سحر التيلانــــــــــــــــــــد

بشرى عبد المجيد تاكفراست
  كلية اللغة العربية
  جامعة القرويين المغرب


نحن الآن في مكان شاعري ولطيف يغص بأزهار الوتس، إنه " محرقة الجثث" في تايلاند لا يدفنون موتاهم، وإنم يحرقونهم، ورماد الموتى يلقى معاملة خاصة من بوذا إذا كان (الفقيد) ثريا، وينتظر رماده برنامج حافل قبل أن ينثر فوق الأنهار والجبال. أما الفقير، فينثرون رماده فوق تلال النسيان بلا طقوس، إلا إذا استدان ودفع.

رماد الغني يوضع في علب خاصة توجد في قاعدة تماثيل بوذا، ويحفظ هناك زمنا يطول أو يقصر وفقا لثروته،ولكل تمثال من هذه التماثيل تسعيرة خاصة، ولكل علبة إيجارها..وهكذا، شيئا فشيئا تتضح الصورة الاستهلاكية البشعة المختبئة خلف قناع الغرابة. تماثيل بوذا المنتشرة في  المعابد (35 ألف معبد في بانكوك وحدها) هي بمثابة سلسلة تجارية كثيرة الفروع ل" سوبر ماركت" الموت ولوازمه من معلبات البركة والغفران وغيرها.. وخلف هذا المظهر (الديني) الأسطوري هنالك تعاونية لدفن الأموات ومافيا لبيع صكوك الغفران، وهذه التماثيل الذهبية والمعتقدات الغربية والأماكن الخرافية الأجواء. صارت اليوم تخدم وظيفة استهلاكية في مجتمع بدائي الطقوس...

وحينما نعلم أن أميركا تهيمن على الحكم هنا، ندرك هذا الحلف الجهنمي بين جمعية المنتفعين من بؤس الشعب التايلاندي وتخلفه الفكري وسقوطه في فخ الممارسات الوثنية والغيبيات والخرافات، وبين الاستعمار الذي له مصلحة مباشرة في الحفاظ على الشعب مخدرا جاهلا وثنيا.

في الأيام الأولى أذهلتني غرابة بانكوك، ثم اكتشفت أن الغرابة قناع يفرح له السواح، ويضمن بقاء الشعب واقعا في شبكة عالم شبه سحري، مخدرا ببوذا وببقية معتقداته المروعة عن الرواح وغيرها..فبيوت الأرواح منتشرة أكثر من الأفران، وفي كل حي عدة بيوت تترك خاوية تماما لتسكنها الأرواح، إذ يؤمنون بأن لكل شخص روح تحميه وهو يقدم لها الطعام والشراب والأزهار ويعتمد عليها كلية. ولا يفكر طبعا بحمل السلاح ليحميه بدلا من (الروح).

وأعيادهم هنا مكرسة لمتابعة " برنامج التخدير" الذي يشرف عليه خبراء أميريكيون.

فالكراسات السياحية تروج أكذوبة (الابتسامة التايلاندية) دون أن تذكر أنه أكثر حزنا من ابتسامة الموناليزا، ثم تباهي بكثرة الأعياد، وبأنهم يحتفلون بأعيادهم الخاصة بالإضافة إلى الأعياد الغربية...وهكذا فالوقت الذي لا يقضونه في  التخدير بوثنيتهم، يقضونه في الاحتفال بأعيادها، وخوفا من توفر الوقت لإعادة لنظر، لابد من تخدير العقل جماعيا بأعياد العالم الغربي أيضا...وهكذا  يشعر الإنسان بالكآبة وهو يرى هذا الشعب الطيب يحيا في ظل نظام يشجعه على  الخروج من العصر والعيش في عالم مزيف من الأساطير والرؤى، وتتلاشى غرابة الصورة تماما حين تتضح الحلقات الجهنمية من التحالفات التي تكمن وراءها...وهكذا، بعد أيام يصير للمرئيات كلها معنى آخر..

