طه أحمد إبراهيم وقضايا النقد العربي القديم

 

بشرى تاكفراست   
أستاذة جامعية- المملكة المغربية  

      "نشأ طه أحمد إبراهيم في ميت عفيف التابعة لمركز الباجور بالمنفية، وتعلم في أحد مكاتبها، ثم تركها ولحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة 1920.اشتغل بالتدريس في مدرسة الأقباط الكبرى الثانوية، وفي أثناء ذلك كان يتعلم الفرنسية، حتى ألم بقسط منها، طمحت نفسه إلى أن يذهب إلى فرنسا على نفقته ليبتدئ دراسة جديدة، فذهب ولحق بجامعة السربون بباريس، ودرس العلوم السياسية.ونال دبلومها سنة 1925، وعاد إلى مصر وكان يأمل أن يشتغل في السلك الدبلوماسي، ولكنه لم ينل بغيته.وعاد إلى التدريس، فعين مدرسا بمدرسة المعلمين بطنطا،ثم نقل إلى مدرستها الثانوية، ثم اختير للتدريس بكلية الآداب في فبراير سنة 1929.

  ...كان دؤوبا على العمل...مطلعا باحثا حتى أصيب بمرض السكر، وكانت الإصابة شديدة، فلم يتحملها، فذوى غصنه وهو في عنفوان الشباب، ومات مأسوفا عليه في ديسمبر 1939.

   كان أديبا شاعرا، صادق الحس، ترك مجموعة من الأشعار ضاع معظمها.كان قد شرع في تأليف كتاب في تاريخ النقد الأدبي عند العرب، فأتم الجزء الأول من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري.وأدركته الوفاة وقام زملاؤه بكلية الآداب بنشره وأشرف على طبعه وكتب مقدمته الأستاذ أحمد الشايب، زميله بالكلية، فكان هذا العمل منهم وفاء له وتقديرا لفضله...  22-11-1948. "(1)

"ويعتبر كتاب النقد الأدبي الخطوة الأولى في دراسة تار يخ النقد الأدبي."(2)

   أول ما يطالعك في هذا الكتاب معالجته لقضية"نشأة النقد العربي القديم"بعدأن طرح السؤال التالي:أجهل العرب فن النقد الأدبي"(3)، فتلاحظ من البدء أنه سطر مجموعة من النتائج حول البداية الفعلية للنقد الأدبي العربي القديم وهي كالتالي:

 

أولا: عروبة النقد: فالنقد عربي المولد و التطور انطلاقا من كون "النقد الأدبي ظهر في الشعر و ظلت أكثر بحوثه في الشعر"(4).ثم هو "عربي النشأة كالشعر لم يتأثر بمؤثرات أجنبية، ولم يقم إلا على الذوق العربي السليم."(5) وقوله أيضا:"إن هذا الشعر...: عربي في أعارضه ونهجه وأغراضه وروحه."(6)

 

ثانيا:نضج الشعر: فالشعر الجاهلي لم يعرف إلا ناضجا مكتملا متجاوزا مرحلة المقطعات إلى مرحلة القصيدة الكاملة ذات الروي الواحد والقافية الثابتة "إننا لا نعرف هذا الشعر إلا ناضجا كاملا، منسجم التفاعيل مؤتلف النظم، كما نقرأه في المعلقات وفي شعر عشرات الجاهليين الذين أدركوا الإسلام أو كادوا يدركونه."(7)

 

ثالثا: تثقيف الشعر:وهي عملية يقوم بها الشعراء تجاه شعرهم.فالشعراء يتوجهون إلى شعرهم يتدارسونه ويراجعونه ويحذفون منه، ويضيفون إليه في تبصر وعمق، وكل هذا ضرب من الممارسة النقدية على نصوصهم الشعرية "إن هذا الشعر مر بضروب كثيرة من التهذيب حتى بلغ ذلك الإتقان الذي تجده عليه أواخر العصر الجاهلي...فلم يكن طفرة أن يهتدي العربي لوحدة الروي في القصيدة، ولا لوحدة حركة الروي، و لا للتصريع في أولها ولا لافتتاحها بالنسيب و الوقوف بالأطلال.لم يكن طفرة أن يعرف العرب كل تلك الأصول الشعرية في القصيد، و كل تلك المواصفات في ابتداءاته مثلا و إنما عرف ذلك كله بعد تجارب وبعد إطلاع وتهذيب، وهذا هو النقد الأدبي."(8) ما يؤكد أن القدماء لم يقبلوا كلما يرد على خواطرهم بل ما يزالون ينقحون حتى يظفروا بأعمال جيدة.وهي أعمال كانوا يجيلول فيها الفكر متكلفين فيها جهودا شاقة في التماس معنى المصيب تارة والتماس اللفظ المتخير تارة ثانية. يقودهم في ذلك بصر محكم يميزون به المعاني والألفاظ بحيث يصونون كلامهم عما قد يفسده أو يهجنه و من ذلك قول عدي بن الرقاع:

          وقصيدة قد بت أجمع بينهـا             حتى أقوم ميلها و سنادها

          نظر المثقف في كعوب قناته             حتى يقيم ثقافه منآذها(9)

ويقول سويد بن كراع:

       أبيت بأبواب القوافي كأنمــا       أصادي بها سربا من الوحش نُزَّعا(10)

 

رابعا:التلازم بين الشعر و النقد:  لكي يبرهن على وجود النقد، التمس الأستاذ طه أحمد إبراهيم دلائله من وجود الشعر.و في ذلك يقول: "في مثل هذا العهد نعد نقدا كل ما له مساس بالأدب بنية ومعنى، و إن لم يتصل بالبحث في الجمال الفني، فذم الإقواء نقد في الجاهلية، لأنه يعيب أمرا لعله من آثار طفولة الشعر."(11)هكذا نلاحظ من خلال النص كيف يحدد ذ.طه أحمد إبراهيم النقد في العصر الجاهلي في:

1-أنه نقد ينصب على النصوص الحديثة و المعايشة.

2- أنه نقد يهتم بالجانب الفني المعنوي أي بالشكل و المضمون. و نلمس وصفه للنقد بدقة حين نقرأ النص التالي:"وجد النقد الأدبي في الجاهلية ولكنه وجد هينا يسيرا، ملائما لروح العصر، ملائما للشعر العربي نفسه.فالشعر الجاهلي إحساس محض أو يكاد.والنقد كذلك كلاهما قائم على الانفعال والتأثر، فالشاعر مهتاج بما حوله من الأشياء والحوادث.والناقد مهتاج بوقع الكلام في نفسه وكل نقد في نشأته لابد أن يكون قائما على الانفعال بأثر الكلام المنقود.و الناقد العربي لا يشد عن تلك القاعدة ". (12) ومن المعالم التي يركز عليها ذ.طه أحمد إبراهيم وجود النقد العربي على العهد الجاهلي:

أ‌-       ما كان يدور في الأسواق حين كان الأدب سلعة من السلع التي تعرض فيه.

ب‌- المجالس الأدبية التي عرفت مساجلات ومناقشات بين الشعراء."وهذه الأحاديث والأحكام والمآخذ هي نواة النقد العربي الأولى."(13).ومن ذلك ما نجده:

1-    في سوق عكاظ: حيث كانت تضرب قبة حمراء للنابغة الذبياني فيتوافد عليها الشعراء من أجل الحكم على أشعارهم. فقد جاءه مرة الأعشى والخنساء وحسان بن تابت فأنشده الأعشى قصيدته التي مطلعها:

ما بكـاء الكبير بالأطـلال       وسـؤالي وما تـرد سـؤالي

وأنشده حسان بن ثابت قوله:

        لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى      وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

أما الخنساء فقد أنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر:

قذى بعينك أم بالعين عوار             أم أقفرت مذ خلت من أهلها الدار

وإن صخرا لتأتم الهداة به               كأنـه عـلـم في رأسه نــار

فقال النابغة:"لولا أن أبا بصير-يعني الأعشى –أنشدني، لقلت:إنك أشعر الجن والإنس."(14)

  من هذا الخبر ندرك منزلة النابغة عند معاصريه، وما احتكامهم إليه دون غيره إلا اعتراف علني بشاعريته، وقدرته على تمييز الجيد من الرديء في الشعر، ودليل كذلك على ما كان يتمتع به من علم بصناعة الشعر ومن ملكة خاصة في النقد.

2-ما نجده في يثرب: ونأخذ فيه كنموذج ما عيب على النابغة من ارتكابه للإقواء ولم يستطع أحد أن يصارحه به حتى دخل يثرب مرة فأسمعوه إياه غناء في قوله:

أمن آل مية رائح أو مغتدي          عجلان ذا زاد، وغير مزودِ

زعم البوارح أن رحلتنا غدا         وبذلك خبرنا الغراب الأسود’

 ذكر الاصفهاني أن النابغة قدم المدينة، فعيب عليه هذا الإقواء فلم يأبه حتى جاءوه بجارية فجعلت تغنيه "أمن آل مية رائح أو مغتد " وتطيل حركة الدال وتشبعها في "مغتدي" و"مزود". ثم غنت البيت الأخير فبينت الضمة في قوله "الأسود" ففطن بذلك لما يريده، فغير عروضه وجعله " وبذلك تصاب الغراب الأسود". وكان من أجل هذا يقول "وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة فصدرت عنها و أنا اشعر الناس".(15)

والخطأ النحوي الذي ارتكبه النابغة يتمثل في كونه لم يأبه لرفع النعت، فجعله مجرورا خضوعا لقافيته، وحين تلقف الرواة البيت أعادوه إلى قاعدته النحوية ووضعوا له مصطلح الإقواء."(16)

3-ما نجده في مكة:ومثل له ذ.طه أحمد إبراهيم بموقف طرفة بن العبد من خاله المتلمس حين أنشده قوله المشهور:

       وقد أتناسى الهم عند احتضاره            بناج عليه الصيعرية مكدم

قال طرفة:"استنوق الجمل".لأن "الصيعرية" صفة تكون في عنق الناقة لا في عنق البعير.

   فهذا نقد يدل على بصر طرفة بمعاني الألفاظ، ومواضع استعمالها، كما يدل على ذوقه النقدي، وفطنته إلى أن مثل هذا الخطأ اللفظي مما يعيب الشعر.

