمس هذه الظاهرة من خلال الحقائق البيانية التي جاء بها عبد القاهر في كتابه في المباحث التالية: المجاز، الاستعارة، الكناية.

المجاز: يعرف عبد القاهر المجاز قائلا: "كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز(24)، ويعرفه كذلك بقوله:" هو الذي إذا ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها ولكن معنى ما هو ردف له أو شبيهه، فتجاوزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه"(25)، وينص متجاوزا هذه القاعدة البلاغية المتعارف عليها قائلا:" واعلم أن في الكلام مجازا على غير هذا السبيل "(26) فهو يقسم المجاز إلى نوعين: الحكمي واللغوي، ويرتكز على الحكمي منه في مؤلفه، ويعرفه قائلا:" أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية ولا تعريض"(27)، ومثال لذلك قولهم:" نهارك صائم وليلك قائم" وقوله تعالى: "فما ربحت تجارتهم " فأنت تهدف إلى المجاز في كل هذه الكلمات، ولكن المجاز لا يتحقق في ذواتها ولكن في أحكام أجريت عليها، وبذلك ليس المجاز في الآية في لفظة"ربحت" نفسها وإنما في إسنادها إلى " التجارة " وهذا ما يسمى بالمجاز الحكمي أي الذي يستند فيه لحكم معين، وينص عبد القاهر أن هذا المجاز الحكمي، لا يصلح في كل شيء بل في كثير من المواقف تجد نفسك تهيء الشيء وتصلحه لذلك بشيء تتوخاه في النظم ومثال ذلك قول الشاعر:

وصاعقة من نصله ينكفي بها      على أرؤس الأقران خمس سحائب

  وإذا تأملت هذا الاجتهاد تجده ينبع من ذوق ناضج مدرك لأسرار الجمال حتى أن عبد القاهر ليحس أن المعنى يتألم ويتظلم إذا لم يؤد بالعبارة الصالحة، ففي هذا البيت لم ينبه إلى ما في هذه الصورة من تضارب نفسي وتناقض داخلي وقع فيه الشاعر أثناء وصف ممدوحه بالكرم والشجاعة في الوقت نفسه، فقد غاب عن عبد القاهر وهو يقف عند روعة البيت الجمالية أن الشاعر حين صور ممدوحه شجاعا جعله ماسكا بيمناه سيفه ينقض به على أعدائه كالصاعقة، وفي هذه الحالة لا يمكن أن نصف اليد الممسكة بالسيف، اليد القوية الجبارة بالكرم المفرط بل توصف بالحزم و القوة لأنها في موقف القتل وسفك الدم.

   ومما يؤكد هذا أن اليد (ذات الأصابع الخمس) من صفتها الكرم كأنها سحائب، أخلق بها أن تكون رحيمة مشفقة لا صاعقة مدمرة عدوانية، وهذا هو سبب اضطراب الإحساس لدى الشاعر فقد جعل للصورتين المتناقضتين ( البطش، الرحمة) منبعا واحدا هو" اليد'، وعبد القاهر لم ينتبه للمسألة في إطار اجتهاداته الذوقية التي تقف عند ذريات الأشياء والبحث عن الفروق الدقيقة سواء على مستوى المبني أوالمعنى، الصورة أوالمادة، ولكننا نجد عبد القاهر يكلف نفسه غناء كل هذا المثال، بل يقف فيه عند حدود الاستعارة في الصورة الشعرية، وهذا يدفعنا لطرح السؤال التالي: ما هو المقياس الذي اعتمده عبد القاهر للتمييز بين الجودة والرداءة في الشاهد الذي يطرحه ؟ إنه الذوق الناضج المدرب والمجرب، الممارس وليس ذلك الذوق الفج...

     أما إذا انطلقتا إلى مبحث الاستعارة نلاحظ عبد القاهر يعرفها قائلا: "ليست الاستعارة نقل اسم عن شيء ولكنها ادعاء معنى الإسم لشيء إذ لو كانت نقل إسم وكان قولنا "رأيت أسدا" بمعنى رأيت شبيها بالأسد ولم يكن ادعاءه أنه أسد بالحقيقة لكان محالا أن يقال: ليس هو بإنسان ولكنه أسد أو هو أسد في صورة إنسان: كما أنه محال أن يقال: ليس هو بإنسان ولكنه شبيه بأسد: أو يقال: هو شبيه بأسد في صورة إنسان"(28)

  وهو بذلك يتجاوز تلك التعاريف التي أعطيت للاستعارة، تلك التعاريف البلاغية التي وقف عند حدودها في مؤلفه" دلائل الإعجاز" ومنها:" إن الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل..."(29) وقال القاضي أبو الحسين:"الاستعارة ما اكتفى فيه بالإسم المستعار عن الأصلي ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها"(30).