في معبد  "أوت سواذاتّ" نرى 160 تمثالا مذهبا لبوذا تمثله جالسا فوق قاعدة ضخمة، وهي مصفوفة على طول الجدران كالعساكر... هذا المشهد معناه وجود مئات العلب الخاصة بحفظ رماد الأموات والتي توجد عادة في قاعدة التمثال!..وبدأت أحصي عدد العلب في كل تمثال. وإيجارها التقريبي، وبالتالي ما يدره هذا المكان من ربح سنوي مقابل بيع البركة للرماد مع  وعد بأن يكون تقمصها المقبل في جسد أفضل!..

أماكن عبادة كهذه. عليك أن تزورها مزودا بآلة حاسبة!..الدولار هنا هو السيد، وهو المعبود الحقيقي الجالس كضمير مستتر داخل تماثيل بوذا( كل دولار يعادل 20 باهت. والـ " باهت" هو وحدة عملتهم المحلية).

ها هو تنين ذهبي يركض على صفحة نهر " تشاوفيا". طوله حوالي 50 مترا، بعد قليل أتبين فيه مركبا جميلا مذهبا فيه عشرات الرجال بثياب أسطورية حمراء وخوذات ذهبية. وهم ينشدون  ويحركون المجاديف مع إيقاع غنائهم، إنها " سري سوبانا هونجر" أي البجعة الذهبية التي يستقلها ( ملكهم) في الأعياد. وهي دونما شك أجمل (يخت) ملكي في العالم بنقوشها المذهبة، وبجعتها التي ترتفع برأسها حوالي 9 أمتار فوق سطح الماء وتتهاوى كحلم...ولكن الحلم انكسر إذا كنت مثلي تؤمن بوجود خطة خاصة للإبقاء على هذا الشعب الطيب الكادح. ساقطا في غلالات الوثنية والأحلام من أجل تخديره عن نفسه وواقعه المتخلف.

حين يصير القمر بدرا في شهر نوفمبر ويعتدل الطقس – نسبيا- يخرج أبناء المدينة هنا إلى طرقات الليل للاحتفال بالقمر...يأتون بأوراق الموز، ويصفون داخلها أزهار اللوتس حول شمعة في الوسط، ثم تضاء الشمعة، ويترك هذا كله على وجه النهر، فيطفو وتجرفه المياه الهادئة وتركض ملايين الشموع في موكب مسحور من أزهار اللوتس على الصفحة الليلية السوداء وتتعالى الأغاني..ترى هل يأتي يوم يشعلون فيه هذه الشمعة، للثورة بدلا من الخرافات؟

أنا في الطريق إلى شاطئ "باتايا" جنة السباحة والغطس – كما يلقبونها- وتقع على مقربة من كمبوديا، وفكرت " سأرى التماسيح البشرية وهي تتشمس وتطارد ذيلها فوق  الرمال وتسبح لماذا لا أذهب لرؤية تماسيح حقيقية غير متنكر في هيئة آدمية؟، وهكذا طلبت من السائق " بيون" أن ينعطف بي إلى ضاحية "ساموتبراكرن" حيث توجد أكبر مزرعة للتماسيح في العالم ، وتضم 30 ألف تمساح او أكثر.

المكان حار جدا، فيه أزهار استوائية فاحشة الحمرة والجمال، وفيه فيل لطيف، وقرد يركب دراجة ويداعب الأطفال.

أتجول بين آلاف التماسيح...كان هنالك رجل شبه عار يقف بين التماسيح في حفرة، وخيل إلي أنه سقط بينها، وقبل أن أصرخ مرتاعة، لاحظت أنه يقدم استعراضا عجيبا...إنه يضرب التمساح ويمرغ رأسه وأنيابه في الطين. ها هو الإنسان البدائي يمارس سلطته الاستعراضية على الكائنات الطبيعية، والناس بين مهلل ومصفق. ها هو يقلب التمساح على ظهره، ويركب تمساحا آخر يسبح به فيهتف المتفرجون بحياته، ويقذفون إليه بنقودهم، وها هو التمساح يتعلم، فليلتقط الدولار بفمه، وينحني للسادة شكرا..