 

خامسا:إطلاق الأحكام على الشعراء:ومن تلك الأحكام، أسماء أطلقوها على الشعراء تحوي حقائق عن فنهم الشعري، أو ما يتصل بذلك الفن من قريب أو بعيد، ومن ذلك أنهم لقبوا النمر بن ثولب"بالكيس" لحسن شعره، وسموا طفيل الغنوي بطفيل "الخيل"لشدة وصفه اياها، ودعوا قصيدة سويد بن أبي كاهل "باليتيمة" لأنها فريدة في بابها ومطلعها:

          بسطت رابعة الحبل لنا          فوصلنا الحبل ما اتسع(17)     

   ويعلق ذ.طه أحمد إبراهيم على هذه الشواهد قائلا:"هذه الشواهد تدل على وجود صور من صور النقد الأدبي في العصر الجاهلي."(18) رغم أنها تتسم بمجموعة من المظاهر منها:

   أ-التعميم في الأحكام: إذ كان النقد الجاهلي في أول مرة ساذجا سذاجة البيئة الطبيعية والاجتماعية، فكان النقاد يطلقون أحكاما متنوعة على الشعر في أيامهم، تتناول الشاعر والقصيدة جملة، وقد يكون هذا الحكم مبنيا عندهم على إعجابهم ببيت من أبيات القصيدة أو بجزء من البيت، وقد يرجع هذا الحكم إلى إعجابهم بالشاعر نفسه وبشخصيته.             

ب- الذوق الفطري:لقد صدرت الأحكام النقدية الجاهلية متسمة بالذوق الفطري الذي يعتمد على إحساس الناقد المباشر بالمعنى أو الفكرة، فهو يتلقاها ويحسها بذوقه الفج، وفطرته الساذجة. ولهذا تصدر أحكامه مرتجلة نتيجة لهذا التذوق المباشر. فطرفة بن العبد هو صبي لم يستسغ وصف الجمل بصفة الناقة، والنابغة يستنكر على حسان بن تابت استعماله القلة في مقام الفخر وهكذا...

ج- الارتجال في الأحكام:وهذه السمة تتصل اتصالا مباشرا بالذوق الفطري الذي يعد أساسا هاما في صدور الأحكام النقدية، غير أن هذه الظاهرة تعد أثرا من آثار التذوق. فبعد أن يتذوق الناقد الشعر يصدر حكمه إما ارتجالا وإما بعد إثبات وروية ودراسة موضوعية لنواحي الجودة أو الرداءة، لكن السمة الغالبة في النقد الجاهلي هي سمة الارتجال، والبعد عن الدراسة التفصيلية للقصيدة.وكذا البعد عن التحليل والتماس العلل، لأن البحث عن أسباب ظاهرة من الظواهر المادية و المعنوية، كان أبعد ما ينتظر من هذه البيئة التي فتكت بها الأحقاد، واستفحل فيها الخصام، وأصبحت مسرحا للتيارات، وميدانا للخصومات والغارات فخاصم الكرى جفون أهلها، وفقد الأمن سبيله إلى عقولهم وفكرهم، ومن تم لم تكن تفرغ للبحث في علم أو فن. كانت سمتهم الأمية، فلم يؤثر عنهم كتاب في علم من العلوم، أو مصنف في لون من ألوان التفكير، أو أثر يدل على تفوقهم في صناعة من الصناعات. فقد اشتهرت الرومان بعظمة السلطان وكثرة المدائن، واشتهرت اليونان بعملها وفلسفتها، والهند بطبها وحكمتها، و الصين بفنونها وصناعتها، وهؤلاء قد عاصروا العرب في جاهليتهم، ولم يؤثر عن العرب إلا تلك الملكة التي استطاعوا بها أن يرسلوا القول، ويصوغوا الشعر، وإلا تلك المكارم النفسية التي كانت تصدر عن سماحة طبعت عليها نفوس بعض كرامهم الذين اتصفوا: بالنجدة و البذل والتضحية...  وليس في تلك اللمحات النقدية شيء غريب عن البيئة التي قيلت فيها، بل إنها أشبه ما تكون بطبيعة الجاهلين الذين لم يكن لديهم من أشياء الحضارة، وألوان الثقافة ما يسمح لهم بمحاولة تأييد الرأي بالعلة المعقولة، والدليل الواضح الذي يؤديها.

  ويستمر ذ.طه أحمد إبراهيم في تأريخه للنقد العربي القديم، مسجلا سماته قائلا:"النقد الأدبي توطد واستقر في عهد الطبقات الأولى من اللغويين..وعرفت له مقاييس وأصول. وظاهر جدا أنه ليس نقد السليقة والفطرة بل نقد المدارسة الكبيرة التي تُبْنى على العلم"(19). وبذلك نلاحظ أن نقد المرحلة متطور عن ما سبقها، زد على هذا أنه نقد علمي بعيد عن الذوقية والانطباعية، وعلى هذه النتيجة يبني ذ.طه أحمد إبراهيم تصوره للبداية الفعلية للنقد ويؤكد أن أواخر القرن الأول بداية صحيحة لظهور النقد، حين يقول:" غير أن الحال تغيرت كثيرا في أواخر القرن الأول. تغيرت في أخريات أيام فحول الإسلاميين، فارتقى النقد الأدبي ارتقاء محمودا، وكثر الخوض فيه، وتعمق الناس في فهم الأدب، ووازنوا بين شعر وشعر، وبين شاعر وشاعر، حتى لتستطيع أن تقول:إن عهد النقد الصحيح يبتدئ من ذلك الوقت، وأن كل ما سبق لم يكن غير نواة له أو محاولات فيه".(20)

    هل بالفعل نشأ النقد بنشأة الشعر؟ هل ما ورث عن هذه المرحلة من أحكام نقدية يمكن أن نعتبره نقدا؟ ما المقدمة التي حكمت ذ. طه أحمد إبراهيم وجعلته يصل إلى هذه النتيجة؟...

   نقرر بدءا أن مرحلة الجاهلية والتي اعتبرها طه أحمد إبراهيم بداية فعليه للنقد، لم تكن بتاتا مؤهلة لنشأة النقد الأدبي، إذ الاستقراء التاريخي لحركة النقد الأدبي يؤكد تبعية النقد للشعر في مراحله الأولى خاصة حين كان النقاد شعراء، ومثالنا في ذلك النابغة، الفرزدق، جرير وغيرهم كثير.. لكن في مرحلة لاحقة مع نضج الشروط الموضوعية التي تفترض وجود نقد أدبي يهدف إلى توجيه العمل الشعري وجهة معينة انطلاقا من طبيعة الثقافة السائدة سيقع الانفصال بين الشعر والنقد، وسيأتي الناقد اللغوي الشهير ابن سلام الجمحي ليؤكد على ضرورة وجود الناقد المتخصص .

 فالدعوة إلى الناقد المتخصص هي الدليل القاطع على الانفصال الذي وقع بين الشعر والنقد إذ لم يعد الناقد هو ذلك الشاعر بل هو رجل عالم ملم بثقافة عصره قادر على تقويم العمل الأدبي، وفوق هذا وذاك يمتلك حسا نقديا يؤهله أن يجري نوعا من الحوار مع النصوص ثم يعرف جيدها من رديئها نتيجة الدربة والمراس.

  إن الأحكام التي يصدر عنها الناقد غير المتخصص هي أحكام ذوقية محظة يشترك فيها الناقد وغير الناقد من تم فهي أحكام يقتسمها جميع قراء الأدب، وليست هي وقفا على فئة دون أخرى فلا يمكن أن نعدها بحال من الأحوال معلما من معالم تواجد النقد على العهد الجاهلي.

   ويؤكد ذ. طه أحمد إبراهيم على أن ظاهرة تثقيف الشعراء لشعرهم معلما من معالم وجود النقد في العصر الجاهلي، وعليه نشير أنه خلط بين النقد الأدبي الذي هو عملية قراءة الإنتاج الأدبي قصد تمييز الجيد منه من الرديء وإزالة الغبار عن غوامضه، يقوم بها ناقد يتوفر على حس نقدي مرهف وملكة لغوية قوية...وإنتاج الشعر الذي هو عملية تعتمد في الغالب على الشعور والإحساس والتعبير عن المكنونات في غياب الرقابة العقلية الصارمة في غالب الأحيان.فعملية إنتاج الشعر أو ما يسمى في النقد العربي القديم الصنعة الشعرية تأتي دوما في البداية ليأتي النقد الأدبي من بعدها قصد تقويمها وإضاءة جوانبها هكذا فالنقد عملية متأخرة عن إنتاج الشعر وصناعته... فلو سألتني متى يبدأ النقد ؟ سأقول: بعدما ينتهي الإبداع، أي أنه عملية تأتي بعد عملية إبداعية جاهزة منقحة، مزيلة للشوائب، وهذا طبيعي إذ النقد لا يمكن أن يكون قد عرف قبل الإنتاج الأدبي، ولا نستطيع أن نتصور أن الناقد بدأ عمله في الخيال كأن نزعم أنهم تصوروا وجود قطع أدبية ثم حاولوا نقدها إذ أن مجرد تصور أثر أدبي دليل على أن الإنتاج قد سبق هذا التصور.ومن تم فعملية تثقيف الشعر كعنصر يركز عليه ذ. طه أحمد إبراهيم ليبين به تواجد النقد في العصر الجاهلي عنصر يمس العملية الإبداعية أكثر مما يمس العملية النقدية، إذ لا معنى ولا وجود للنقد إلا بعد تحديد مجاله وموضوعه الذي هو الأدب...

 

بعد هذا يتناول الأستاذ طه أحمد إبراهيم قضية نقدية تعتبر من أخطر وأقدم قضايا النقد لاتصالها بقضية"إعجاز القرآن الكريم" وهي قضية "اللفظ والمعنى"أو"الشكل والمضمون".كان ابن قتيبة من أهم النقاد القدامى الذين اهتموا بهذه القضية، وبث فيها آراءه في مؤلفه "الشعر والشعراء" الذي صنف فيه الشعر إلى أربعة أصناف يميز في كل واحد منها جيد الشعر من رديئة.فتدبر ابن قتيبة الشعر فوجده أربعة أضرب لا تسمح العلاقة المنطقية بأكثر منها وهي:

1-ضرب حسن لفظه وجاد معناه.

2-ضرب حسن لفظه وخلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى.

3-ضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه.

4-ضرب تأخر معناه وتأخر لفظه، وضرب الأمثلة الكثيرة لكل هذه الأضرب...

    يعلق ذ. طه أحمد إبراهيم على التقسيم الرباعي الذي جاء به ابن قتيبة بقوله:"ظاهرأن هذه الأضرب الأربعة نتيجة حصر علمي، فالشعر عنصران اثنان عند ابن قتيبة، لفظ ومعنى، وكلاهما يجيء حسنا حينا ورديئا حينا وتأتلف هذه النعوت بعضها مع بعض، فتتوافر عنها في الشعر هذه الأضرب."(21) فإذا كانت هذه الاضرب نتيجة حصر علمي للشعر فكيف تغافل ابن قتيبة عن شخصية الشاعر، وعن انفاسه وزفراته وذهنه السائح، إذا ما عدت له المعاني عدا، وحصرت أمامه الأفكار حصرا؟ لقد أصبح الناقد نتيجة هذا التقسيم الرياضي أمام:"قواعد عامة... فيصبح النقد كالعلم، له قيود و ضوابط، و تصبح عناصر الأدب في بنيته و معانيه وجماله الفني الذي لا يدرك إلا بالذوق، و لا يأتي تصويره باللفظ في كثير من المواطن، يصبح ذلك كله معينا، له أصول، و له نعوت، و له حالات لا تتخلف، ويصبح النقاد أمام أمور محدودة محصورة يسهل عليه أن يحللها و أن يحكم عليها".(22) ثم يتساءل طه أحمد إبراهيم في مكان آخر قائلا: "أيستطيع نقدة الأدب أن يستعينوا بطرق العلم؟ أيستطيع أن ينقد شيئا أخص عناصره الشعور؟"(23)

    بالطبع لا، لسبب جوهري هو عدم تقيد الشعور والإحساس بضوابط وقواعد صارمة، فهي فوق كل الضوابط وفوق كل القواعد.