 ويسوق لنا شيخنا الوقور مجموعة أمثلة شعرية ليوضح مفهومه للاستعارة  والمتمثل في أنها إدعاء وافتراض وليست نقلا وتحويلا ومنها قول لبيد:

وغداة ريم قد كشف وقره      إذا أصبحت بيد الشمال زمامها

    لا خلاف في أن "اليد" وقعت فيها استعارة، ثم إنك لا تستطيع أن تزعم أن لفظ اليد قد نقل عن شيء وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبه شيئا "باليد" فيمكنك أن تزعم أنه نقل لفظ اليد إليه، إنما المعنى على أنه أراد أن يثبت للشمال في تصرفها الغداة على طبيعتها تشبه الإنسان وقد أخذ الشيء بيده يقبله ويصرفه كيف يريد، فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد، استعار لها "اليد" وكما لا يمكنك أن تجعل الاستعارة فيه صفة اللفظ لأنه محال أن تقول استعار لفظ اليد للشمال، وكذلك سبيل نظائره مما تجدهم فد أثبتوا فيه للشيء عضو من أعضاء جسم الإنسان من أجل إثباتهم له المعنى الذي يكون في ذلك العضو.

 وإن كانت الاستعارة ادعاءا فأنت لم تنقل الاسم عما وضع له لأن النقل يعني – ضمنيا – أنك استبعدت المعنى الأصلي تماما، ولم تجعله في حسابك، وهذا ما لا يحدث في الاستعارة، لأن إرادتك النقل تظل على ذكر منك، فكيف يمكن أن تكون ناقلا للاسم عن معناه وقاصدا معناه في الوقت نفسه؟ هذه استحالة على المستوى المنطقي لا يحلها في رأي عبد القاهر إلا أن تستبعد فكرة النقل من مفهوم الاستعارة، وتؤكد الادعاء، وإذا كان الأمر كذلك فإن الاستعارة - كما أشرت في البداية- ليس عن شيء إلى آخر وإنما هي ادعاء معنى الاسم لشيء، من ثم فمزية الاستعارة لا يمكن أن تكون في المثبت دون الإثبات: "واعلم أنه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظن من أجله أنه ينبغي أن يكون الحكم في المزية التي تحدث بالاستعارة أنها تحدث في المثبت دون الإثبات، وذلك أن تقول: إنا إذانظرنا إلى الاستعارة وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل على قوة الشبه، وانه تناهى إلى أن صار المشبه لا يتميز عن المشبه به في المعنى الذي من أجله شبه به، وإذا كان كذلك كانت المزية الحادث بها حادثة في الشبه، وإذا كانت حادثة في الشبه كانت في المثبت دون الإثبات، والجواب عن ذلك أن يقال إن الاستعارة – لعمري – تقتضي قوة الشبه، وكونه بحيث لا يتميز المشبه عن المشبه به ولكن ليس ذلك سبب المزية، وذلك لأنه لو كان ذلك سبب المزية لكان ينبغي إذا جئت به صريحا فقلت: رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة، وبحيث لو صورته لظننت أنك رأيت أسدا.." وليس يخفي على عاقل أن ذلك لا يكون "(31) و الأصل في الاستعارة – كما يرى عبد القاهر إثبات الصدق في الكلام ونفي الكذب، إذ كيف يتصور أن تتحمل الصدق والكذب كما يذهب البعض، وهي كثيرة الورود في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من خلف ولا من أمام مثل ذلك قوله تعالى:"واشتعل الرأس شيبا" هكذا نلاحظ أن الاستعارة لا تغير معنى التركيب أوتعدله، وإنما تغير طريقة تقديمه وإثباته، وتجعله أنيقا وأشد تأثيرا...

  لقد قدم عبد القاهر مفهوما منسقا للاستعارة لا يبتعد عما جاء من قبله، بل يحاول أن يلامسه ليؤكده ويداعمه بسند نظري، وبذلك بهر المتأخرين بما أنجز وأضاف، فلم يحاولوا تجاوز أفكاره واكتفوا بالشرح والتوضيح، ومنهم الزمخشري، الفحر الرازي، يحيى ابن حمزة العلوي في القرن الثامن الهجري.

  وعبد القاهر حين تناول باب الكناية عرفها قائلا:" المراد بالكناية ههنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع في اللغة ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود" (32) فهذا التعريف يتفق إلى حد ما مع التعريفات التي هدفت إلى تحديد الكناية، ويكمن اجتهاد عبد القاهر في الجواب على السؤالين التاليين:

السؤال الأول:

 * لماذا أخرج عبد القاهر الكناية من المجاز، وترك الاستعارة باعتبارها ضربا من المجاز اللغوي؟

  بكل بساطة، إن عبد القاهر نص على أن الاستعارة تقوم على التشبيه أي أن هناك مشبه ومشبه به مع حذف أحدهما على اعتبار أن الاستعارة كما حددها البلاغيون هي تشبيه حذف أحد أركانه (المشبه –المشبه به)، أما الكناية فهي لا تقوم على المشابهة بل هي تركيب اصطلح وتم التواضع عليه مكان تركيب آخر أي هي تركيب عوض تركيب آخر أغنى عن ذكره وكني عنه.

  السؤال الثاني:

  * هل الكناية أبلغ من التصريح؟ ينص عبد القاهر أن الكناية ما كانت أبدا أبلغ من التصريح كما يعتقد، أي أن المزية في الكلام ليست في الكناية، ولكن دورها ينحصر فقط في كونك إن كنيت عن المعنى زدت في ذاته، أي أنك زدت في إثباته فجعلته أبلغ وأكد وأشد، وبذلك فأنت في قولك:" فلان كثير الرماد" لم تعرف بكثرة رماده وكثرة قراه، ولم تخبر عنه، بل إنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ وأشد:" ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى دون المعنى نفسه"(33).