لا تضع حقيبة يدك على الأرض هنا، كي لا  تقرر احتلالها رتيلاء سوداء، وتحولها إلى مسكن كما فعلت بي رتيلاء لطيفة (صافحتها) في حقيبتي حين مددت يدي لإخراج الكاميرا وتصوير (الشيخ والتمساح).


وسط هذا الحر اللافح، تحس بالعطش والحاجة إلى الماء . لكن الماء ملوث هنا، وقد حذرونا من شربه، وتضطر إلى شرب الكوكا كولا وماء جوز  الهند، وتتساءل غاضبا، أولئك الرهبان العاطلون عن العمل، لماذا لا يبنون مصنعا لتنقية المياه ووضعها في زجاجات بدلا من التسول؟ (يبدو أني مصرة على إيجاد عمل لهم قبل أن أغادر بانكوك)

نودع بانكوك بلقاء أجمل ما فيها " السوق العائمة"، وهي سوق للبيع والشراء فوق وجه الماء في منطقة "كلونغ" أي القنوات. بانكوك تلقب أحيانا ب "بندقية الشرق الأقصى" أو " فينيسيا الشرق" نسبة إلى مدينة البندقية الإيطالية التي شوارعها قنوات مائية يتجول الناس فيها بالجندول، ولكن الفن الارستقراطي في مدينة البندقية يحل محله هنا مشهد بدائي مدهش الفرادة والمذاق بعفويته.

ها نحن نخترق "شايناتاون" – الحي الصيني- ونستقل مركبا يمضي بنا إلى عرض نهر " تشا وفيا" ثم ينعطف، وبعد دقائق نجد أنفسنا وسط عالم مذهل. هاهم الفلاحون يحملون محاصيلهم،  ويمضون في الطريق التي عرفوها منذ أقدم العصور: النهر، إنهم يرفضون الشوارع المعبدة والسيارات، ويفضلون درب أجدادهم العتيقة متابعين تلك الملحمة المائية عن استمرارية الحياة وتلونها وحراتها المذهلة: البساطة والتعقيد في آن معا.

بعضهم اتخذ من مركبه بيتا، وها هو الطفل العاري تماما لأحدهم يلوح لنا وعلى رأسه قبعة، وها هي زوجته تنشر الغسيل على حبل ممدود بين سارية المركب ومقدمته، ورائحة طعامها تهاجمهنا ببهارتها النفاذة .مركب آخر فيه صبية تنظف  أسنانها بالفرشاة مستعينة بماء النهر الوسخ، وإلى جانبها وعاء يجمعون فيه ماء المطر للشرب، عشرات المراكب محملة بأطايب الفواكه الاستوائية بأشكالها الغريبة التي نجهل أكثرها... امرأة في مركب صغير هو بمثابة " تاكسي نهري" وقد جلس الزبون تحت مظلة بيضاء تقيه الحر..الأطفال يسبحون ويتسلقون زورقنا متسولين..أحدهم يحاول بيعي قلادة كبيرة وينجح في ذلك.

يمر بنا موكب من المراكب، مثل قبيلة من بدو النهر الرحل، راكضة بخيامها الخشبية على صفحة الماء، وسكانها يمارسون التفاصيل اليومية الحميمة لحياتهم تحت الشمس، دونما سرية وارتباك،ونحن نرقبهم ونرتبك قليلا، لكن ذلك الرجل يتابع حلاقة ذقنه أمام مرآة مكسورة، وطفله يتابع قضاء حاجته، وزوجته نصف العارية تغسل الثياب، وكهل يتمطى متثائبا وقد فتح فمه كتمساح سعيد، والتمعت تحت الشمس أسنانه الذهبية، وكلب صغير يتمسح به ويهز لنا ذيله.