    ويستمر في محاورة مشروع ابن قتيبة اللفظي متسائلا:"هل هذه القواعد كافية في الأدب؟هل تستطيع أن تصل إلى قرارة الشعر وتبلغ منه الأعماق؟إنها نافعة من غير شك مقوية للحكم على الشعر من غير شك،ولكن مداها يقصر عن إدراك كثير من روحانيات الشعر وجماله الفني."(24) وبذلك يبقى التقسيم الرباعي للشعر لدى ابن قتيبة عبارة عن قطعة أثرية هندسية التركيب، فهي تبهرنا بأشكالها لكنها لا تساعدنا على الوصول إلى عمق الأثر الفني.                      

ثم يسأل ذ.طه أحمد إبراهيم ابن قتيبة الدينوري قائلا:"ولكن على أي أساس تكون الصياغة حسنة أو حلوة أو قاصرة؟وعلى أي أساس يكون المعنى جيدا أو متخلفا؟"(25) ويجيب هذا الأخير قائلا:"تكون الصياغة حسنة حين تكون حسنة المخارج والمطالع والمقاطع والسبك عذبة، لها ماء ورونق سهلة...وتكون حسنة إذا خلت من عيوب الشعر وضروراته واستقام الوزن، وحسن الروي.

    أما المعاني الجيدة فهي الحيوية المادية إن صح التعبير، والمعاني التي تحدث عن تجربة أو أمر واقع في الحياة، فأما الناعمة المتموجة الروحية التي تذاق ذوقا دون أن تمسك أو تضبط فهي ليست بشيء."(26)

   وكلام ابن قتيبة في ركني اللفظ والمعنى ليس أول كلام قيل فيهما فقد تكلم فيهما قبله بشر بن المعتمر المتوفى سنة 210 هـ. و الجاحظ إلا أن الجاحظ لم يقسم الشعر كما فعل ابن قتيبة، بل قسم الشعراء إلى أربعة أقسام: فأولهم: الفحل الخنديد، و الخنديد هو التام.وثانيهم: الشاعر المفلق، و ثالثهم: الشاعر فقط. و رابعهم: الشعرور. ثم يقول الجاحظ بعد ذلك"وسمعت بعض العلماء يقول:طبقات الشعراء ثلاث: شاعر وشويعر وشعرور"(27) فالجاحظ يقسم الشعراء وابن قتيبة يقسم الشعر و من الجائز أن ابن قتيبة أخذ فكرة التقسيم عن الجاحظ. فما المعنى لدى ابن قتيبة؟.

     من يريد الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن يسعى إلى الضرب الثالث الذي جاد معناه وقصرت ألفاظه. و بدراستنا للشواهد التي تمثل بها لهذا النوع نرى أن ابن قتيبة لا يعتبر ذا معنى إلا إذا اشتمل على حكمة أو مثل أو فكرة فلسفية أو أخلاقية ودليلنا على هذا مثال القسم الثالث، وشرحه لأبيات عقبة بن كعب بن زهير:

ولما قضينا من منى كل حاجــة      ومسح بالأركان من هو ماسـح

وشدت على حدب المهارى رحالنا      ولا ينظر الغادي الذي هو رائح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننــا       وسـالت بأعناق المطي الأباطح

فقد قال في شرحها:"وإن نظرت إلى ما تحثها من معنى وجدته:ولما قضينا أيام منى واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الإنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت بأعناق المطي في الأبطح."(28)وهذا الشرح وحده كفيل بأن يرينا المقصود بفهومي" اللفظ و المعنى عند ابن قتيبة، فهو قد أطال التفتيش في هذه الأبيات، فلم يجد فيها حكمة أو مثلا أو دلالة أخلاقية أو فلسفية أو تصويرا غريبا أو نادرة من النوادر فاتهمها بالقصور والعجز...ونعضد هذا الفهم بكلام الأستاذ طه أحمد إبراهيم فقد نص أن ابن قتيبة يريد:"باللفظ التأليف والنظم، يريد الصياغة كلها بما تضمنه من لفظ ووزن وروي، ويريد بالمعنى الفكرة التي يبين عنها البيت أو الأبيات، شرح ذلك حين تعجب من أن يختار الأصمعي بيتا ليس بصحيح الوزن ولا حسن الروي ولا متخير اللفظ ولا لطيف المعنى."(29) وبناء علىما سبق نخرج بالنتائج التالية:

أولا:أن الشعر الذي يخلو من دلالة أخلاقية أو فلسفية أولا يحمل نادرة غريبة لا يعتبر شعرا ذا قيمة. وبهذا يعلق جودة الشعر بمضمونه مستقلا عن الصياغة والتصوير.

ثانيا: أن الألفاظ تشتمل على دلالات مفردة مستقلة، بدليل أنه عاب شعر الخليل بن أحمد بقوله:"ولو لم يكن في هذا الشعر إلا أم البنين ويوزع لكفاه."في تعليقه على الأبيات التي يقول فيها:

إن الخليط تصدع             فطر بدائك أو قـع

لولا جوار حسان             حور المجامع أربـع

                        أم البنين وأسمـا            ء، والرباب بــوزع      

                      لقلت للراحل ارحل            إذا بدا لـك أو دع(30)

 

ويطرح طه أحمد إبراهيم السؤال التالي: ما الذي أفاده النقد الأدبي من ابن قتيبة ؟ "التنظيم والتحديد ووضع القواعد التي يستعين بها الناقد حتى ليكاد يلمس ما في الشعر من عنصر كريم أو هجين.وغير ذلك، التجوز– بعض الشيء- من الذوق الأدبي المتقلب المتموج الذي لا يسقر ولا يدوم." (31) بل ذهب ابعد من ذلك حين قال:"جاء ابن قتيبة فلم يهدينا في الشعر إلى جمال جديد، ولم يسبح بنا في آفاق جديدة، وما زاد على أن أخذ تلك العناصر المتفرقة فضم أشتاتها، ووضعها في أصول قاصرة عن أن تستوعب كل شيء في الشعر."(32)

 

 بعد قراءة ذ. طه أحمد إبراهيم لثنائية "اللفظ والمعنى"نخرج بالملاحظات التالية:

أ* يعتبر اللفظ عند ابن قتيبة هو الصياغة بما تجمع من وزن ولفظ وروي، ويعد المعنى لديه بمثابة الفكرة. 

  ب* أنه رفض التقسيم الرباعي للشعر واعتبره عبارة عن قواعد شكلية لا تستطيع مساعدتنا على إدراك كل الشعر، وتذوق حلاوته والوصول إلى أعماقه وفي ذلك يتساءل:"وهل هذه القواعد كافية في تذوق الأدب؟وهل نستطيع أن نصل إلى قرارة الشعر وأن نبلغ منه الأعماق؟إنها نافعة من غير شك، مقوية للحكم على الشعر من غير شك، ولكن مداها يقصر عن إدراك كثير من روحانية الشعر وجماله الفني."(33)و السبب في ذلك راجع إلى منهجه العقلي، فهو تقريري النزعة في كل شيء وهو أحد تفكيرا منه إحساسا أدبيا. وهو لا ينظر إلى الظواهر نظرة تاريخية بل نظرة منطقية تتناول الأشياء كما تعرض في آخر مراحلها، فهل بالفعل كان ابن قتيبة مؤلفا ومفكرا وضعيا يفهم المسائل في آنيتها دون أن ينظر إلى جذورها التاريخية والتطورات التي أدخلت عليها عبر مراحل الزمن حتى وصلت إلى ما هو عليه الآن؟  شيء ستجيب عنه تلك الدراسات التي تخصصت في ابن قتيبة وتتبعت رحلته ومساره الفكري عبر كتبه التي تملئ الساحة النقدية.

 

    انتقل المرحوم طه أحمد إبراهيم للحديث عن قضية"الخصومة بين القدماء والمحدثين" فأكد أن بقيام الدولة العباسية في أوائل القرن الثاني الهجري، أخذت الحياة العربية تبتعد تدريجيا عن البداوة وتدنو من الحضارة، وكان ذلك بفعل ما طرأ على المجتمع العربي من تغيرات سياسية واجتماعية وفكرية وقد ظهر في هذا القرن طائفة من الشعراء تأثروا أكثر من غيرهم بمظاهر الحضارة العباسية الجديدة وأصبحوا ينزعون إلى التجديد. فهؤلاء تلقوا الشعر من القرن الأول صحيحا قوي العبارة، جزل التركيب تغلب عليه روح البداوة القديمة في المنهج والصياغة والمعنى والخيال وقد شعروا بحكم تحضرهم أن السير على منوال القدماء مناف لروح عصرهم، من تم بدأوا في تطويع الشعر للتعبير عن واقعهم المعاش، فجددوا فيه"فلما هم المحدثون بالتجديد أوجدوا في النقد مشاكل لم تكن فيه قبل، وكلما أمعنوا في الابتعاد عن روح القديم أمعن النقاد في التخاصم و الجدل" (34). ونظرا لكون الشعراء القدامى قد سبقوا إلى كل شيء في الشعر، معنى، و أسلوبا، فإنهم قصروا تجديدهم على المقدمة أو ما نعتوه "بالديباجة"، وهذا بالفعل ما عبر عنه ذ.طه أحمد إبراهيم حين طرح موقفه من التجديد متسائلا: "أيصح من شاعر كأبي نواس يقيم في بغداد مع الرشيد و الأمين أن يستهل مدائحه بأطلال لم يقف بها، و ناقة لعله لم يركبها؟" أيصح أن تكون الديباجة التي أخذت عناصرها من مشاهد الصحراء صالحة لمن يقيم على ضفاف دجلة بين ترف و لهو و قصور و رياض. و كما أن الديباجة الجاهلية صادقة لأنها تصور الحياة الجاهلية البدوية، فكذلك يجب أن تكون ديباجة الشعر الحديث صادقة تصور الحياة الحضرية الناعمة.وعليه، لابد من الانصراف من هذه المطالع القديمة والتفكير في شيء جديد ملائم، وليس الأمر في حاجة إلى مجهود عميق، فنحن نحاكي القدماء فيما صنعوا ونأخذ ديباجة للشعر من حياتنا الحاضرة."(35) هكذا فتجديدهم لم يكن تجديدا في الأغراض والمواضيع، بقدر ما كان تجديدا في المقدمة التي لم تعد تتوافق وطبيعة الواقع الذي يعيشونه.فهي لا تمت لواقعهم بأية صلة، إذ هو واقع تغيرت فيه "أصول العادات والأخلاق فانتشر المجون وشاعت الزندقة، وعم الفسق، واستحالت الحياة العربية السامية إلى حياة معقدة ملتوية تجمع بين السامي والآري، وتأخذ من هذا وذاك"(36) وقد كان لذلك أثر في الشعر العباسي الذي انتقل من هدوء البادية إلى ضوضاء المدينة ومن الصحراء المجدبة إلى القصور تحف بها البساتين، ومن الرصانة العربية إلى الانغماس في الملاهي الحضارية، ومن مجالس الأدب و السياسة إلى مجالس الغناء، فكان لذلك أثر في أغراضه وفنونه وفي معانيه وأفكاره، وفي أساليبه وأوزانه ظهورا ملموسا ومضى أرباب الجديد في سبيلهم رغم المعارضة الشديدة التي قوبلت بها محاولاتهم من طرف المتعصبين للقديم، إلا أن مضيهم لم يكن انقلابا جوهريا، وتقدمهم لم يكن واسع الخطى بحيث يخلق فنونا جوهرية الجدة من مثل الملاحم والروايات التمثيلية وما إلى ذلك مما ظل مفقودا عند العرب، فلبتث أكثر فنون العرب راسخة في قيود التقليد أو ماهو قريب منه، ولم تكد تخرج عن النوع الغنائي إلا في نواحي قليلة لا يعتد بها.وفي ذلك يقول العلامة طه أحمد إبراهيم "فانتقال الشعر من البادية إلى الحاضرة كان لابد أن يحدث هوة بين القدماء والمحدثين، وتأثر الشعر تأثرا طبيعيا بالبيئة كان لابد أن يزيد في تلك الهوة فلم يكن بد إذن، من وجود بعض فروق بين الشعرين:فروق فقط لا استحالة ولا خلق جديد" (37).وهذا صحيح لأن انتقال الشعر من "نجد والحجاز" إلى شواطئ "دجلة" والاحتفاظ بنفس أغراضه ومناحيه غير كفيل بإعطائنا شعرا حديثا وجديدا.