  وعبد القاهر يقسم الكلام الفصيح إلى قسمين:

·       قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ,

·       قسم تعزى المزية فيه إلى النظم.

 وبذلك يتجاوز التعريفات البلاغية السابقة التي تحدد معنى الفصاحة، سواء اللفظين أو المعنويين ومنها تعريف أستاذه الجاحظ وفيه يقول:" وهذه شبهة... أن يدعي أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي وتعديل مزاج الحروف لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان" (34) ويأتي بعد هذا النص بالشاهد الذي جاء به الجاحظ للاستدلال على أن الفصاحة في تلاءم اللفظ وخلوه من تنافر الحروف وهو قول الشاعر:

وقبر حرب بمكان قفـر       وليس قرب حرب قبر

 قال الجاحظ: "فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه تثير أمن بعض" (35) ولا يقف الجاحظ عند هذا الحد بل يتعداه إلى القول على لسان عبد القاهر:"إن القول في ذلك طبقات فمنه المتناهي في الثقل المفرط فيه كالذي مضى ومنه ما هو أخف منه كقول أبي تمام:

كريم متى أمدحه أمدحه والورى     معي، وإذا ما لمته لمته وحدي.

  فبعد أن يعرض الجرجاني قول أبا عثمان يعطي رأيه في المسألة فيقول مستنكرا للذي يرى أن الفصاحة لا تتم للفظ إلا إذا كان خاليا من التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج الحروف حتى لا تتلاقى في النطق" والذي يبطل هذه الشبهة...أنا إذ قصرنا الفصاحة على كون اللفظ كذلك، وجعلناه المراد بها لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز البلاغة، ومن أن تكون نظيرة لها، وإذا فعلنا ذلك لم نخل من أحد الأمرين، إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرج على غيره، وإما نجعله أحد ما نفاضل به ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام، فإن أخذنا بالأول لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به وفي ذلك ما لايخفى من الشناعة لأنه يؤدي إلى أن لا يكون للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة من وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل والإجمال والتفضيل، ووضع الفصل والوصل موضعهما، وتوفية الحذف و التأكيد، والتقديم والتأخير شروطهما، ومدخل فيما له كان القرآن معجزا حتى ندعي أنه لم يكن معجزا من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل وكلام شريف النظم بديع التأليف، وذلك أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.

  وإن أخذنا بالثاني وهوأن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا لأنه ليس بأكثر من أن يعمد إلى الفصاحة فيخرجها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكون نظيرة لهما وفي عداد ما هو شبههما من البراعة والجزالة وأشباه ذلك مما ينبىء عن شرف النظم وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، وأعلمتك جنسها، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان، وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده، وإن تعسف متعسف في تلاؤم الحروف فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزا، كان الوجه أن يقال له: لأنه يلزمك على قياس قولك أن تجوز أن يكون ههنا للألفاظ وترتيب لا على نسق المعاني ولا على وجه يقصد به الفائدة ثم يكون مع ذلك معجزا، وكفة به فسادا"(36)

    فعبد القاهر في هذا النص يؤكد أن الفصاحة تنسحب عن الكلام دون اللفظ، فهو ينكر أن تكون لفظة فصيحة، لأنها تواضع وتوافق بين مجموعة من البشر داخل العشيرة اللغوية، وبذلك لا توجد مفردة أفصح من مفردة، وبناءا عليه فليست الفصاحة صفة للمفردة على الإطلاق، فحين نسمع ابن الرومي مثلا يقول:

       أعانقها والنفس بعــد مشوقـة        إليها وهل بعد العناق تدانـــي؟

      وكأن فؤادي ليس يشفي رسيسه        سوى أن ترى الروحان يمتزجان (37)

  فكلمة "ر سيسه " هل هي كلمة فصيحة؟ بالطبع لا، وإلا لاعتبرنا كل الكلمات والمفردات التي يعج بها القاموس اللغوي فصيحة.

  هل يمكن الاستعاضة عنها بأخرى؟ لا، لأنها أعطت للسياق جمالا ونسقا رائعا لن تؤديه عشرات الكلمات من المعجم، إذا، أين يكمن جمالها؟ في السياق، وما ارتبطت به من استعمال ونظم. هكذا نلاحظ أن عبد القاهر يرفض الاعتراف بالجزء، فالكلمة جزء من الكلام، ويرفض أن تكون فصيحة، وهذا الرأي يرتبط بالهاجس الذي دفعه إلى كتابة المؤلف والممثل في البحث عن مكمن إعجاز القرآن وسر خلوده، فشارك مع من بحث في الموضوع من أمثال الرماني في مؤلفه "النكت في إعجاز القرآن إلى سبعة مسائل هي:

*البعد عن المعارضة: فالقرآن جاء ليتحدى من لم يؤمن به، وقد كان تحديه بشكل تدريجي، وتمثل في أمر الله سبحانه وتعالى لعبيد الأصنام و الكواكب أن يأتوا بعشر سور من مثله، بل بسورة من مثله، وإن لم يستطعوا ولن يستطعوا – فبآية فقط من مثله – فلما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنه"(38)

*وأما التحدي للكافة فهو أظهر في أنهم لا يجوز أن يتركوا المعارضة مع توفر الدواعي إلا للعجز عنها"(39)

*الصرفة عن المعارضة.