بالإضافة إلى "غجر" الماء المتنقلين ببيوتهم تلوح لنا بيوت طافية مثبتة إلى دعائم خشبية وركائز وسط النهر، وينحدر من بابها سلم طرفه الآخر غارق في الماء وقد ربط إليه مركب هو وسيلة التنقل الوحيدة، وها هي امرأة تهبط السلم حاملة صحائف الطعام، وراهب  بوذي يتقدم بمركبه متسولا ويأخذ نصيبه، لكنه يحاذر أن يمس يده يدها كي لا تدنسه، رغم أنها هي العضو العامل الفعال وهو الطفيلي القابع خلف قناعة الوثني الديني.


يتابع مركبنا مسيرته وسط  هذا المهرجان البدائي الذي تحيط به الضفتين تلك الغابة المفترسة الجمال، بزنابقها البرية الوحشية الألوان، وخضرتها  المتفجرة بالضياء والسحر، والأشجار الكثيفة ومزارع البامبو والرز و غابات جوز الهند والبابايا والأناناس والمانجو والماندارين والجسور والشرفات الخشبية وبيوت الأرواح والباجودا..إنه عالم روبنس كروزو المشبع برائحة البداءة وتغاريد الطيور الملونة وواحات الضوء والعتمة، الحيوية والغموض، والمراكب التي نبتت على خشبها أعشاب وأزهار وأصوات تثير الحساسية.. إنها لوحات " رسو" أمام عينيك كلما تلفت، ورقصة اللون في الماء، لوحات مونية ورينوار،  أي تطابق بين ذروة العفوية، وذروة العطاء الفني الخالد، ها هو رجل على الضفة طوافة، وآخر يركض عاريا بين الأشجار فتظنه أبانا آدم، وتكاد تنسى عصرك لولا أسلاك الكهرباء بين الأشجار، وذلك البراد الذي نراه وسط أحد البيوت أو تلك الساعة أو ذالك المذياع.

وأخيرا يرسو المركب، وأهبط، فتطالعني سوق  أمضي نحوها، هنالك فيل يتأملني متصفحا ، وقرد يتأملنا معا – الفيل وأنا- بضجر، وفجأة بدأ الفيل يطلق صيحات الغابة بصوت مرعب- بينما كان صاحبه يحاول إقناعي بركوبه- ، وخفت ، لكن القرد لم يخف، وتأمل القيد الحديدي للفيل باحتقار، وصار يقلد صيحاته المزمجرة ساخرا!

في المرة الثانية، رسي المركب أمام باجودا هائلة الارتفاع هي " معبد الفجر" – رمز بانكون كما  برج إيفل رمز باريس – طبقاتها محمولة على  أكتاف تماثيل عفاريت ووحوش لها وجوه عابسة، وأخرى ساخرة، تزين الباجودا ملايين من قطع  الخزف الزاهي والبورسلين البديع قدمها أهل المدينة يومئذ من صحونهم الفاخرة وتم كسرها وإلصاقها وها هي الآن تضيء تحت الشمس بآلاف الألوان الخارقة الإيحاء( البسيكاديليك)...

وتحزن من أجل أهل المدينة الذين دفعتهم وثنيتهم إلى هذه العطايا كلها والهدر كله، ويخيل إليك أنك تسمع صوت الفيل مزمجرا والقرد يرمق  قيده الحديدي بسخرية..

سألتني الدليلة، هل تذوقت " ويسكي الرز" المحلي ؟ قلت لها، أشكرك، إني ثملة بالحياة في بانكوك، ولست بحاجة إلى الكحول ،فلا أظن أنني سأستفيق من سكرتي هذه إلا بعد عشرات السنين...

                                                                         

                                                                           بشرى عبد المجيد تاكفراست

مراكش / المغرب