   هكذا نلاحظ أن ذ.طه أحمد إبراهيم يقر:

1-أن إحلال مقدمة بدل أخرى ليس من التجديد في شيء.

2-أن النواسي كان من رواد هذه الدعوة حتى لنقول إن وطيس الصراع قد احتدم مع أبي نواس الذي دعا إلى وصف ليالي اللهو ومجالس اللذة بدلا من وصف الدمن والقفار والأطلال، فهو في هذه الحال كان يدعو إلى شيء من الواقعية في التعبير الشعري، والغريب أن المجتمع العربي رغم اعتناقه الدين الإسلامي بقي وثنيا في أدبه، وكان المتوقع أن تقوم ثورة"أدب إسلامي " ضد "أدب وثني" جاهلي في العصر الأموي، فلم يحصل شيء من ذلك حتى إذا جاء العصر العباسي كانت ثورة حضارة ضد بداوة، ثورة شعرية ضد قومية، ثورة اتهمت بالزندقة، حتى أن الخلفاء أنفسهم رفضوها وعذبوا القائمين بها، ورفضوا أن يمدحوا بالأسلوب الجديد. وكان أبو نواس – زعيم الثورة نفسه- إذا مدح الرشيد عمد إلى الأسلوب القديم في الوقوف على الأطلال وبكاء الديار والغزل التقليدي والتجأ إلى الغريب من الألفاظ والعويص من التعبير...وأشهر النماذج قصيدته التي مطلعها:

         لقد طال في رسم الديار بكائي      وقد طال تردادي بها وعنائي

وأخرى:

         حي الديار إذا الزمان زمان     وإذا الشباك لنا حرى ومعانُ(38)

3-ولم يقف تجديد المحدثين عند الديباجة، وعند الصياغة، بل حاولوا أن يجددوا كذلك في أعاريض الشعر وأوزانه، فاهتدى بشار إلى أوزان جديدة نظم منها تظرفا، فقد قام بتغيير بحر المتقارب في قصيدته: 

             ألا قل لعبدة إن جئتها       وقد يبلغ الأقرب الباعدا      

 فهذه القصيدة من بحر المتقارب عروضها وضربها محذوفان، والعروض المحذوفة في المتقارب غير معروفة.وهناك قصيدة أخرى لبشار بن برد من بحر المنسرح مطلعها:

      تحمل الضاعنون فأدلجوا          والقلب منى الغداة مختلجْ(39)

فالقصيدة كما سبقت الإشارة من البحر المنسرح عروضها وضربها مخبونان(متفعلن)وهذا غير معروف، إذ المعروف عند علماء العروض أن تكون العروض صحيحة والضرب مطويا.

 وفي قصيدة بشار التي مطلعها:

             ألا يا "طيب"قد طبت      وما طيبك الطيب(40)

فالقصيدة من بحر الهزج وفي كثير من أبياتها زحاف الكف وهو حذف السابع الساكن فتصبح "مفاعيلن" "مفاعيل، والمعروف عند العرب أن تكون عروض الهزج وضربه مجزوءين صحيحين أو عروض صحيحة وضرب محذوف فتصبح "مفاعيلن" "مفاعي" وتنقل إلى "فعولن".

 " واستعمل أبو العتاهية أوزانا غير التي نظم منها القدماء".(41) "له أوزان لا تدخل في العروض"(42) فقد اقتبس بحر المثنوي وهو بحر من الأوزان الفارسية ومنه قوله:

حسبك ما يبتغيه المـوت          ما أكثر الموت لمن يموت

إن الشباب والفراغ والجده          مفسدة للمرء أي مفسدة(43)

وأبو العتاهية من الشعراء الذين قاموا بقلب الأوزان القديمة الطويلة إلى بحور خفيفة حسب ما ذكر ابن رشيق القيرواني حين قال:"الطويل: متمن قديم، مسدس محدث...والمديد متمن محدث، مسدس قديم ...مربع قديم...والبسيط متمن قديم...مسدس قديم ومربع محدث... والهزج مسدس محدث مربع قديم... والرجز مسدس مربع مثلث مثنى كله قديم، وموحد محدث...والمتقارب متمن قديم، ومسدس مربع محدث..."(44)

وجاء أبو تمام فأثار ثائرة النقاد والرواة بخروجه عن عمود الشعر من حيث الصياغة التماسه البديع.

4-أن الصياغة تفنن فيها المحدثون، واعتبروها أهم شيء في الشعر فليس المهم عندهم أن يقال شيء، وإنما أن يقال هذا الشيء في أسلوب شائق جميل، تمثلوه في توشية العبارة وزخرفتها وتنميقها، وهذا ما أكده ذ. طه أحمد إبراهيم بقوله:"فاعتقدوا واعتقد كثير منهم أن المعاني نضبت، وأن لا ملكية فيها، ولا فضل، وأن أهم شيء في الشعر هو الصياغة وليس المهم إذن شيئا يقال، وإنما أن يقال هذا الشيء في بيان جميل، وكيف يتأتى هذا البيان الجميل؟ بالزخرف في العبارة ، والتصنيف".(45) وكان من عمل هؤلاء المحدثين لإشفاء غليلهم في التجديد والتميز عن القدماء أن" قاموا يفتشون في العبارات القديمة عما يظنونه جميلا، وتتبعوه، ووشحوا به شعرهم وحفلوا به، وأكثروا منه، فاجتمع لهم من ذلك الجناس والطبقات والاستعارة وغيرها من الأنواع التي وقع عليها اسم البديع"(46) ولا نخالف هذا العلامة الرأي، إذ أن تجديد المحدثين لم يمس الفكرة بقدر ما مس القالب الذي تصب فيه هذه الفكرة، فهو تجديد عرضي لم يكلف نفسه الوصول إلى عمق الجوهر.

  ويسأل السائل: إذا كان من أسباب الخصومة وظهور التعصب للقديم هو ظهور ما يسمى "الشعر المحدث" فهل بالفعل هناك شعر محدث؟ يجيب طه أحمد إبراهيم "ليس من غرض جديد ولا نوع جديد في الشعر العباسي، فالمحدثون احتذوا القدماء في نوع الشعر، وفي آفاقه ومراميه، مدحوا، وهجوا، ورثوا، وانتصروا للعصبية وتشيعوا للأحزاب، وقالوا في اللهو وفي الخمر، وتلك كلها أمور قديمة."(47) وبذلك:" لم يخلق المحدثون شيئا، وإذا كانت هناك فروق بينهم وبين القدماء فإنما ترجع إلى الألفاظ وحدها، لأن المحدثين غيروا ظاهر الشعر ليضعوا الأفكار القديمة في صياغة جديدة، غيروا الظاهرة فقط، فشعرهم القديم مغطى مستورا " (48) إذن، بماذا يمكننا أن نفسر تلك التغيرات التي ظهرت في الشعر المحدث، ولم يأت بهما الشعر القديم؟ يجيب طه أحمد إبراهيم أن "انتقال الشعر من البادية إلى الحاضرة كان لابد أن يحدث هوة بين القدماء والمحدثين، وتأثر الشعر طبيعيا بالبيئة كان لا بد أن يزيد في تلك الهوة فلم يكن بد، إذن من وجود بعض الفروق بين الشعرين، فروق فقط لا استحالة ولا خلق جديد"(49)، ويستمر رافضا التجديد الذي زعمه الشعراء المحدثون فيقول :" وإذا غالينا في المعاني وكان العرب يقتصدون، وأبعدنا في الاستعارة وكان العرب يتقاربون ، وزخرفنا في الصياغة وكان العرب لا يزخرفون، فليس لنا أن نعد أنفسنا مجددين فما التجديد إلا في الجوهر ،ما التجديد إلا في استبدال أصول الشعر القديم بأصول غيرها، فأما أن نحتفظ ونبدل في الغرض فليس ذلك بشيء."(50) بمعنى أن إحلال الديباجة الخمرية مكان الطللية ليس بالشيء الجديد، وفي ذلك يقول ذ.طه أحمد إبراهيم:" ففكرة التقليد موجودة، وإن كانت مستقرة، ولو أنهم جددوا حقا لا نصرفوا عن الديباجة جملة، حضريها وبدويها، ولفطنوا إلى أنها ليست أصلا من أصول الشعر لا يمكن قطعه، وليست جزءا من جوهر الكلام، وكان لهم في ذلك مثال يحتدونه فليس للرثاء ديباجة، وهو من أهم أغراض الشعر العربي، فماذا عليهم إذا كان المديح كذلك ؟ ولو أنهم ، فعلوا ذلك ، لجددوا حقا في شيء من نهج الشعر . فأما أن يستبدلوا ديباجة بأخرى أو يرحل الشاعر راجلا إلى الممدوح فليس بشيء جليل الخطر "(51)، ويعقب الدكتور محمد مندور قائلا "أما أن يحافظ (الشاعر) على الهياكل القديمة للقصيدة مستبدلا ديباجة بأخرى أو يدعو إلى الحديث في موضوعات لا تستطيع أن تحرك الجميع، فذلك ما لا يمكن أن يعتبر خلقا لشعر جديد"(52).