*البلاغة وهي عنده عشرة أقسام: الإيجاز، التشبيه، الاستعارة، التلاؤم، الفواصل، التجانس، التصريف، التضمين، المبالغة، وحسن البيان، ويورد الرماني، أمثلة لهذه الأجناس ويبين مكمن الإعجاز.

*ما جاء به القرآن من أخبار صادقة عن الأمور المستقبلية.

*شرح نقض القرآن للعادة بأنها كانت جارية بضروب من أنواع الكلام المعروفة منها: الشعر والسجع، والخطب والرسائل، والمنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة، لها منزلة في الحسن تفوقه به كل طريقة (40).

    إلى جانبه نجد الخطابي "في كتابه" بيان إعجاز القرآن"، حيث ينص أن الإعجاز يكمن في الألفاظ الفصيحة والجزلية التي جاء بها(41)، ولكي تسلم له هذه القاعدة أورد بعض الأساليب القرآنية التي قد يعترض عليها بأنها غير جارية على النمط الرفيع، ليبين السر في اختيارها كقوله تعالى:"فأكله الذئب" فإن الذي يستعمل في فعل السباع خصوصا: الافتراس، يقال: افترسه السبع، هذا هو المختار الفصيح في معناه، فأما الأكل فهو عام لا يختص به نوع من الحيوان دون نزع، ويرد الخطابي على ذلك بأن"الافتراس" معناه في فعل السبع «القتل"فحسب، و لكن القوم إنما ادعوا على الذئب تمام هذا المعنى، فلم يصلح على هذا أن يعبر عنه إلا بالأكل.(42)

   وهناك الباقلاني الذي يرى أن القرآن كان معجزا من ثلاث جبهات نقلا عن الأشاعرة، أولاها تضمنه الأخبار عن الغيبيات، وذلك ما لايقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه(43) وثانيها أنه كان معلوما حال النبي – صلوات الله عليه – أنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ، ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وسيرهم وثالثها أنه بديع النظم، عجيب التأليف(44).

  وقد سبقت هذه الكتابات بمؤلفين ضخمين الأول هو كتاب أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري تحت عنوان:" مجاز القرآن"، ولا يريد به ذلك المجاز المسطر في كتب البلاغة بأنه استخدم الكلمة أو العبارة في غير ما وضعت له، بعلاقة وقرينة من إرادة المعنى الحقيقي، أو إسناد الشيء إلى غير ما هو له، ولكن يريد بالمجاز معناه اللغوي وهو الطريق، والممر فكأنه يريد بكتابه أن يكون ممرا لمعرفة معاني كتاب الله.

    وإلى جانبه نجد كتاب "مشكل القرآن" لصاحبه ابن قتيبة، وهو امتداد"لمجاز القرآن" الذي دافع فيه صاحبه عن القرآن وعلى الطاعنين في وجوه القرءات وفيما ادعى على القرآن من البحث.

    وقد نسف عبد القاهر هذه الآراء كلها، ووضع حدا لتلك القشور الخرافية والغيبية التي جاءت بها النظريات السابقة في محاولة لتفسير الإعجاز، فنص على أن الجمال في القرآن لا يبتدئ من الوحدات، فالمفردات والغريب، والمجاز لا قيمة له في القرآن، وإنما الجمال في طريق النسج في طريق النظم، في طريق التنسيق بين المفردات، فرغم وجود الكلمات القرآنية ذات قيمة إلا أن تلك القيمة التي اكتسبتها كانت من السياق الذي وضعت فيه، فبلاغة القرآن في نظمه.

    لهذا نلاحظ إصرار عبد القاهر على أن المضمون هو الذي يوجد المفردة لأن المفردة هي اصطلاح واتفاق لا تدل في ذاتها وإنما تحيلك إلى مضمون معين هو الذي يشحنها، فالألفاظ لا قيمة لها في ذاتها وإنما في علاقتها الأسلوبية بين سابقاتها ولاحقتها من الكلمات، فهي مولودة على الفطرة، فالعلاقة الأسلوبية هي التي تحدد فصاحتها، فما هي هذه العلاقة الأسلوبية؟ إنها بالضبط مآلفة لمعاني الإنسان في نفسه، جاءت من التأليف المتواجد في أحاسيس وخلجات ونفسية المؤلف، في مكامن نبراته الذاتية التي لا سلطان له هو نفسه عليها، فأي جمال في "القمر" الذي يشبه به وجه الحبيبة، فقد أكد "أمسترونك" أنه عبارة عن أرض قاحلة غير صالحة للعيش، فأين هو من الجمال، إذا استندنا إلى شهادة أول من وضع قدمه على سطح القمر؟ .إن جماله يكمن – كما يرى الجرجاني – في الأسلوب الذي وضع فيه فاسمعه يقول:" إن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ في ملاءمة معنى اللفظة التي تليها أو ما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ، وما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقله عليك، وتوحشك في موضع آخر..فإذا كانت الكلمة الحسنة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية و الشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك الحال لها مع أخواتها لها في النظم، لما اختلفت بها الحال، ولكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبدا.."(45)

  ومما يؤكد هذا النص معالجة عبد القاهر الجرجاني للبيت التالي:

لا تنكري عطل الكريم من الغنى      فالسيل حرب للمكان العالي

    نلاحظ أن مفردات هذا البيت غير ساحرة بل هي مفردات معجمية عادية، أن المجاز المستعمل في عجز البيت لم يعط السحر الموجود في البيت بل ما نتج عن استعماله المجاز من تألفة بين الألفاظ هو الذي أكسب البيت سحرا ورونقا، فالشاعر يطلب من المخاطبة أن لا تنكر تأخر الغني عن العطاء لأن من كثرة كرمه وعطاءاته سينفذ غناه كما ينفذ ما على قمم الجبال نتيجة سيل الماء من المكان العالي (الكريم)، السيل (الكرم) فالمجاز في عجز بيت أبي تمام هو وسيلة لإحداث سحر في الصورة.

  نخلص في النهاية إلى القول: بعد ما كانت البلاغة إحصاء وتجميعا للتعابير البيانية والمحسنات اللفظية، وتعريفا لها، اتخذت مع عبد القاهر شكلا جديدا يدور في فلك النظم ويكون بذلك قد استطاع في عصر بدت فيه ملامح هذا الفن متبلورة مستقلة أن يطرح من جديد موضوعها على بساط البحث انطلاقا من بحثه عن الإعجاز البياني في القرآن، ولكل هذا لعلنا لا نبالغ إن أكدنا أنه بعث حياة جديدة في التفكير البلاغي، فدعنا نقر بعبقرية هذا الشيخ الجليل سيد زمانه وزماننا.

     المحور الثاني: الاجتهادات الذوقية المفضية لدراسة الأسلوب.

   النقد العربي القديم قائم على مقاييس متعددة، لكن هناك مقياس يقوم على الإحساس بأثر الشعر في النفس، وعلى مقدار وقع الكلام عند الناقد، فالحكم مرتبط بهذا الإحساس قوة وضعفا، وهذا المقياس هو الذوق، فما هو ذوق الجرجاني؟ يؤمن عبد القاهر إيمانا عميقا بأن الذوق المصفى هو الأساس لإدراك الجمال ومعرفة أسبابه، وأن ذلك طبع موهوب، لابد منه لمن يريد أن يميز بين النصوص جيدها ورديئها، وأن يفرق في الحسن بين صورة وأخرى، وإلى جانب الذوق الحساس يجب أن تكون هناك مجموعة من الشروط منها الذكاء والدربة والمراس والتولفة في معالجة النصوص الأدبية حتى يدرك الفرق الدقيق بين العبارات التي تمتاز بنوع من التشابه الظاهري، فذوق عبد القاهر ليس ذوقا فجا ولا فطريا بل هو ذوق علمي قادر على تفتيت النصوص وتذوق حلوها من مرها.

   فالبلاغة في القول، وإدراك الجمال في العبارة، والشعور بالحسن في النص تحتاج كلها إلى الذوق والطبيعة وإدراك أن النظم يتبع المعنى، وأن اختلاف العبارة يدل على اختلاف المعنى من الأمور العقلية التي يمكن الإقناع بها، يقول عبد القاهر مفرقا بين الإقناع بالنظم والإقناع بالجمال:"... اتهمونا في دعوانا ما ادعيناه لتنكير الحياة في قوله تعالى:" ولكم في القصاص حياة" من أنه له حسنا ومزية، وأن فيه بلاغة، وظنوه وهما منا وتخيلا، ولسنا نستطيع في كشف الشبهة في هذا عنهم، وتصوير الذي هو الحق عندهم، مااستطعناه في نفس النظم لأنا ملكنا في ذلك أن نضطرهم إلى أن يعلموا صحة ما نقول، وليس الأمر في هذا كذلك، فليس الداء فيه بالهين ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا، والسعي منجحا، لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها، وتصور لهم شأنه، أمور خفية ومعان روحانية لها، وتحدث له علما بها، حتى يكون مهيئا لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يحد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة، وممن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر فرق بين موقع شيء منها وشيء."(46)، فهو يجعل الذوق و الطبع الأداة التي تدرك جمال الجميل، إذ يؤمن بأن من الممكن الوصول إلى معرفة العلة في الجمال، ويعد الوقوف دون هذه المعرفة كسلا عقليا ينبغي أن يبرأ منه دارس البلاغة والناقد المجد"(47)، هذا الذوق هو الأصل الذي ترد الناس إليه في فهم أسرار الجمال، وإدراك مواطن الحسن، ويعلل عبد القاهر الحاجة إلى الذوق بأنه ليس في أصناف العلوم الخفية، والأمور الغامضة الدقيقة أعجب طريقا في الخفاء من إدراك البلاغة، حتى لتظل بعض الشبهات عالقة في الصدور بعدما قلت بحثا...