 

    يرسي بعد ذلك العلامة طه أحمد إبراهيم عند حدود القرن الرابع الهجري وهي مرحلة اعتبرها هامة في تاريخ النقد العربي القديم، فقد وصل النقد في هذا القرن ذروته إذ " كان متسع الآفاق، متنوع النظرات، معتمدا على الذوق الأدبي السليم مؤتنسا بمناحي العلم في الصورة والشكل لا في الجوهر والروح إن حلل فبذوق سليم، وإن علل فبمنطق شديد، وإن عرض لفكرة أتى على كل ما فيها وهو نقد يرجع بنا إلى عهد متقدمي اللغويين والرواة الذين رأيناهم في أواخر القرن الثاني، فرجاله مثلهم ذوقا وفهما وتأنيا لدراسة الأدب، أو قل إن نقدة القرن الرابع هم استمرار وامتداد للذين جروا في النقد على الأصول العربية في القرن الثالث. امتداد للغويين وللنقدة الأدباء مجتمعين، فليسوا كاللغويين عكوفا على القديم، ونفورا من المحدث، وليسوا كالأدباء يفهمون الشعر المحدث فهما لا يكشف سره، ولا يوضح علله، ولا يبين مراميه، وإنما هم من صنف جمع بين الذوقيين، وأخذ من الطرفين، وتضلع في القديم، وألف الحديث، واعتمد على الذوق في فهم الأدب، وأنس بما شاع في عصره من أساليب الجدال فصاغ فيها كل ما اهتدى إليه من نظرات وأحكام.".(53) ويضيف بعد ذلك طه أحمد إبراهيم قائلا:" وليس من ناقد أدبي الآن يستسيغ أن يقسم الشعر أربعة أضرب أو ثمانية أو يجعل للفظ نعوثا بهذا التحديد القاسي العنيف... وإنما الشعر إصابة معنى وإدراك غرض بألفاظ سهلة عذبة ، سليمة من التكلف ،لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة ، ولا تنقص نقصانا يقف دون الغاية.هو صحة سبك ،وحسن نظم، وحلاوة نفس ،وقرب مأتى، وانكشاف معنى وكثرة ماء،أو هو صياغة حليت بالبديع ووشحت بالمحسنات في معنى دقيق عميق  لا يستخرج إلا بالغوص ولا يوصل إليه إلا بعد التفكير".(54)

  كانت هذه نظرة شاملة وموجزة عن النقد في القرن الرابع الهجري جاءت نتيجة اتساع رقعة المملكة الإسلامية واتصالها بشعوب وأجناس لها تقاليد وقيم مختلفة كالفرس واليونان والهند.إذ ما نكاد نصل إلى هذه المرحلة حتى نرى إمعانا في الحضارة وإمعانا في الثرف نرى الشعر والأدب يتحولان إلى فن وصناعة بعد أن كانا يصدران عن طبع وسليقة، حتى لنرى كثيرا من الكتاب والشعراء من الموالي عدوا عربا بالمربى. ونرى الثقافة تعظم وتتسع وتشمل فروع المعرفة كلها لا تقتصر على الثقافة الدينية والأدبية، ونرى كل مجموعة من المعارف تتحول إلى علم بما فيها اللغة والأدب والنحو والصرف. فكان طبيعيا أن يتحول الذوق الفطري إلى ذوق مثقف ثقافة علمية واسعة، وأن يتأثر النقد الأدبي بهذه الثروة العلمية والأدبية الواسعة.

  لقد انتبه ذ.طه أحمد إبراهيم في هذا القرن إلى قضية نقدية هامة، وهي قضية الموازنة بين شاعرين، من خلال كتاب "الموازنة بين الطائيين "للأمدي، وسجل بهذا الصدد مجموعة من الملاحظات منها:

1-أن الأمدي لم يلتزم بأصول المنهج الذي سطره في مقدمة الكتاب "فقد قررأنه يوازن بين الشاعريين في قصيدتين من شعرهما، متفقين في الوزن والقافية وإعراب القافية، وأن يوازن بين معنى ومعنى، ويقول:أيهما أشعر في تلك القصيدة؟ وفي ذلك المعنى ؟ دون أن يصل في ذلك إلى حكم عام يقرره"(55).

2-أنه ركز على الموازنة بين الشاعريين في مطالع القصائد " فإذا ما شرع في التطبيق، وازن بينهما في افتتاح القصائد من ذكر الوقوف على الديار، و الآثار، ووصف الدمن والأطلال والتسليم عليهما، وتعفية الدهور والأزمان، والرياح والأمطار والدعاء لها بالسقيا، والبكاء فيها وذكر استعجامها عن جواب سائلها."(56) وهذا لا يسلم من عيوب سجلها طه أحمد إبراهيم منها:

    أ-أن الأمدي لم يتقدم خطوة واحدة عن ما جاءت به أم حندب في هذا المجال، لما حكمت بين امرىء القيس وعلقمة بن عبدة. وقد اشترطت في الموازنة بينهما وحدة البحر والروي وحركة الروي والغرض " ولأن صحت القصة فقد قصر الأمدي عن أم جندب ولم يحقق ما وعدنا به"(57).ولما نسأله لماذا ؟ يعتذر قائلا : "إن هذه الشروط من الأمور التي لا تكاد تتفق ، أي أنه قلما يقول شاعران في غرض واحد من بحر واحد وروي واحد، وحركة روي واحدة، حتى يتسنى لنا  أن نوازن بينهما موازنة دقيقة"(58).وبذلك تكون قضية الموازنة قد اقتضت من الآمدي جهدا في غير طائل، وردته إلى سذاجة المفاضلة مرة أخرى على الرغم من تدرعه بالعلل ومن احتفاله بالتبويب والتقسيم. إنها إخضاع شيء لا يخضع للإحصاء ظاهرها منطقي وأصولها غير معتمدة على منطق، ومن الخير أنها لم تظل كذلك في تاريخ النقد.

    ب-كان بوسع الآمدي " أن يتبع الأغراض الشعرية والمعاني متى جاءت في تلك الأغراض، ثم يوازن بين ذلك عند الشاعرين ويصل إلى حكم إلا يكن عدلا كله، فهو مقارب للعدل والإنصاف."(59) فإذا " ما انتهى من الموازنة بين المعاني التي هي المرمى والمقصد، وازن بين الشاعريين من وجهة الصياغة بوجه عام. وليست هذه الموازنة متوقفة على اتحاد البحور وتوافق الروي."(60)

    ج- إن" تطبيق هذه الطريقة على ديباجة الشعر خطأ جسيم."، ويتساءل ذ.طه أحمد إبراهيم " كيف ندع الأغراض الشعرية ونوازن بين عناصر الديباجة في الشعرين؟ لأبي تمام مرات رائعة ،وشعر في الطبيعة غزير ، ونظرات في الكون وللبحتري شعر في كل ذلك. في مثل هذه الأمور تكون الموازنة"(61).

  والحق أن الأمدي لم ينظر إلى الموازنة نظرة مفاضلة وحكم لهذا وذاك فحسب، بل جعل منهما قبل كل شيء دراسة مقارنة للشاعريين وكثيرا ما تتسع المناقشة فتشمل كل ما قاله العرب في معنى من المعاني يوضح مناهجهم وتفاصيله بحيث تخرج من كتابه بمحصول أدبي لا حد لغناه.فإذا ما استثنينا التلاحم المنهجي الذي قام عليه كتاب" نقد الشعر لقدامة بن جعفر لا نجد بعده ما يقاربه في انتحال الرسالة العلمية مثل كتاب " الموازنة بين الطائيين للأمدي، حقيقة نلمسها بمجرد العودة إلى الكتاب والوقوف على منهج الأمدي في موازنته التفصيلية بين الشاعريين.

   أما عن موقف طه أحمد إبراهيم من تعصب الآمدي للبحتري ضد أبي تمام فيستهل حديثه بالسؤال التالي:" ها في وسع الناقد أن يتخلى عن نفسه جملة، وعن طبعه ويصبح موضوعيا لا يتأثر نقده بميله وجبلته؟" (62) يجيب بعد ذلك قائلا:"يجب أن نعلم أن الناقد لا يستطيع أن يكون موضوعيا بحثا، وأنه لا يرى في الكلام المنقود إلا نفسه وصورته ومتعة روحه." (63)ويستمر قائلا:" وظني أن التعصب على الشاعر هو إنكار مزاياه وجحود آياته الساطعة، والمكابرة والإصرار على الغض منه وجعل الأصبع في الأذن ووضع اليد على العين حتى لا تسمع الحقيقة ولا ترى.هو جحود الدليل حين يقوم الدليل والفرار من الحجة حين تنهض الحجة"(64)، انطلاقا مما سبق نلمس حكم ذ. طه أحمد إبراهيم على الآمدي بعدم التعصب للبحتري في تفضيله على أبي تمام، لأنه " من النقاد الذين تلذ لهم في الشعر عناصر خاصة كالعذوبة والسرقة، والسلاسة والانسجام، فالبحتري إذن من اصداء نفسه، من هواها، من متعتها، وما دام الآمدي رقيق الطبع، يرى الشعر متعة حلوة لها رقة الماء أو روحة النسيم، فهو مدفوع إلى البحتري دفعا ما من بد منجذب إليه طوعا أو كرها" (65). من تم فهو لم يرفض أبا تمام ولكنه يتمشى مع الذوق السليم بدليل أنه « أنصف أبا تمام في غير موضع إنصافا حسنا، فقد رد رأي من قال إن أبا تمام ليس له من معاني ابتدعها واخترعها غير ثلاثة، وناقش الذين أسرفوا في تخريج سرقاته ورفض بعض ما انتهوا إليه، ثم هو يؤمن بأن له على البحتري فضل المعاني التي هي ضالة الشعراء، والتي فضلوا بها امرئ القيس على الجاهليين. ويقرر أن أبا تمام كان يتقدم أكثر الشعراء المتأخرين لو أنه جرى على طبعه"(66).

 ومع كل هذا لا يشك كل متأن في أن الأمدي كان يوتر طريقة البحتري ويميل إليها ومن أجل ذلك جعلها " عمود الشعر " ونسبها إلى الأوائل وصرح بأنه من هذا الفريق دون مواربة" والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف، وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني وأخذ العفو منها كما كانت الأوائل تفعل مع جودة السبك وقرب المأتى، والقول في هذا قولهم وإليه أذهب"(67) فرغم اعتراف الأمدي بشاعرية أبي تمام وحسن غوصه على المعاني ومحاولة ظهوره بمظهر المنصف في مواطن عديدة فإنه:

أ‌-       لم يفرد له في كتابه فصلا يبين فيه بدائعه ، فقد كان يحد من مجال رؤيته بالنسبة لشعر أبي تمام ويوسع من حدودها بالنسبة لشعر البحتري.

ب‌-  عرض الأمدي لسرقات أبي تمام من جميع الشعراء على نحو تفصيلي، فلما وصل إلى البحتري اكتفى بذكر ما سرقه البحتري من أبي تمام وحسب زاعما أنه إنما يفعل ذلك "لأن أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب أبي تمام لأبي تمام" (68) ثم يقول بعد ذلك: "فأما مساوئ البحتري – من غير السرقات– فقد حرصت واجتهدت بأن أظفر له بشيء يكون بإزاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام لسائر الأنواع التي ذكرتها فلم أجد في شعره -لشدة تحرزه و جودة طبعه وتهذيب ألفاظه- من ذلك أبياتا يسيرة..." (69).

ج- يكثر الأمدي من التعليقات الجارحة المسبوغة بالانفعال الكبير وضيق نفس مما يكشف ميله للبحتري ويشهد على ذلك قوله:" وقوله ( إن من عف والديه لملعون.البيت) من أحمق المعاني وأسخفها وأقبحها ،وقد زاد في الحمق بهذا المعنى على معنى البيت الذي قبله ، وطم عليه وعلى كل جهالاته في معانيه...وما المستحق والله للعن غيره، إذ رضي لنفسه بمثل هذا السخف"        (70)

ذ- ينسب الأمدي العديد من الآراء لسواه مع أنه هو صاحبها من ذلك قوله:" وأنا أذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه والساقط من معانيه والقبيح من استعاراته والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه على ما رأيت المتذاكرين بأشعار المتأخرين يتذاكرونه وينعونه عليه ويعيبونه.. فإذا الشاعر قد يعاب أشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره وبالإبداع جميع فنونه فإن مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجة سهل التأليف إلى سوء التكليف وشدة التعمل .كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه السبيل حتى سقط شعره، لأن لكل شيء حدا إذا تجاوزه المتجاوز سمي مفرطا وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه وأحال إلى الفساد صحته وإلى القبح حسنه وبهاءه. فجعله فكيف إذا تتبع الشاعر ما لا طائل تحته من لفظة مستغثة لمتقدم، أو معنى وحشي، فجعله إماما واستكثر من أشباهه ووشح شعره بنظائره. إن هذا لعين الخطأ وغاية في سوء الاختيار."(71)

 

   وينتقل ذ. طه أحمد إبراهيم بعد ذلك للحديث عن كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الشهير بالقاضي الجرجاني وفيه يقول:"وكتاب"الوساطة"الذي بين أيدينا فقد ألفه صاحبه بعدما عمل الصاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوئ المتنبي، عمل القاضي أبو الحسن كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه في الشعر، فأحسن وأبدع، وأطال و أطاب، وأصاب شاكلة الصواب، واستولى على الأمدي في فصل الخطاب وأعرب عن تبحره في الأدب وعلم العرب، وتمكنه من جودة الحفظ وقوة النقد، فسار الكتاب سير الأرباح، وطال في البلاد بغير جناح. "(72)

  وليس كتاب "الوساطة" مختصا بشعر المتنبي كما يفهم من عنوانه أو كما ذهب الأستاذ طه أحمد إبراهيم حين نص أنه"يتصدى للبحث في شعر المتنبي، ويعرض في الاستشهاد أو التدليل أو التماس العذر."(73) بل إنه عرض للأحول الأدبية التي عرفت في عصره، وحلل أشعار القدماء والمحدثين، وأورد كثيرا من محاسنهم وعيوبهم، وأبان ما شاع فيها من تعقيد وغموض، وأخذ وسرقة، واستعارة حسنة أو رديئة إلى غير ذلك..."كذلك ينوه القاضي الجرجاني بأثر البيئة في الشعر والشعراء، ويرى أن من شأن البداوة أن تحدث جفوة في الطباع، وفي صياغة الأدب ومعانيه.ومن شأن الحضارة أن تحدث سهولة ورقة، ويوازن في ذلك بين عدي بن زيد في رقته وهو جاهلي وبين الفرزدق ورؤبة في وعورة شعرهما وهما إسلاميان، لأن عدي لازم الحضر وأقام في الريف، وبعد عن جفاء الأعراب."(74) وضع القاضي الجرجاني كتاب "الوساطة"رسالة واحدة ذات مقالة واحدة لا أبواب فيها ولا فصول، لكن القارىء المجتهد لا يلبث أن يقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام أهمها القسم الثالث الممتد من الصفحة 434إلى آخر الكتاب.فقد اعتبر لوحة من المناقشات يحاور فيه الجرجاني ما عاب به النقاد شعر المتنبي " وروح القضاء واضحة في المنهج وواضحة في الأسلوب."(75) وقد تضمن هذا القسم ما سمي فيما بعد " بالنقد الموضوعي " أو " النقد المنهجي"، وعنه يقول د. محمد مندور "وأما القسم الثالث من كتابه فهو كما قلنا خير ما كتب، وذلك لما فيه من مناقشات تفصيلية ونقد موضوعي دقيق، وهو جدير بأن يسمى الوساطة بين المتنبي وخصومه"(76) فقد بحث في ضوئه ما ادعاه النقاد من سرقات على شعر أبي الطيب المتنبي، فسيطرق مبحث السرقات مجموعة من المبادئ... التي تقر مسبقا أن الآمدي  قد سبقه إلى معظمها وأن فضل الجرجاني يكمن في أنه حدد ما عمم الآمدي ، وفصل ما أجمله خاصة وأنه  جاء في مرحلة عدت فيها "السرقة الشعرية من أمهات المسائل التي عني بها النقد الأدبي ...فقد حددت رسوم هذه السرقة أين تكون ، ومتى تكون،وفي أية أحوال لا تدعى كذلك ، وكثرت فيها التآليف. "(77) وما انفرد به الجرجاني عن الآمدي كونه نص على أن السرقة غير مذمومة لذى يجب الاعتذار للمحدثين " لأن من تقدمنا قد استغرق المعاني وسبق إليها وأتى على معظمها ولم يترك للمحدثين إلا بقايا، إما أن تكون تركت رغبة منها أو استهانة بها أو لبعد مطلبها واعتياص مراميها، وتعذر الوصول إليها."(78).

  وقد ذهب ذ.طه أحمد إبراهيم إلى أن العناية بالسرقات وحرص النقاد على إخراجها ودراستها دراسة منهجية لم تظهر إلا عندما ظهر أبو تمام وذاك في قوله:"فطن الشعراء والنقاد إلى الأخذ والسرقة من قديم، إلا أن عنايتهم بها وحرصهم على استخراجها لم يكثر ولم يعم إلا من عهد أبي تمام."(79)

  ثم إن تأكيد ذ طه أحمد إبراهيم على دراسة السرقة دراسة منهجية، لم تظهر إلا مع أبي تمام فكرة هي محل نظر، لأننا إذا رجعنا إلى المكتبة النقدية القديمة نقف على "دراسات للسرقة الأدبية " بدأت قبل الحركة النقدية التي دارت حول أبي تمام، إذ أن حركة التأليف حول موضوع "السرقة " أخذت تنشط منذ بداية القرن الثالث الهجري، وفضل الحركة لا يكمن في أنها دفعت البحث في السرقات دفعة قوية إلى الأمام، ولا أدل ذلك من:

1-      سرقات أبي تمام لابن أبي طاهر المتوفى سنة 280هـ.

2-      سرقات البحتري من أبي تمام لأبي الضياء، وقد ذكره الآمدي.

3-      سرقات أبي نواس لمهلهل بن يموت، وهو الكتاب الوحيد الذي وصلنا قبل الآمدي والقاضي الجرجاني. قام بتحقيقه د.مصطفى هدارة . وعناوين هذه الكتب تدل.

أ‌-        على أن أصحاب هذه المؤلفات قد تخصصوا في مباحثهم وأبعدوا عن أنفسهم التعميم ، ما يدفعنا إلى القطع بمنهجية طرحها.

ب-إن ما كان غائبا هو لفظ "المنهجية " فهو مصطلح حديث أوحت به الدراسات الحديثة، أما " المنهجية" كممارسة فعلية فقد كانت حاضرة ، ويرى د. محمد مندور أن نشأة تلك الدراسات التي جعلت من السرقة الأدبية موضوعا لها وسط الخصومات، كان لها" أثر سيء في توجيهها"(80).

 

  ينتقل بعد ذلك العلامة طه أحمد إبراهيم للحديث عن قضية الوحدة العضوية في القصيدة العربية.فيؤكد على أن العرب لم يسجلوا في شعرهم سوى خواطر جزئية  مفككة أبعد  ما تكون عن النظام أو التسلسل الطبيعي بين أجزاء التعبير ومعانيها، ولا يتحقق فيه  من مظاهر الوحدة سوى وحدة الوزن ووحدة القافية، أو وحدة العقل الذي أنشأ ، فقد كان "مثلهم الأعلى في القصيدة أن تفتتح بالنسب، يذكر الحبيبة  النائبة والوقوف على الدار العافية التي أقامت   فيها زمنا، ومناجاة العهد الناعم الذي كان في هذه الدار ، والتشوق إلى الحبيبة بحنين الإبل، ولمع  البرق ، والارتياح إلى النسيم الذي يهب  ناحيته، والنار التي تلوح من وجهتها ، ثم يأخذ الشاعر في وصف الرحيل والانتقال و السفر، وما قطع من مفاوز، وما أقضى من ركائب وما تجشم من هول الليل، وحر النهار ، ويخرج من ذلك في اقتضاب عادة  إلى غرضه من القصيدة ، فيمدح أو يفتخر ، وأحيانا يختم كلامه بشيء من الحكم والنظرات في أحوال الاجتماع"(81).