  ويمكن أن نلمس حقيقة ما ذهبنا إليه ونحن نقلب الإجتهادات الذوقية التي جاء بها عبد القاهر والتي تدور كزميلتها التقعيدية في فلك نظرية النظم، فما النظم؟، وماعلاقته بالاجتهادات الذوقية؟

  ما يمكن أن نؤكد عليه مسبقا أن "النظم" ليس سوى حكم من النحو تمضي في توخيه، وإنما الهدف هو الدلالة التي يؤديها السياق لذلك اعتبر إهمال النظم والأخذ بسلامة الحروف سخفا، والشاهد على ذلك ما ساقه عبد القاهر من قول الجاحظ حين يقول:" جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين الصدق سببا، وحبب إليك التثبيت، وزين في عينك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عن الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة وما في الجهل من القلة؟(48)

   فهذا الكلام جيد في نظر عبد القاهر ولكنه ليس بجميل، فهو جيد لأنه روعيت فيه القواعد النحوية التي تعصم اللسان من الوقوع في الخطأ والزلل، وهوليس بجميل لأنه لا يحمل مزية وحسنا من تم عد كلاما سخيفا، ولتدقيق الجواب عن النظم اخترنا النصوص التالية:

أ‌-     "النظم هو ترتيب الكلم وتعلق بعضها على بعض وجعل هذه بسبب تلك.(49)

ب‌-    "اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا نخل بشيء منها"(50)

ج- "إذا عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها ونهاية لا تجد لها ازدياد بعدها..." ثم اعلم أن ليس المزية بواجبة لها في أنفسها (أي لمعاني النحو) ومن حيث هي على الإطلاق ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ثم بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها من بعض...فلا فضل و لا مزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريده والغرض الذي تؤم".(51)

  وقد اعترض الجرجاني من معترضيه السؤال التالي: هل معنى هذه النصوص أن لا مزية للاستعارة والمجاز و الكناية.. فيكون المعول عليه هو النحو دون البلاغة ؟ وقد أجاب عنه في صفحة 83 بوضوح حيث قال معلقا على بيتين للمتنبي:

         وقيدت نفسي في ذراك محبة     ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا.

"الاستعارة في أصلها مبتدلة معروفة، فإنك تقول للرجل يكثر إحسانه إليه وبره له، حتى يألفه ويختار المقام عنده، قد قيدني بكثرة إحسانه إلي وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده، وإنما كان ما ترى من الحسن بالمسلك الذي سلك النظم و التأليف"(52)

   ويتضح ذلك أكثر عند مقارنتنا للتركيبين التاليين: "اشتعل الرأس شيبا" و"اشتعل شيب الرأس"، فعلى الرغم من اشتراكهما في الاستعارة فإن أحدهما يفضل الآخر ويسمو عليه، فلو كان الأمر رهينا بالاستعارة لوجب أن يستوي قوله تعالى :" اشتعل الرأس شيبا"بقول البشر:"اشتعل شيب الرأس".فالآية الكريمة تؤكد توقد الشيب في الرأس برمته، فهي ذات مفهوم شمولي دال على أن النضج شمل الرأس وصاحبه بما في ذلك فكره وسلوكه، في حين أن الجملة البشرية تدل على أن الشيب في جانب دون جوانب أخرى، ومن هنا جاء الاختلاف الكلي بين التركيبين.

  وعبد القاهر لا يؤمن بالنظم الصوتي، لأنه يؤمن أن هذا النوع من التسلسل قد لا يحدث دلالة ولا معنى، والدليل على ذلك أننا لو قلنا أن واضع اللغة قال:" ربض " عوض "ضرب " لما وقع خلل، فالنظم الذي يريده عبد القاهر هو النظم الدلالي الذي يعرف تناسقا معنويا دلاليا.

إن البناء السطحي للكلام عادة ما يوهمنا بأن الترتيب (النظم) يكون في المعاني؛ فالألفاظ أوعية وقوالب، وخدم للمعاني، والترتيب عند عبد القاهر هو الجمع بين الكلمات وضم بعضها إلى بعض طبقا للقواعد النحوية التي يمكن أن تؤديها، وهذا ما نستخلص من قوله:" ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، والكلام ثلاث: اسم وفعل وحرف، وللتعلق فيما بينها طرق معلومة، وهو لا يعدو ثلاثة أقسام: تعلق اسم باسم، وتعلق اسم الفعل، وتعلق حرف بهما"(53) وقوله في موضع آخر:" واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، ويجعل هذه بسبب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس... ولا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر، أو تتبع الاسم الأول اسما على أن يكون الثاني صفة للأول، أو تأكيدا له أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك على أن يكون الثاني صفة أو حالا أو تمييزا، وأن تتوخى في كلام هو لإثبات معنى أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنيا فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر فتجيء بهما بعد الحرف الموضوعة لهذا المعنى أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف وعلى هذا المقياس(54)، ويزيد عبد القاهر مؤكدا على فطريته بقوله إننا نسمع كثيرا: "هذا الكلام انتظمت ألفاظه ولا نقول انتظمت معانية"، والمقصود ليس اللفظ من حيث هو صوت مسموع، بل المقصود هو المعنى، وبذلك فالكلام بالنسبة له لا يكون معجزا إلا إذا كان دالا.

  إن مزايا النظم بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ثم بحسب موقع بعضها من بعض، و المنهج الذي اتخذه في دراسته للنظم خاصة وللبلاغة عامة هو المنهج اللغوي القائم على الاستفادة من النحو في التحليل، إن ضبط النحو لتراكيب أو معاني الكلام يحقق فعلا الهدف النظمي دون إغفال للجوانب الدلالية، بل إن غياب التركيب النحوي يؤدي بالضرورة إلى فقدان الجوانب الدلالية حيث تصبح الألفاظ أشتاتا مبعثرة لا تمثل أي قيمة دلالية، في حين أنها في الوضع الأول كونت نسقا إبداعيا، ويقدم عبد القاهر نموذجا تطبيقيا لذلك من خلال مطلع امرىء القيس:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكَرى حَبِيبٍ ومَنْزلٍ

 فلو أزلنا من هذا المطلع ما فيه من ترتيب، وأعدنا ترتيب الألفاظ على نحو يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو فقيل:"من نبك قفا حبيب ذكرى منزل" فلن يتعلق الفكر بمعنى كلمة منها، لأن الفكر لا يتعلق إلا إذا توخينا إمكانات النحو في تركيب الكلام، وهو ما صنعه امرؤ القيس من كون "نبك" جوابا لأمر، وكون" من " متعدية إلى" ذكرى"، وكون "ذكرى " مضاف إلى "جبيب"وكون "منزل" معطوفا على "حبيب"، وجملة الأمر أنه لا يكون هناك إبداع في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصيغة، وإن لم يقدم ما قدم، ولم يؤخر ما أخر، وبدأ بالذي ثنى به، أو ثنى بالذي ثلث به، لم تحصل الصورة الأدبية وعلى هذا تدور أمامنا طريقتان متكاملتان للتحليل النحوي، إحداهما تهدف إلى إدراك علاقة الكلمة بغيرها من الكلمات التي تجاورها أو تبتعد عنها، وأثر ذلك في تغيير الدلالة، والأخرى ترمي إلى معرفة علاقة الكلمة المذكورة في النص بالبدائل التي يمكن أن تحل محلها، لكنها لم تذكر لهدف جمالي خالص، كما لاحظنا في الأمثلة السابقة، وكأن عملية التجاور من جهة والتشابه من جهة أخرى هما الأساس في إدراك الطبيعة الإبداعية للغة، تنظيرا وتطبيقا.

    ومن هنا يتبين أن الإعجاز لا يشمل المفردات ولو كان فيه فضل للمفردة لاستوى فيه الحابل والنابل، ولكان القاموس أعجز من القرآن لأنه يشمل كمية من المفردات لايشملها القرآن الكريم انطلاقا من مبدأ الكمية، وعليه فالعملية تتجلى في كيفية تدحرج المفردة ونسجها، فمتى وجدت نسجا لكلمة بما يليها وما قبلها فقد استخدمت الصياغة؛ وصياغتك تحكم لك أو عليك.

    هكذا إذا نخلص مما سبق إلى أن النظم لا يعني نظم الألفاظ من حيث هي ألفاظ في استعمالها المجازي أو الحقيقي، وإنما هو نظمها وفق ما تقتضيه المعاني في النفوس، فتكون الألفاظ المنتقاة لا تكبر المعنى ولا تصغره، وبعد ذلك ينظر في طريقة نظمها وبنائها، وتأكيدا لذلك نقف عند نص وقف عليه أستاذنا عبد القاهر قائلا:"وليت شعري هل كانت الألفاظ إلا من أجل المعاني؟وهل هي إلا خدم لها، ومعرفة على حكمها ؟أو ليست هي سمات لها... وأوضاعا قد وضعت لتدل عليها؟ فكيف يتصور أن تسبق المعاني وأن تتقدمها في تصور النفس.إن جاز ذلك جاز أن تكون أسامي الأشياء قد وضعت قبل أن عرفت الأشياء وقبل أن كانت (هل تعرف كلمة تلفزيون قبل أن خلقت؟ بالطبع لا) وما أدرى ما أقول في شيء، يجر الذاهبين إليه إلى أشباه هذا من فنون المحال، ورديء الأحوال" (56)

  النظم إذن طريقة تعليق الألفاظ بعضها على بعض، وهذا التعليق هو السير في أن يفوق كلام كلاما وتفضل عبارة عبارة، ثم إن النظم ليس فقط اختيار وانتقاء للدلالة عن المعاني، ولكن حسن بنائها وفق هذه المعاني، وإذا كان المعجم هو القائد في اختيار الألفاظ في المرحلة الأولى فإن علم معاني النحو هو القائد في اختيار النسيج والتركيب الجميل.

   وهل تشك فيما سبق ذكره إذا فكرت في قوله تعالى:" وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين."

  إن شككت فتأمل هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت أدت من الفصاحة ما تؤديه وهي مكانها من الآية؟ قل:"ابلعي" واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها وكذلك اعتبر سائر ما يليها، و كيف بالشك في ذلك ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض غير العاقل بنداء العاقل ثم أمرت، ثم في أن كان النداء" بيا" "أي" نحو "يا أيتها الأرض"، ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال ابلعي "الماء"، ثم أن اتبع نداء الأرض وأمرها بما هو شأنها، نداء السماء، وأمرها كذلك بما يخصها، ثم قيل و"غيض الماء" فجاء الفعل على ضبطه "فُعِلَ" الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى" وقضي الأمر" ثم ذكر ما هو فائدة الأمور وهو"استوت على الجودي" ثم إضمار "السفينة" قبل الذكر كما هو شرط الضخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة "قيل في الخاتمة "بقيل " في الفاتحة..." ويعلق عبد القاهر قائلا:" فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمة مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا يتعلق به بصريح اللفظ".