وما يجب التنبه إليه في هذا الصدد هو أن كثيرا من الشعر القديم لم ينقل إلى الأجيال مكتوبا وإنما نقتله الذاكرة، والذاكرة تخون فقد أضاعت منه الكثير وخلطت بين أكثره لأنها لم تحسن الرواية، " فكثر الاضطراب في هذا الشعر وخيل إلى المحدثين أن هذا الاضطراب طبيعي في الشعر العربي القديم ولم يفطنوا أنه علة طارئة ومرض عارض، لم يصب الشعر العربي وحده وإنما أصاب كل قديم نقل إلى المحدثين أجيالا طوالا من طريق الرواية لا من طريق التدوين"(82) ويبقى موضوع القصيدة موضوعا واحدا يتناوله الشاعر في قصيدته ويأخذ في الحديث عنه انطلاقا من كونه يشكل الغرض الأساس منها. والحديث عن الأمر الواحد يتشعب ويستتبع بحديث عن أمور متعددة أخرى" لكنها إنما تندرج جميعا في سياق الحديث تبعا لمقتضيات التفكير ومنطق الواقع وطبيعة تشعب النفس . ومن هنا تكون القصيدة متناسقة تتكامل في أجزائها. ويعلق بعضها ببعض مع غرابة الجزء عن الجزء وتفاوت موضوعها."(83)

 

ثم يتناول العلامة طه أحمد إبراهيم بعد ذلك ثنائية الصدق والكذب مع قدامة بن جعفر ويستهل بحثه بقوله:"يرى قدامة أن الكلام في نقد الشعر أقسام، وأن من هذه الأقسام ما عنى به العلماء، واستعصوا بحثه، ومنها ما كان نصيبه الإهمال، وهذا الذي أهمل هو نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه، فلم يؤلف فيه كتاب، ولم توضع له قواعد، وأصبح الناس يخطبون فيه منذ تفقهوا في العلوم، وقلما يصيبون، وساء قدامة هذا الإهمال ، وعز عليه أن يظل الناس في نقد الشعر فوضع لهم في ذلك كتابا يمهد لهم الإصابة في الحكم ، ويقودهم إلى اليقين ."(84) ودليلنا النقلي على ذلك قوله:" ولم أجد أحدا وضع في نقد الشعر و تخليص جيده من رديئه كتابا وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة" (85).

  ومعنى ذلك أنه لم يطلع على ما جاء في كتاب " نقد الشعر " لصاحبه الناشيء الأكبر والمتوفى في سنة 293هـ، ولا على كتاب "عيار الشعر"لصاحبه ابن طباطبا العلوي، أو أنه اطلع عليهما، ولم يعجب بما جاء فيها، فسعى إلى وضع كتاب في "نقد الشعر" متجاهلا لهما.

 حدد قدامة مكونات الصناعة الشعرية  وجعل لها ائتلافات أربعة وهي:

1-      ائتلاف اللفظ مع المعنى.

2-      ائتلاف اللفظ مع الوزن.

3-      ائتلاف المعنى مع الوزن.

4-      ائتلاف المعنى مع القافية.

بعد هذا التحديد لمكونات الصناعة الشعرية، انتقل للحديث عن نعوت الجودة ووزعها على عناصر الشعر مفردة ومركبة، وبدأ باللفظ ثم القوافي ليثني بنعوث المعاني الدال عليها الشعر، وذكر أغراضه المهمة ثم ما يعم جميع المعاني الشعرية، وتكلم على أنواع نعوت المعاني. وفي ذلك يتسائل طه أحمد إبراهيم قائلا:" أو ليس الذي أوردناه روحا جديدة في النقد ؟ أو ليس هذا الحصر المنطقي العنيف صدى لثقافة لا تكاد تمث بسبب إلى التراث العربي؟ طالما أتعب الشعر ناقديه، وها هو ذا رضخ واستكان ، فلن يغيب فيه حسن ، ولن يند فيه قبح، ولن يضل ناقد في الحكم عليه، فإن كان ماسبق أمس بأشكاله وصوره، فإن قدامة لم يظن علينا بما يحصي زفرات الشعراء إذا تصعدت، وخفقان قلوبهم إذا اهتاجت، وحركات أذهانهم وأرواحهم إذا سبحت في الملكوت."(86)، بل يذهب ذ.طه أحمد إبراهيم أبعد من ذلك حين ينص:" ... من أجل ذلك لا نغالي، إذا قلنا إن هذه النعوت التي أرودها قدامة في الأضرب الثمانية لا تدرك الشعر إلا شيئين ضئيلين: الشيء الظاهر الواضح الذي لا يحتاج إلى تحديد، والشيء الشاذ الغريب الذي يدرك بغير عناء، فأما العناصر الفطرية السمحة الجليلة الضخمة التي تذاق وتشرح بالذوق، هذه العناصر التي هي كل شيء في الشعر، لم يصل إليها قدامة على بذل من تحديد وحصر"(87).

   اعتبر ذ:طه أحمد إبراهيم  ما جاء به قدامة بن جعفر لا يغدو أن يكون " صدى لثقافة لا تكاد بسبب إلى التراث العربي." (88) فهو" تحكيم للقواعد الفلسفية في معاني الشعر العربي، وأكثر هذا رسوم عميقة لا طائل تحتها، رسوم لا تصل إلى روح الشعر، ولا تدرك العناصر السامية التي يكون بها الشعر شعرا."(89) وبذلك رفض ذ.طه أحمد إبراهيم طرح قدامة بن جعفر لأسباب منها:

1-       إن لكل علم قواعد عامة مطردة كقواعد النحو والهندسة، فأكبر ضلع مثلث مثلا أصغر من مجموعة الضلعين الآخرين نظرية عامة مطردة، فهل يمكن في النقد أن نضع نظرية عامة مطردة؟.

2-       إن عماد النقد هو الذوق الفني، فهو عماد فهم النصوص الأدبية وتذوقها والإحساس بما فيها من عناصر عذبة أو رقيقة جلية، أو ذميمة، وإذا عرفنا أن الذوق الأدبي يتفاوت بتفاوت الأفراد، بل يتفاوت في فرد بعينه باختلاف العصور عرفنا أننا لا نستطيع أن نقيم عليه حكما عاما ولذلك يطرح ذ. طه أحمد إبراهيم بديلا عن طرح قدامة بن جعفر مفاده أن النقد الأدبي لا يمكن أن يكون علما، وكل ما يمكن هو نستعين عليه أحيانا بطرق العلم في يسر ورفق وهوادة وأناة."(90)

 والواقع أن محاولة وضع حدود للفنون، ومنها الشعر، ليست من السهولة بالدرجة التي يحسبها أكثر الناس، وقد بان قصورها من خلال مناقشته ذ. طه أحمد إبراهيم لها، والسبب في تلك الصعوبة أن هناك شيئا بل أشياء وراء الظواهر التي ينظر إليها المحددون ويشهدونها بأعينهم، أو يسمعونها بآذانهم، وتلك الأمور الخلفية هي الأرواح والمشاعر والعواطف والانفعالات الكامنة في نفوس الفنيين والمواهب والاستعدادات الخاصة بكل منهم، والتي تظهر فيما يقرضون من الشعر.

  ولن يستطيع العلماء والمحددون أن يحصوا تلك الأحاسيس والخواطر مهما حاولوا إحصاء الظواهر واستقصاءها وتخصيص الجزئيات التي ينفرد بها المعرف إذا كان فنا، وغاية ما يمكن أن يقال في هذا الشأن أن الفنون لا يمكن تحديدها، وإنما توصف بصفاتها، وليست تلك الصفات واحدة، بل إنها كثيرة، وهي في الوقت نفسه متباينة متغايرة من فن إلى فن، وكل ناظر يصف ما راقه، ويشيد بالناحية التي أعجبته، وبتلك النظرات المختلفة ونواحي الإعجاب الكثيرة تتكون معالم عامة للفن...

 

 وحين يطرح على طه أحمد إبراهيم السؤال التالي: ما الذي قدمه قدامة بن جعفر للنقد؟.

  يؤكد أن قدامة بن جعفر لم يقدم للنقد العربي شيئا يفيده بل عمله لا يعدو أن يكون عبارة عن "رسوم عميقة لا طائل تحتها"(91).لو صح ما يقوله قدامة لنضب الشعر في جيل واحد ولاستحال نظما." (92) إنه من العنف أن نرهق الشعر بتلك القواعد المنطقية لاعتماده على شيء فوق الضبط والقاعدة هو الشعور والإحساس...

 

 ونحن نتساءل عن طبيعة القراءة التي قام بها الأستاذ طه أحمد إبراهيم لا يسعنا إلا أن نسجل الملاحظات التالية:

1- إن قراءة طه أحمد إبراهيم، قراءة تعي منذ اللحظة الأولى كونها تأويلا ، فلا تتوقف عند حدود " التلقي المباشر ". بل تساهم بوعي في إنتاج وجهة النظر التي يحملها، أو يتحملها الخطاب النقدي القديم. فهي قراءة لا تقبل الوقوف عند حدود " العرض " و "التلخيص" بل تريد إعادة بناء ذلك الخطاب بشكل يجعله أكثر تماسكا وأقوى تعبيرا عن إحدى وجهات النظر التي يحملها صراحة أو ضمنا، وبذلك غدت القراءة التي قام بها ذ.طه أحمد إبراهيم ذات بعدين:

الأول يتحدث منه الناقد التراثي، والثاني يتحدث منه أستاذنا طه أحمد إبراهيم.

وهذه القراءة لن يتم لها النجاح إلا إذا وظفت البعدين معا في إنتاج بناء واحد منسجم متماسك من شأنه أن يقضي على التناقضات التي قد تطفو على سطح الدراسة عن طريق التأويل انطلاقا من أن الناقد كلما وقع في تناقض بين المقدمات والنتائج أو بين هذه وتلك، لا يتردد في التماس مخرج حتى يتأتى له تقديم قراءته في صورة أكثر تماسكا وأقوى تعبيرا.

2-إن قراءة طه أحمد إبراهيم للتراث كانت تطغى عليها الصبغة الانتقائية، فهذا العمل الانتقائي للنصوص جعل جوانب كثيرة من تراثنا في نقد الشعر بصفة خاصة، وتراثنا في كافة المجالات الفكرية بصفة عامة – باعتبار أن العلاقة بينهما علاقة الجزء بالكل– عرضة للضياع والإهمال.بل وحتى النصوص التي درست نسجل عليها الملاحظات التالية:

أ- لم تضبط الضبط العلمي الدقيق، بل كثيرا ما كان الناقد يحرف كلماتها عن طريق الزيادة والنقصان أو القلب...