     ومن اجتهادات عبد القاهر النقدية الذوقية أن البداية في جملة الاستفهام بالاسم ليست كالبداية بالفعل يبين ذلك بقوله تعالى حكاية عن النمرود "آأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم " فهم يريدون معرفة من قام بكسر الأصنام، وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم:" أأنت فعلت هذا " وقال عليه السلام في الجواب" بل فعله كبيرهم هذا" ولوكان التقرير بالفعل لكان الجواب: فعلت أم لم أفعل، فحين نقول: أفعلت: فإننا نؤكد ونقرر وقوع الفعل بغير تردد.ولكن حين نقول:أأنت فعلت، فإننا نشك في الفعل، هكذا نلاحظ أن للهمزة الاستفهامية لدى عبد القاهر وظيفة تقريرية إلى جانب ذلك لها وظيفة إنكارية وهوانكار وجود الفعل أصلا، أي إنكار القيام بالفعل، ومثله قوله تعالى:"اصطفى البنات على البنين، مالكم كيف تحكمون" فهذا رد على المشركين وتكذيب لهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم، وإذا قدم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا" أأنت قلت هذا الشعر " ؟ أنكرت أن يكون هو القائل ولم تنكر الشعر.

    إلى جانب ما سبق نقف أمام اجتهاد عبد القاهر وهو يناقش المثال التالي:"وسألت بأعناق المطي الأباطح" معناه أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلامة كأنها سيول وقعت في تلك الأباطح (عندما تجرى الجمال تخال أن الأنهار هي التي تجري).

  كيف يعلل عبد القاهر الحسن والغرابة في المثال؟ يقول: "وسألت بأعناق المطي الأباطح" على هذه الجملة، وذلك أنه لم يغرب لأن جعل المطي في سرعة سيرها وسهولته كالماء يجرى في الأبطح، فإن هذا شبه معروف وظاهر، ولكن الدقة واللطف في خصوصية أفادها بأن جعل "سال " فعلا "للأباطح" ثم عداه بالباء. ثم بأن أدخل الأعناق في البيت فقال:" بأعناق المطي ولم يقل بالمطي"، ولو قال:سألت المطي في الأباطح، لم يكن شيئا."(57)

    إن الجرجاني باعترافه بمقياس الذوق قد رأى أن النص بطبيعته ينفلت عن أن يحيط المنهج الجاهر بتحليله، وبالتالي فالمرزية في دراسة موضوع كالتقديم و التأخير مثلا ليس في معرفة قواعد التحويل فيما تؤدي إليه هذه القواعد من معاني لا يدركها إلا الذوق الناضج، وهذه فكرة ترجع إلى قول قائل لخلف الأحمر:" إذا سمعت أنا بالشعر، واستحسنته، فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال له خلف الأحمر إذا استحسنت درهما وقال لك الصراف إنه ردىء فهل ينفعك استحسانك له؟".

   خلاصة القول إن الجرجاني تلقف نظرية النظم فكرة مضطربة موزعة المفاهيم والعناصر والمقاصد بين البلغاء واللغويين والنحاة ودارسي الإعجاز فهذبها وأخضعها لعلم حدد عناصره وأركانه وضبط علومه وأدواته بعد أن أضاف إليها ما كان ينقصها وبنى من مجموع ذلك نظرية لم يسبق بها وحّدت شتات البلاغة وهي نظرية النظم وقد أكد عبد القاهر صفاتها انطلاقا من مجموعة من الأشعار منها قول عبد الصمد بن المعذل:

مكتئب ذو كبد حرّى       تبكـي عليه مقلة عبرى

يرفع يمناه إلى ربـه      يدعو وفوق الكبد اليسرى

  يقول الجرجاني: "أنظر إلى لفظة "يدعو" وإلى موقعها" لا شك أن فعل "يدعو" لا يكتسب القيمة التي يراها له عبد القاهر إلا داخل السياق العام للبيتين فاللفظة لا قيمة لها في ذاتها وإنما التوليف والتركيب والنظم هو العامل المحدد لقيمتها، فموقع "يدعو" هو الذي يعطي السياق معناه العميق، هناك مجموعة من الأفعال تمنح الحيوية والحركة للبيتين: "تبكي" (العين) + "يرفع"(المكتئب)+ يدعو(المكتئب)، وكثرة الأفعال تظهر مبلغ الآلام التي يعانيها المكتئب. والفعل "يدعو " الكلمة الحسم، لأنه فعل متوجه إلى "الرب" كمحطة أخيرة، وقول إبراهيم بن العباس:

فول إذ نبا دهر وأنكـر صاحب           وسلـط وغـاب نصيــر

تكون عن الأهواز داري بنجوة             ولكن مقادير جرت وأمـور

وإني لأرجـو بعـد هذا محمدا            لا فضل ما يرجى أخ ووزير

  ويرجع عبد القاهر جمال الأبيات إلى:

1-     تقديم الظرف الذي "إذ نبا" على عامله "تكون".

2-     أن قال "تكون" بدلا من:كان.

3-     أن نكر الدهر ولم يقل "فلو إذ نبا الدهر".

4-     أن ساق التنكير فيما أتى من بعده.

5-     ثم أن قال "فأنكر صاحب "ولم يقل "وأنكرت صاحبا".