ب- لم تدرس الدرس اللائق بها، فقد كان الناقد طه أحمد إبراهيم يقف عند عمومية هذه النصوص دون جزئياتها ، ويصدر أحكام قيمة لها أو عليها دون أن يلم بجميع مفاهيمها،ويرجع ذلك إلى أن الباحث يهدف من وراء إعادة تشكيله للتراث إلى الكشف في النصوص التي تقع بين يديه عن ما يبرر به منطلقاته المسبقة و التي تجمعت لديه طيلة مسيرته التكوينية . وفي هذا الصدد يقول جابر عصفور:" تراثنا في نقد الشعر، تراث ثري، ولم تكشف كل جوانب ثرائه وذلك بسبب ما ضاع من هذا التراث وعدم دراسة كل جوانبه المتبقية حتى الآن.ويدهش المرء عندما يطالع في الفهارس أوالتراجم القديمة أسماء الكتب التي فقدت من هذا التراث، إلى الدرجة التي تجعله يتشكك في دقة تصورنا عن تراثنا النقدي بعامة...وإذا أضفنا الكتابات ذات الطابع التعليمي التجميعي وشروح الشعر المتعددة الاتجاهات والأنواع ازداد إدراكنا بثراء تراثنا النقدي في الشعر ، بل ازداد إدراكنا لحقيقة مهمة مؤداها أن هذا التراث لم تكشف كل جوانبه بعد، ولم تدرس الدرس الواجب الجاد."(93)

3- إن عمل الأستاذ طه أحمد إبراهيم يتركز على التأريخ للنقد العربي من العصر الجاهلي حتى حدود القرن الرابع الهجري.واعتبارا أن كل قراءة من القراءات تعكس موقفا سياسيا وفكريا معينا نؤكد أن طه أحمد إبراهيم لم يصدر في تأريخه للنقد العربي القديم ولا في إعادة قراءته من مقدمات فارغة، بل كان هاجس القومية العربية يحكمه تمثل حين أكد على عروبة النقد في قوله" والنقد الأدبي عربي محظ، أو هو كذلك حتى تمكن ورسخت روحه ومناحيه."(94)

   إن طرح ذ. طه أحمد إبراهيم يكشف عن المرحلة التي أفرزته فقد صدر الكتاب عام 1937م وهي مرحلة حاسمة في تاريخ الأمة العربية، عرفت الزحف إلى الشرق العربي سواء عن طريق الاستعمار المباشر المتمثل في احتلال الأرض أو غير المباشر المتمثل في التدخل في المنشآت الاقتصادية. ولا يخفى على أحد ما يهدف إليه التدخل الاستعماري من ضرب للذات العربية وتبيان انحطاطها وتخلفها وطرح محلها الفكر الاستشراقي عن طريق طمس الهوية العربية وإشعار الأمة العربية بتبعيتها للغرب في جميع المستويات بالإضافة إلى ما عرفه التراث النقدي من تشويه وتزوير للحقائق من طرف هؤلاء المستشرقين أيضا.

 

   في هذه الفترة كذلك ظهر الاتجاه العقلاني العلماني الداعي إلى السير على خطى الغير والتفكير بعقلية الغرب، متناسيا أن للعرب خصوصيات، واختلاف الخصوصيات يجعل من المتعذر الحديث عن نقط الالتقاء والتشابه بين الغرب والعرب، وقد حمل لواء هذا الاتجاه العلماني من الأقلام العربية، الدكتور محمد حسين هيكل الذي دعى إلى العلم الخالص وترجم العديد من النظريات والأبحاث الغربية كنظرية "كانت" القائلة بانتصار العقل، إلى جانبه الدكتور طه حسين في مؤلفه "في الشعر الجاهلي" الصادر عام 1926م حيث استخدم منهج الشك الديكارتي في التراث العربي...

 

   إذن في هذا الجو المفعم بالاضطرابات السياسية والاجتماعية والفكرية، كان لابد أن تظهر حركة قومية ترد الاعتبار للإنسان العربي وللذات العربية ومن العوامل التي أفضت إلى قيام هذه الحركة في مطلع القرن العشرين:

*عوامل تاريخية: تتصل بطبيعة الحس الزمني و الحرص على وصل الحاضر بالماضي و المفاخرة بمآثر الأجداد واعتبارها جزءا من الذخيرة الروحية الواحدة، إذ كان السؤال المطروح: كيف نحيي التراث ؟ وكان الحوار في هذا الصدد هو حوار بين "الماضي" و"المستقبل" أما الحاضر فغير "حاضر" ليس فقط لأنه "مرفوض" بل أيضا لأن الماضي قوي في هذا المحور إلى الدرجة التي جعلته يمتد إلى المستقبل ويحتويه، تعويضا عن الحاضر وتأكيدا للذات وردا للاعتبار إليها.

*عوامل قومية وسياسية: تتصل باستيقاظ الوعي القومي والشعور العارم بهوية قومية واحدة ذات جوانب عرقية ولغوية وثقافية معينة، في هذه الحقبة ركن الكتاب والنقاد وغيرهم إلى الدفاع عن الهوية العربية في مرحلة هجوم أوربا المباشر (الاستعمار ) وغير المباشر (الاستشراق) وهذا الدفاع تمثل في الرد على التحديات الغربية ذات النظرية العنصرية الشوفينية التي تنطلق من أن كل ما أنتج خارج أوربا لا يمكن أن يضاهي ما أنتج بداخلها على اعتبار أنها مركز الثقافة و المعرفة، ومركز الحضارة، والاستشراق نفسه سيعبر من قنطرة سياسية خصوصا وأن تطور الاستشراق كان مرتبطا بتطور الاستعمار، ومن جملة ما يهدف إليه: التحكم في الإنسان حاضرا، ولن يتم له ذلك إلا بالتحكم فيه ماضيا وذلك عن طريق تشكيكه في تاريخه وتراثه وربطه بالثقافة الحالية.فالاستشراق هو الذي يتوجه إلى اجتثات تاريخ الشعوب ويفسده ويشكك الشعوب في ذواتها، ثم يربطها بتاريخ جديد يمجده لها، وبذلك يكتسبها.

    أمام هذا الصراع المرحلي بين الشرق والغرب، ظهرت كتابات متعددة تعكسه وتهدف كلها إلى إثبات الهوية العربية-وهذا ما عبر عنه التيار السلفي- وبذلك يكون الاهتمام بالنقد في هذه المرحلة لم يكن غاية في حد ذاته وإنما كان في إطار الصراع مع النظرية الاستشراقية وإثبات الهوية العربية...كل هذا شكل الهاجس الذي شغل تفكير ذ. طه أحمد إبراهيم وحكم طرحه.فهو هاجس قومي سياسي يرد فيه على التحديات الغربية التي تنص على أن كل شيء خلق في حجر أوربا يعتد به وأن ما خلق خارجها فهو دوني يستحق النبذ والاحتقار والتهميش.

 

 

 

 

الهوامـــــش.

 (1) محمد عبد الجواد: تقويم دار العلوم: العدد المائي يصدر لمرور 75 عاما على المدرسة 1872- 1947 ص 246.

(2) المرجع نفسه الصفحة نفسها.

(3) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري ص 6، طبعة دار الحكمة بيروت لبنان.

(4) المرجع نفسه ص 25.

(5) المرجع نفسه ص 11.

(6) المرجع نفسه ص 10.

(7) المرجع نفسه ص 10-11.

(8) المرجع نفسه ص 11.

(9) ابن قتيبة الشعر والشعراء ج 1، ص 84 تحقيق أحمد محمد شاكر الطبعة 3.

(10) المصدر السابق ج 1، ص 84.

(11) طه أحمد إبراهيم: تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 16.

(12) المرجع نفسه ص 24.

(13) المرجع نفسه ص 1.

(14) أبو الفرج الأصفهاني كتاب الأغاني ج 9، ص 303 تحقيق سمير جابر، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

(15) المصدر السابق ج 11، ص 12-13.

(16) المرزباني الموشح ص 46-47.

(17) طه أحمد إبراهيم، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص 13-14-15، طبعة         دار الحكمة بيروت لبنان.

(18) المرجع نفسه ص 15.

(19) المرجع نفسه ص 2.

(20) المرجع نفسه ص 34.

(21) المرجع نفسه ص 124.

(22) المرجع نفسه ص 123.

(23) المرجع نفسه ص 129.

(24) المرجع نفسه ص 129.

(25) المرجع نفسه ص 124.

(26) المرجع نفسه ص 124.

(27) الجاحظ البيان والتبيين ج 2، ص 10، مكتبة الخانجي مصر.

(28) ابن قتيبة الشعر والشعراء ص 76 تحقيق أحمد محمد شاكر الطبعة 3.

(29) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص 124.

(30) ابن قتيبة الشعر والشعراء ص 76 تحقيق أحمد محمد شاكر الطبعة 3.

(31) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص 128 طبعة دار الحكمة

(32) المرجع نفسه ص 129.

(33) المرجع نفسه ص 129.

(34) المرجع نفسه ص 90.

(35) المرجع نفسه ص 95-96

(36) المرجع نفسه ص 94

(37) المرجع نفسه ص 104.

(38) أبو نواس: ديوان أبي نواس ص402.

(39) بشار بن برد: ديوان بشار بن برد ج 2 ص 52 تحقيق محمد الطاهر عاشور الشركة التونسية للتوزيع 1996.

(40) المصدر السابق ج 1، ص 231.

(41) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 99.

(42) أبو الفرج الأصفهاني كتاب الأعاني ج 4، ص 13 طبعة دار الكتب.

(43) المصدر السابق الجزء الرابع ص 36.

(44) ابن رشيق القيروان العمدة في محاسن الشعر والأدب ج 2، ص 303- 304 تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد طبعة دار الجيل بيروت لبنان.

(45) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 97.

(46) المرجع نفسه ص 97.

(47) المرجع نفسه ص 94.

(48) المرجع نفسه ص 105.

(49) المرجع نفسه ص 104.

(50) المرجع نفسه ص 104.

(51) المرجع نفسه ص 105.

(52) محمد مندور النقد المنهجي عند العرب ص 79.

(53) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 141-142.

(54) المرجع نفسه ص 142.

(55) المرجع نفسه ص 179

(56) المرجع نفسه ص 179.

(57) المرجع نفسه ص 180.

(58) المرجع نفسه ص 180.

(59) المرجع نفسه ص 180.

(60) المرجع نفسه ص 180.

(61) المرجع نفسه ص 181.

(62) المرجع نفسه ص 177.

(63) المرجع نفسه ص 178.

(64) المرجع نفسه ص 177-178.

(65) المرجع نفسه ص 178.

(66) المرجع نفسه ص 178.

(67) الآمدي الموازنة بين الطائيين الجزء الأول ص 496 تحقيق السيد صقر القاهرة 1965.1961.

(68) المصدر السابق الجزء الأول ص 292.

(69) المصدر السابق والصفحة نفسها.

(70) المصدر السابق ج 1 ص 517.

(71) المصدر السابق ج 1 ص 243-244.

(72) ياقوت الحموي معجم الأدباء ج 14، ص 24 -25

(73) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 152

(74) المرجع نفسه ص 186.

(75) محمد مندور النقد المنهجي عند العرب ص 250.

(76) المرجع السابق ص 296.

(77) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 169.

(78) الجرجاني الوساطة بين المتنبي وخصومه ص 214 -215.

(79) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 171.

(80) محمد مندور النقد المنهجي ص 339.

(81) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 92.

(82) طه حسين حديث الأربعاء ج 1 ص 31 -32.

(83) محمد نجيب البهبيتي تاريخ الشعر العربي ص 53.

(84) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 130.

(85) قدامة ابن جعفر نقد الشعر ص 61 تحقيق عبد المنعم خفاجة دار الكتب العلمية.

(86) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي ص 131.

(87) المرجع نفسه ص 136.

(88) المرجع نفسه ص 131.

(89) المرجع نفسه ص 132.

(90) المرجع نفسه ص 137.

(91) المرجع نفسه ص 132.

(92) المرجع نفسه ص 133.

(93) جابر عصفور مفهوم الشعر ص 5-6

(94) طه أحمد إبراهيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 6.